فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ هذا من كلام الله سبحانه بعد انقضاء كلام ذي القرنين، والضمير في ﴿بعضهم﴾ ليأجوج ومأجوج، أي : تركنا بعض يأجوج ومأجوج يوم مجيء الوعد، أو يوم خروج يأجوج ومأجوج يموج في بعض آخر منهم، يقال : ماج الناس : إذا دخل بعضهم في بعض حيارى كموج الماء. والمعنى : أنهم يضطربون ويختلطون، وقيل : الضمير في ﴿بعضهم﴾ للخلق، واليوم : يوم القيامة أي : وجعلنا بعض الخلق من الجنّ والإنس يموج في بعض، وقيل : المعنى : وتركنا يأجوج ومأجوج يوم كمال السدّ وتمام عمارته بعضهم يموج في بعض، وقد تقدّم تفسير ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ في الأنعام، قيل : هي النفخة الثانية بدليل قوله بعد :﴿فجمعناهم جَمْعاً﴾ فإن الفاء تشعر بذلك، ولم يذكر النفخة الأولى لأن المقصود هنا ذكر أحوال القيامة.
والمعنى : جمعنا الخلائق بعد تلاشي أبدانهم ومصيرها تراباً جمعاً تاماً على أكمل صفة وأبدع هيئة وأعجب أسلوب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله :﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ﴾ الآية قال : الجنّ والإنس ﴿يَمُوجُ﴾ بعضهم ﴿فِي بَعْضِ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله :﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ قال : لا يعقلون سمعاً. وأخرج أبو عبيد، وسعيد بن منصور، وابن المنذر عن عليّ : أنه قرأ «أَفَحَسِبَ الذين كَفَرُوا» قال أبو عبيدة : بجزم السين وضم الباء. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة : أنه قرأ كذلك. وأخرج عبد الرزاق، والبخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه من طريق مصعب بن سعد قال : سألت أبي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بالأخسرين أعمالا﴾ أهم الحرورية ؟ قال : لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمداً ﷺ، وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا : لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية ﴿الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه﴾، وكان سعد يسميهم : الفاسقين. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن مصعب قال : قلت لأبي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بالأخسرين أعمالا﴾ الحرورية هم ؟ قال : لا ولكنهم أصحاب الصوامع، والحرورية قوم : زاغوا فأزاغ الله قلوبهم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي حميصة عبد الله بن قيس قال : سمعت عليّ بن أبي طالب يقول : في هذه الآية ﴿قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بالأخسرين أعمالا﴾ إنهم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في السواري. وأخرج ابن مردويه عن أبي الطفيل قال : سمعت عليّ بن أبي طالب وسأله ابن الكوّا فقال :﴿هَلْ نُنَبّئُكُم بالأخسرين أعمالا﴾ قال : فجرة قريش. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريقين عن عليّ : أنه سئل عن هذه الآية ﴿قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بالأخسرين أعمالا﴾ قال : لا أظنّ إلا أن الخوارج منهم، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال :( إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال : اقرءوا إن شئتم :﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً﴾ ) وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه عن أبي أمامة قال : قال رسول الله ﷺ :( سلوا الله الفردوس، فإنها سرّة الجنة، وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش ) وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :( إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة ) وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأحمد، والترمذي، وابن جرير، والحاكم، والبيهقي، وابن مردويه عن عبادة بن الصامت، أن النبيّ ﷺ قال :( إن في الجنة مائة درجة، كل درجة منها ما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومن فوقها يكون العرش، ومنه تفجر أنهار الجنة الأربعة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس )، والأحاديث بهذا المعنى كثيرة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : الفردوس : بستان بالرومية. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي قال : هو الكرم بالنبطية. وأخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وابن المنذر، عن عبد الله بن الحارث : أن ابن عباس سأل كعباً عن الفردوس قال : هي جنات الأعناب بالسريانية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله :﴿لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ قال : متحوّلاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى