محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
﴿قَالَ هَذَا﴾ أي السد ﴿رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾ على القاطنين عنده. لأمنهم من شر من سد عليهم به، ورحمة على غيرهم، لسد الطريق عليهم ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي﴾ بدحره وخرابه ﴿جَعَلَهُ دَكَّاء﴾ بالمد أي أرضا مستوية، وقرئ ﴿دَكَّا﴾ أي مدكوكا مستوى بالأرض. ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ أي كائنا لا محالة. وهذا آخر حكاية قول ذي القرنين.
تنبيهات :
الأول : قدمنا أنه ليس في القرآن شيء من التاريخ من حيث هو قصص وأخبار. وإنما هي الآيات والعبر والأحكام، والآداب تجلت في سياق الوقائع، ولذا يجب صرف العناية إلى وجوه تلك الفوائد والثمرات، وما يستنبط من تلك الآيات. وقد أشار نبأ ذي القرنين الإسكندر إلى فوائد شتى. نذكر ما فتح علينا منها، ونكل ما لم نحط به علما إلى العليم الخبير.
فمن فوائدها : الاعتبار برفع الله بعض الناس درجات على بعض. ورزقه من يشاء بغير حساب ملكا ومالا. لماله من خفي الحكم وباهر القدرة. فلا إله سواه.
ومنها : الإشارة إلى القيام بالأسباب، والجري وراء سنة الله في الكون من الجد والعمل. وأن على قدر بذل الجهد يكون الفوز والظفر فإن ما قص عن الإسكندر من ضربه في الأرض إلى مغرب الشمس، ومطلعها وشمالها وعدم فتوره ووجدانه اللذة في مواصلة الأسفار وتجشم الأخطار، وركوب الأوعار والبحار، ثم إحرازه ذلك الفخار، الذي لا يشق له غبار، أكبر عبرة لأولي الأبصار.
ومنها : تنشيط الهمم لرفع العوائق. وأنه ما تيسرت الأسباب، فلا ينبغي أن يعد ركوب البحر ولا اجتياز القفر، عذرا في الخمول والرضاء بالدون. بل ينبغي أن ينشط ويمثل في مرارته، حلاوة عقباه من الراحة والهناء. كما قضى الإسكندر عمره ولم يذق إلا حلاوة الظفر ولذة الانتصار : إذ لم يكن من الذين تقعدهم المصاعب عن نيل ما يبتغون.
ومنها : وجوب المبادرة لمعالي الأمور من الحداثة. إذ من الخطأ التسويف فيه ؟ إلى الاكتهال. فإن الإسكندر لما تبوأ ملك أبيه كان في حدود العشرين من عمره. وأتى ما أتى وهو في ريعان الشباب وقوة الفتاء. فهاجم أعظم ملوك عصره وأكبر جيوشهم. كأنه القضاء المبرم. ولم يقف في وجهه عدد ولا عُدد. وخاض غمرات الردى غير هياب ولا وجل. وأضاف كل العالم الشرقي إلى المملكة اليونانية وهو شاب. وقضى وهو في الثالثة والثلاثين من عمره كما دونه محققوا المؤرخين.
ومنها : أن من قدر على أعدائه وتمكن منهم، فلا ينبغي له أن تكسره لذة السلطة بسوقهم بعضا الإذلال، وتجريعهم غصص الاستعباد والنكال. بل يعامل المحسن بإحسانه والمسيء بقدر إساءته. فإن ما حكي عن الإسكندر من قوله :﴿قال أما من ظلم﴾ إلى آخره، نهاية في العدل وغاية الإنصاف.
ومنها : أن على الملك، إذا اشتكى إليه جور مجاورين، أن يبذل وسعه في الراحة والأمن، دفاعا عن الوطن العزيز، وصيانة للحرية والتمدن، من مخالب التوحش والخراب، قياما بفريضة دفع المعتدين وإمضاء العدل بين العالمين. كما لبى الإسكندر دعوة الشاكين في بناء السد. وقد أطبق المؤرخون على أنه بنى عدة حصون وأسوار، لرد غارات البرابرة، وصد هجماتهم.
ومنها : أن على الملك التعفف عن أموال رعيته، والزهد في أخذ أجرة، في مقابلة عمل يأتيه، ما أغناه الله عنه، ففي ذلك حفظ كرامته وزيادة الشغف بمحبته. كما يأبى الإسكندر تفضلا وتكرما.
ومنها : التحدث بنعمة الله تعالى إذا اقتضاه المقام. كقول الإسكندر في مقام تعففه عن أموالهم، والشفقة عليهم ﴿ما مكني فيه ربي خير﴾ كقول سليمان ﴿فما آتاني الله خير مما آتاكم﴾ وقد قيل : إن دخل إسكندر من البلاد التي فتحها كان نحو ستين مليون ليرة إنكليزية.
ومنها : تدعيم الأسوار والحصون في الثغور، وتقويتها بذوب الرصاص وبوضع صفائح النحاس، خلال الصخور الصم، صدقا في العمل ونصحا فيه. لينتفع به على تطاول الأجيال. فإن البناء غير الرصين لا ثمرة فيه.
ومنها : مشاطرة الملك العمال في الأعمال ومشارفتهم بنفسه إذا اقتضى الحال، تنشيطا لهمتهم وتجزئة لهم وترويحا لقلوبهم. وقد كان الإسكندر يقاسم الرجال الأتعاب، ويدير العمل بنفسه، كما بينه الذكر الحكيم في قوله :﴿ءاتوني أفرغ عليه قطرا﴾.
ومنها : تعريف ثمرة العمل المهم، ليعرفوا قدره فيظهروا شكره. ولذا قال :﴿هذا رحمة من ربي﴾.
ومنها : الإعلام بالدور الأخروي، وانقضاء هذا الطور الأولي، لتبقى النفوس طامحة إلى ذلك العالم الباقي والنعيم السرمدي. ولذا قال :﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي﴾.
ومنها : الاعتبار بتخليد جميل الثناء، وجليل الآثار. فإن من أنعم النظر فيما قص عنه في هذه الآيات الكريمة، يتضح له جليا حسن سجاياه وسمو مزاياه. من الشجاعة وعلو الهمة والعفة والعدل. ودأبه على توطيد الأمن وإثباته المحسنين وتأديبه للظالمين. والإحسان إلى النوع البشري، لاسيما في زمان كان فيه أكثر عوائد وأخلاق الأمم المتمدنة وغير المتمدنة، وحشية فاسدة.
ومنها : الاهتمام بتوحيد الكلمة لمن يملك أمما متباينة. كما كان يرمي إليه سعي الإسكندر. فإنه دأب على توحيد الكلمة بين الشعوب ومزج تلك الأمم المختلفة ليربطها بصلات الحب والعوائد. وقد حكى أنه كان يجيش من كل أمة استولى عليها، جيشا عرمرما، يضيفه إلى جيشه المكدوني اليوناني. ويأمر رجاله أن يتزوجوا من بناتهم، لتوثيق عرى المحبة والارتباط، وإزالة البغض والشحناء.
ومنها : الاعتبار بما يبلغه الإنسان، وما فيه من بليغ الاستعداد. يقضي على المرء أن يعيش أولا طفلا مرضعا. لا يعلم ما حوله ولا يطلب غير ما تحتاج إليه طبيعته الضعيفة، قياما بما تقتضيه أسباب الحياة، وهو ملقى إذ ذاك لا إرادة له. وعرضة لأسقام تذيقه الآلام، وقد تجرعه كأس الحمام قبل أن يرى ويدرك شيئا من هذا النظام. فإذا استظهرت فيه عوامل الحياة على دواعي الممات، وسرت بجسمه قوى الشبيبة، وصرف ما أنعم الله عليه، إلى ما خلق لأجله، ترعرع إنسانا عظيما ظافرا بمنتهى أمله.
التنبيه الثاني : في ذي القرنين. اتفق المحققون على أن اسمه الإسكندر المقدوني وهو ابن فيليس، وقال ابن القيم في ( إغاثة اللهفان ) في الكلام على الفلاسفة : من ملوكهم الإسكندر المقدوني وهو ابن فيليس وليس بالإسكندر ذي القرنين الذي قص الله تعالى نبأه في القرآن. بل بينهما قرون كثيرة وبينهما في الدين أعظم تباين. فذو القرنين كان رجلا صالحا موحدا لله تعالى يؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
وكان يغزو عباد الأصنام وبلغ مشارق الأرض ومغاربها. وبنى السد بين الناس وبين يأجوج ومأجوج. وأما هذا المقدوني، فكان مشركا يعبد الأصنام هو وأهل مملكته. وكان بينه وبين المسيح نحو ألف وستمائة سنة. والنصارى تؤرخ له. وكان ارسطاطاليس وزيره. وكان مشركا يعبد الأصنام. انتهى كلامه.
وفيه نظر. فإن المرجع في ذلك هم أئمة التاريخ وقد أطبقوا على أنه الإسكندر الأكبر ابن فيليس باني الإسكندرية بتسعمائة وأربعة وخمسين سنة قبل الهجرة، وثلاثمائة واثنين وثلاثين سنة قبل ميلاد عيسى عليه السلام. وقد أصبح ذلك من الأوليات عند علماء الجغرافيا. وأما دعوى أنه كان مشركا يعبد الأصنام، فغير مسلم، وإن كان قومه وثنيين، لأنه كان تلميذا لأرسطاطاليس. وقد جاء في ترجمته – كما في طبقات الأطباء وغيرها – أنه كان لا يعظم الأصنام التي كانت تعبد في ذلك الوقت وأنه بسبب ذلك نسب إلى الكفر وأريد السعاية به إلى الملك. فلما أحس بذلك شخص عن أثينا. لأنه كره أن يبتلى أهلها بمثل ما ابتلوا به سقراطيس معلم أفلاطون. فإنه كان من عبادهم ومتألهيهم. وجاهرهم بمخالفتهم في عبادة الأصنام. وقابل رؤساءهم بالأدلة والحجج على بطلان عبادتها. فثوروا عليه العامة واضطروا الملك إلى قتله. فأودعه السجن ليكفيهم عنه. ثم لم يرض المشركون إلا بقتله. فسقاه السم خوفا من شرهم، بعد مناظرات طويلة جرت له معهم. كما في ( طبقات الأطباء وتراجم الفلاسفة ) فالوثنية، وإن كانت دين اليونانيين واعتقاد شعبهم، إلا أنه لا ينافي أن يكون الملك وخاصته على اعتقاد آخر يهاجرون به أو يكتمونه. كالنجاشي ملك الحبشة. فإن جاهر بالإيمان إلى النبي ﷺ. وشعبه وأهل مملكته كلهم نصارى. وهكذا كان الإسكندر وأستاذه والحكماء قبله. فإن الممعن في تراجمهم يرى أنهم على توحيد وإيمان بالمعاد. قال القاضي صاعد : كان فيثاغورس – أستاذ سقراط – يقول ببقاء النفس وكونها، فيما بعد، في ثواب أو عقاب على رأي الحكماء الإلهيين. فتأمل قوله ( على رأي الحكماء الإلهيين ) يتحقق ما ذكرناه.
وأما قول الفخر الرازي :( إن في كون الإسكندر ذا القرنين إشكالا قويا. وهو أنه كان تلميذ أرسطاطاليس الحكيم وكان على مذهبه، فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بان مذهب أرسطاطاليس حق وصدق. وذلك مما لا سبيل إليه ) فلا يخفى دفع هذا اللزوم. فإن من كان تابعا لمذهب فمدح لأمر ما يوجب مدحه لأجله، فلا يلزم أن يكون المدح لأجل مذهبه ومتبوعه. إذ يقوم فيه من الخلال والمزايا ما لا يوجد في متبوعه. وقد يبدو له من الأنظار الصحيحة ما لا يكون في مذهبه الذي نشأ عليه مقلدا. أفلا يمكن أن يكون حرا في فكره ينبذ التقليد الأعمى ويعتنق الحق. ومن آتاه الله من الملك ما آتاه، أفيمتنع أن يؤتيه من تنور الفكر وحرية الضمير ونفوذ البصيرة ما يخالف به متبوعه ؟ هذا على فرض أن متبوعه مذموم. وقد عرفت أن متبوعه ( أعني أرسطاطاليس )، كان موحدا. وهو معروف في التاريخ لا سترة فيه. على أنه لو استلزمت الآية مدح مذهب أستاذه لكان ذلك في الأصول التي هي المقصودة بالذات، وكفى بها كمالا. وللرازي فرص يغتنم بها التنويه بالحكماء والتعريف لمذهبهم، وهذه منها. وإن صبغها – سامحه الله – في هذا الأسلوب. عرف ذلك من عرف.
التنبيه الثالث : اختلف في سبب تلقيبه بذي القرنين. فقيل لأنه طاف قرني الدنيا. يعني جانبيها شرقها وغربها. أو لأنه كان له قرنان أي ضفيرتان. أو لأنه ملك الروم وفارس. قال الزمخشري : ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته، كما يسمى الشجاع كبشا لأنه ينطح أقرانه.
أقول : هذا اللقب من الكناية عن كل ذي قوة وبأس وسلطان. لأن ذا القرون من المواشي أقواها وأشدها. والكناية بالقرن عن القوة والسلطان معروفة عند اليهود، الذين هم السائلون. وقد وقع في توراتهم في نبوة دانيال عليه السلام قوله عن الملك :( فإذا أنا بكبش واقف عند النهر. وله قرنان ) ثم قوله :{ ( وبينما كنت متأملا إذا بتيس معز قد أقبل من المغرب على وجه الأرض كلها. وللتيس قرن عجيب المنظر بين عينيه ) قالوا : القرن هنا رمز إلى القوة والسلطان. والتيس رمز إلى مملكة اليونان. وقرنه رمز إلى أول ملك على هذه المملكة وهو الإسكندر الكبير. وما أشار إليه من سرعة مسير هذا التيس إيماء إلى كثرة ما دهم البلاد به من الغارات المتواصلة. وقوله :( خرج من المغرب ) إشارة إلى خروجه من مكدونية، التي هي إلى غرب فارس، وذلك حين تقدم على جيوش داريوس وكسره. وتعقبه إلى داخل مملكته، والقصد أن هذا اللقب ( ذو القرنين ) شهير وليس من أوضاع العرب خاصة، كما زعمه بعضهم. بل هو معروف عند العبر
تنبيهات :
الأول : قدمنا أنه ليس في القرآن شيء من التاريخ من حيث هو قصص وأخبار. وإنما هي الآيات والعبر والأحكام، والآداب تجلت في سياق الوقائع، ولذا يجب صرف العناية إلى وجوه تلك الفوائد والثمرات، وما يستنبط من تلك الآيات. وقد أشار نبأ ذي القرنين الإسكندر إلى فوائد شتى. نذكر ما فتح علينا منها، ونكل ما لم نحط به علما إلى العليم الخبير.
فمن فوائدها : الاعتبار برفع الله بعض الناس درجات على بعض. ورزقه من يشاء بغير حساب ملكا ومالا. لماله من خفي الحكم وباهر القدرة. فلا إله سواه.
ومنها : الإشارة إلى القيام بالأسباب، والجري وراء سنة الله في الكون من الجد والعمل. وأن على قدر بذل الجهد يكون الفوز والظفر فإن ما قص عن الإسكندر من ضربه في الأرض إلى مغرب الشمس، ومطلعها وشمالها وعدم فتوره ووجدانه اللذة في مواصلة الأسفار وتجشم الأخطار، وركوب الأوعار والبحار، ثم إحرازه ذلك الفخار، الذي لا يشق له غبار، أكبر عبرة لأولي الأبصار.
ومنها : تنشيط الهمم لرفع العوائق. وأنه ما تيسرت الأسباب، فلا ينبغي أن يعد ركوب البحر ولا اجتياز القفر، عذرا في الخمول والرضاء بالدون. بل ينبغي أن ينشط ويمثل في مرارته، حلاوة عقباه من الراحة والهناء. كما قضى الإسكندر عمره ولم يذق إلا حلاوة الظفر ولذة الانتصار : إذ لم يكن من الذين تقعدهم المصاعب عن نيل ما يبتغون.
ومنها : وجوب المبادرة لمعالي الأمور من الحداثة. إذ من الخطأ التسويف فيه ؟ إلى الاكتهال. فإن الإسكندر لما تبوأ ملك أبيه كان في حدود العشرين من عمره. وأتى ما أتى وهو في ريعان الشباب وقوة الفتاء. فهاجم أعظم ملوك عصره وأكبر جيوشهم. كأنه القضاء المبرم. ولم يقف في وجهه عدد ولا عُدد. وخاض غمرات الردى غير هياب ولا وجل. وأضاف كل العالم الشرقي إلى المملكة اليونانية وهو شاب. وقضى وهو في الثالثة والثلاثين من عمره كما دونه محققوا المؤرخين.
ومنها : أن من قدر على أعدائه وتمكن منهم، فلا ينبغي له أن تكسره لذة السلطة بسوقهم بعضا الإذلال، وتجريعهم غصص الاستعباد والنكال. بل يعامل المحسن بإحسانه والمسيء بقدر إساءته. فإن ما حكي عن الإسكندر من قوله :﴿قال أما من ظلم﴾ إلى آخره، نهاية في العدل وغاية الإنصاف.
ومنها : أن على الملك، إذا اشتكى إليه جور مجاورين، أن يبذل وسعه في الراحة والأمن، دفاعا عن الوطن العزيز، وصيانة للحرية والتمدن، من مخالب التوحش والخراب، قياما بفريضة دفع المعتدين وإمضاء العدل بين العالمين. كما لبى الإسكندر دعوة الشاكين في بناء السد. وقد أطبق المؤرخون على أنه بنى عدة حصون وأسوار، لرد غارات البرابرة، وصد هجماتهم.
ومنها : أن على الملك التعفف عن أموال رعيته، والزهد في أخذ أجرة، في مقابلة عمل يأتيه، ما أغناه الله عنه، ففي ذلك حفظ كرامته وزيادة الشغف بمحبته. كما يأبى الإسكندر تفضلا وتكرما.
ومنها : التحدث بنعمة الله تعالى إذا اقتضاه المقام. كقول الإسكندر في مقام تعففه عن أموالهم، والشفقة عليهم ﴿ما مكني فيه ربي خير﴾ كقول سليمان ﴿فما آتاني الله خير مما آتاكم﴾ وقد قيل : إن دخل إسكندر من البلاد التي فتحها كان نحو ستين مليون ليرة إنكليزية.
ومنها : تدعيم الأسوار والحصون في الثغور، وتقويتها بذوب الرصاص وبوضع صفائح النحاس، خلال الصخور الصم، صدقا في العمل ونصحا فيه. لينتفع به على تطاول الأجيال. فإن البناء غير الرصين لا ثمرة فيه.
ومنها : مشاطرة الملك العمال في الأعمال ومشارفتهم بنفسه إذا اقتضى الحال، تنشيطا لهمتهم وتجزئة لهم وترويحا لقلوبهم. وقد كان الإسكندر يقاسم الرجال الأتعاب، ويدير العمل بنفسه، كما بينه الذكر الحكيم في قوله :﴿ءاتوني أفرغ عليه قطرا﴾.
ومنها : تعريف ثمرة العمل المهم، ليعرفوا قدره فيظهروا شكره. ولذا قال :﴿هذا رحمة من ربي﴾.
ومنها : الإعلام بالدور الأخروي، وانقضاء هذا الطور الأولي، لتبقى النفوس طامحة إلى ذلك العالم الباقي والنعيم السرمدي. ولذا قال :﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي﴾.
ومنها : الاعتبار بتخليد جميل الثناء، وجليل الآثار. فإن من أنعم النظر فيما قص عنه في هذه الآيات الكريمة، يتضح له جليا حسن سجاياه وسمو مزاياه. من الشجاعة وعلو الهمة والعفة والعدل. ودأبه على توطيد الأمن وإثباته المحسنين وتأديبه للظالمين. والإحسان إلى النوع البشري، لاسيما في زمان كان فيه أكثر عوائد وأخلاق الأمم المتمدنة وغير المتمدنة، وحشية فاسدة.
ومنها : الاهتمام بتوحيد الكلمة لمن يملك أمما متباينة. كما كان يرمي إليه سعي الإسكندر. فإنه دأب على توحيد الكلمة بين الشعوب ومزج تلك الأمم المختلفة ليربطها بصلات الحب والعوائد. وقد حكى أنه كان يجيش من كل أمة استولى عليها، جيشا عرمرما، يضيفه إلى جيشه المكدوني اليوناني. ويأمر رجاله أن يتزوجوا من بناتهم، لتوثيق عرى المحبة والارتباط، وإزالة البغض والشحناء.
ومنها : الاعتبار بما يبلغه الإنسان، وما فيه من بليغ الاستعداد. يقضي على المرء أن يعيش أولا طفلا مرضعا. لا يعلم ما حوله ولا يطلب غير ما تحتاج إليه طبيعته الضعيفة، قياما بما تقتضيه أسباب الحياة، وهو ملقى إذ ذاك لا إرادة له. وعرضة لأسقام تذيقه الآلام، وقد تجرعه كأس الحمام قبل أن يرى ويدرك شيئا من هذا النظام. فإذا استظهرت فيه عوامل الحياة على دواعي الممات، وسرت بجسمه قوى الشبيبة، وصرف ما أنعم الله عليه، إلى ما خلق لأجله، ترعرع إنسانا عظيما ظافرا بمنتهى أمله.
التنبيه الثاني : في ذي القرنين. اتفق المحققون على أن اسمه الإسكندر المقدوني وهو ابن فيليس، وقال ابن القيم في ( إغاثة اللهفان ) في الكلام على الفلاسفة : من ملوكهم الإسكندر المقدوني وهو ابن فيليس وليس بالإسكندر ذي القرنين الذي قص الله تعالى نبأه في القرآن. بل بينهما قرون كثيرة وبينهما في الدين أعظم تباين. فذو القرنين كان رجلا صالحا موحدا لله تعالى يؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
وكان يغزو عباد الأصنام وبلغ مشارق الأرض ومغاربها. وبنى السد بين الناس وبين يأجوج ومأجوج. وأما هذا المقدوني، فكان مشركا يعبد الأصنام هو وأهل مملكته. وكان بينه وبين المسيح نحو ألف وستمائة سنة. والنصارى تؤرخ له. وكان ارسطاطاليس وزيره. وكان مشركا يعبد الأصنام. انتهى كلامه.
وفيه نظر. فإن المرجع في ذلك هم أئمة التاريخ وقد أطبقوا على أنه الإسكندر الأكبر ابن فيليس باني الإسكندرية بتسعمائة وأربعة وخمسين سنة قبل الهجرة، وثلاثمائة واثنين وثلاثين سنة قبل ميلاد عيسى عليه السلام. وقد أصبح ذلك من الأوليات عند علماء الجغرافيا. وأما دعوى أنه كان مشركا يعبد الأصنام، فغير مسلم، وإن كان قومه وثنيين، لأنه كان تلميذا لأرسطاطاليس. وقد جاء في ترجمته – كما في طبقات الأطباء وغيرها – أنه كان لا يعظم الأصنام التي كانت تعبد في ذلك الوقت وأنه بسبب ذلك نسب إلى الكفر وأريد السعاية به إلى الملك. فلما أحس بذلك شخص عن أثينا. لأنه كره أن يبتلى أهلها بمثل ما ابتلوا به سقراطيس معلم أفلاطون. فإنه كان من عبادهم ومتألهيهم. وجاهرهم بمخالفتهم في عبادة الأصنام. وقابل رؤساءهم بالأدلة والحجج على بطلان عبادتها. فثوروا عليه العامة واضطروا الملك إلى قتله. فأودعه السجن ليكفيهم عنه. ثم لم يرض المشركون إلا بقتله. فسقاه السم خوفا من شرهم، بعد مناظرات طويلة جرت له معهم. كما في ( طبقات الأطباء وتراجم الفلاسفة ) فالوثنية، وإن كانت دين اليونانيين واعتقاد شعبهم، إلا أنه لا ينافي أن يكون الملك وخاصته على اعتقاد آخر يهاجرون به أو يكتمونه. كالنجاشي ملك الحبشة. فإن جاهر بالإيمان إلى النبي ﷺ. وشعبه وأهل مملكته كلهم نصارى. وهكذا كان الإسكندر وأستاذه والحكماء قبله. فإن الممعن في تراجمهم يرى أنهم على توحيد وإيمان بالمعاد. قال القاضي صاعد : كان فيثاغورس – أستاذ سقراط – يقول ببقاء النفس وكونها، فيما بعد، في ثواب أو عقاب على رأي الحكماء الإلهيين. فتأمل قوله ( على رأي الحكماء الإلهيين ) يتحقق ما ذكرناه.
وأما قول الفخر الرازي :( إن في كون الإسكندر ذا القرنين إشكالا قويا. وهو أنه كان تلميذ أرسطاطاليس الحكيم وكان على مذهبه، فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بان مذهب أرسطاطاليس حق وصدق. وذلك مما لا سبيل إليه ) فلا يخفى دفع هذا اللزوم. فإن من كان تابعا لمذهب فمدح لأمر ما يوجب مدحه لأجله، فلا يلزم أن يكون المدح لأجل مذهبه ومتبوعه. إذ يقوم فيه من الخلال والمزايا ما لا يوجد في متبوعه. وقد يبدو له من الأنظار الصحيحة ما لا يكون في مذهبه الذي نشأ عليه مقلدا. أفلا يمكن أن يكون حرا في فكره ينبذ التقليد الأعمى ويعتنق الحق. ومن آتاه الله من الملك ما آتاه، أفيمتنع أن يؤتيه من تنور الفكر وحرية الضمير ونفوذ البصيرة ما يخالف به متبوعه ؟ هذا على فرض أن متبوعه مذموم. وقد عرفت أن متبوعه ( أعني أرسطاطاليس )، كان موحدا. وهو معروف في التاريخ لا سترة فيه. على أنه لو استلزمت الآية مدح مذهب أستاذه لكان ذلك في الأصول التي هي المقصودة بالذات، وكفى بها كمالا. وللرازي فرص يغتنم بها التنويه بالحكماء والتعريف لمذهبهم، وهذه منها. وإن صبغها – سامحه الله – في هذا الأسلوب. عرف ذلك من عرف.
التنبيه الثالث : اختلف في سبب تلقيبه بذي القرنين. فقيل لأنه طاف قرني الدنيا. يعني جانبيها شرقها وغربها. أو لأنه كان له قرنان أي ضفيرتان. أو لأنه ملك الروم وفارس. قال الزمخشري : ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته، كما يسمى الشجاع كبشا لأنه ينطح أقرانه.
أقول : هذا اللقب من الكناية عن كل ذي قوة وبأس وسلطان. لأن ذا القرون من المواشي أقواها وأشدها. والكناية بالقرن عن القوة والسلطان معروفة عند اليهود، الذين هم السائلون. وقد وقع في توراتهم في نبوة دانيال عليه السلام قوله عن الملك :( فإذا أنا بكبش واقف عند النهر. وله قرنان ) ثم قوله :{ ( وبينما كنت متأملا إذا بتيس معز قد أقبل من المغرب على وجه الأرض كلها. وللتيس قرن عجيب المنظر بين عينيه ) قالوا : القرن هنا رمز إلى القوة والسلطان. والتيس رمز إلى مملكة اليونان. وقرنه رمز إلى أول ملك على هذه المملكة وهو الإسكندر الكبير. وما أشار إليه من سرعة مسير هذا التيس إيماء إلى كثرة ما دهم البلاد به من الغارات المتواصلة. وقوله :( خرج من المغرب ) إشارة إلى خروجه من مكدونية، التي هي إلى غرب فارس، وذلك حين تقدم على جيوش داريوس وكسره. وتعقبه إلى داخل مملكته، والقصد أن هذا اللقب ( ذو القرنين ) شهير وليس من أوضاع العرب خاصة، كما زعمه بعضهم. بل هو معروف عند العبر