الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي

عن الكتاب
أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال :﴿الكهف﴾ هو غار في الوادي.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس قال :﴿الرقيم﴾ الكتاب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس قال :﴿الرقيم﴾ وادٍ دون فلسطين قريب من أيلة.
وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج، عن ابن عباس قال : والله ما أدري ما الرقيم، لكتاب أم بنيان ؟
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن مجاهد قال :﴿الرقيم﴾ منهم من يقول كتاب قصصهم، ومنهم من يقول الوادي.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن أبي صالح قال :﴿الرقيم﴾ لوح مكتوب.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال :﴿الرقيم﴾ لوح من حجارة، كتبوا فيه قصة أصحاب الكهف وأمْرهم، ثم وضع على باب الكهف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال :﴿الرقيم﴾ حين رقمت أسماؤهم في الصخرة، كتب الملك فيها أسماؤهم وكتب أنهم هلكوا في زمان كذا وكذا في ملك ريبوس، ثم ضربها في سور المدينة على الباب، فكان من دخل أو خرج قرأها. فذلك قوله :﴿أصحاب الكهف والرقيم﴾.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والزجاجي في أماليه وابن مردويه، عن ابن عباس قال : لا أدري ما الرقيم، وسألت كعباً فقال : اسم القرية التي خرجوا منها.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال : كل القرآن أعلمه، إلا أربعاً : غسلين، وحناناً، والأواه، والرقيم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك قال :﴿الرقيم﴾ الكلب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا﴾ يقول : الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب، أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً﴾ كانوا بقولهم أعجب آياتنا، ليسوا بأعجب آياتنا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله :﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً﴾ قال : ليسوا بأعجب آياتنا، كانوا من أبناء الملوك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر قال : كان أصحاب الكهف صيارفة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن النعمان بن بشير أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن أصحاب الرقيم :« أن ثلاثة نفر دخلوا إلى الكهف، فوقع من الجبل حجر على الكهف فأوصد عليهم، فقال قائل منهم : تذكروا أيكم عمل حسنة لعل الله أن يرحمنا.
فقال أحدهم : نعم، قد عملت حسنة مرة. . . إنه كان لي عمال استأجرتهم في عمل لي، كل رجل منهم بأجر معلوم. فجاءني رجل ذات يوم وذلك في شطر النهار فاستأجرته بقدر ما بقي من النهار بشطر أصحابه الذين يعملون بقية نهارهم ذلك، كل رجل منهم نهاره كله. فرأيت من الحق أن لا أنقصه شيئاً مما استأجرت عليه أصحابه. فقال رجل منهم : يعطي هذا مثل ما يعطيني ولم يعمل إلا نصف نهاره ! ! فقلت له : إني لا أبخسك شيئاً من شرطك، وإنما هو مالي أحكم فيه بما شئت. فغضب وترك أجره، فلما رأيت ذلك عزلت حقه في جانب البيت ما شاء الله، ثم مر بي بعد ذلك بقر فاشتريت له فصيلاً من البقر حتى بلغ ما شاء الله، ثم مر بي الرجل بعد حين وهو شيخ ضعيف وأنا لا أعرفه، فقال لي : إن لي عندك حقاً. فلم أذكره حتى عرّفني ذلك، فقلت له : نعم. . . إياك أبغي. فعرضت عليه ما قد أخرج الله له من ذلك الفصيل من البقر، فقلت له : هذا حقك من البقر. فقال لي : يا عبد الله، لا تسخر بي. . . إن لا تتصدق علي أعطني حقي. فقلت : والله ما أسخر منك : إن هذا لحقك. فدفعته إليه، اللهم فإن كنت تعلم أني قد كنت صادقا وأني فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنا هذا الحجر. فانصدع حتى رأوا الضوء وأبصروا.
وقال الآخر : قد عملت حسنة مرة، وذلك أنه كان عندي فضل فأصاب الناس شدة فجاءتني امرأة فطلبت مني معروفاً، فقلت : لا والله، ما هو دون نفسك. فأبت عليَّ ثم رَجَعَتْ فذكّرتني بالله، فأبيت عليها وقلت : لا والله، ما هو دون نفسك. فأبت عليّ ثم رجَعَت فذكّرتني بالله فأبيت عليها وقلت : لا والله، ما هو دون نفسك. فأبت عليّ فذكَرَتْ ذلك لزوجها فقال : أعطيه نفسك وأغني عيالك. فلما رأت ذلك سمحت بنفسها، فلما هممت بها قالت : إني أخاف الله رب العالمين. فقلت لها : تخافين الله في الشدّة ولم أخفه في الرخاء ؟ فأعطيتها ما استغنت هي وعيالها. اللهم فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنا هذا الحجر، فانصدع الحجر حتى رأوا الضوء وأيقنوا الفرج.
ثم قال الثالث : قد عملت حسنة مرة، كان لي أبوان شيخان كبيران قد بلغهما الكبر، وكانت لي غنم فكنت أرعاها. . . وأختلف فيما بين غنمي وبين أبوي أطعمهما وأشبعهما وأرجع إلى غنمي، فلما كان ذات يوم أصابني غيث شديد فحبسني فلم أرجع إلا مؤخراً، فأتيت أهلي فلم أدخل منزلي حتى حلبت غنمي، ثم مضيت إلى أبوي أسقيهما فوجدتهما قد ناما، فشق عليّ أن أوقظهما وشق عليّ أن أترك غنمي، فلم أبرح جالساً ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنا هذا الحجر.
ففرّج الله عنهم وخرجوا إلى أهليهم راجعين ».
وأخرج أحمد وابن المنذر، عن أنس عن النبي ﷺ :«أن ثلاثة نفر فيما سلف من الناس انطلقوا يرتادون لأهليهم، فأخذتهم السماء فدخلوا غاراً فسقط عليهم حجر، فجافّ حتى ما يرون منه خصاصة. فقال بعضهم لبعض : قد وقع الحجر وعفا الأثر ولا يعلم مكانكم إلا الله، فادعوا الله عز وجل بأوثق أعمالكم. فقال رجل منهم :
اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي والدان فكنت أحلب لهما في إنائهما فآتيهما، فإذا وجدتهما راقدين قمت على رأسيهما كراهة أن أرد سنتهما في رأسيهما حتى يستيقظا متى استيقظا، اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك ومخافة عذابك ففرِّج عنا. فزال ثلث الحجر.
وقال الثاني : اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيراً على عمل يعمله فأتاني يطلب أجره وأنا غضبان فزبرته فانطلق وترك أجره فجمعته وثمرته حتى كان منه كل المال فأتاني يطلب أجره فدفعت إليه ذلك كله، ولو شئت لم أعطه إلا أجره الأوّل، اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك ومخافة عذابك، فافرج عنا. فزال ثلثا الحجر.
وقال الثالث : اللهم إن كنت تعلم أنه أعجبته امرأة فجعل لها جعلاً فلما قدر عليها وفر لها نفسها وسلّم لها جَعْلَها. اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك ومخافة عذابك، ففرّج عنا. فزال الحجر وخرجوا معاتيق يمشون ».
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن المنذر، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال :«بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون، إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض : إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصّدْق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه. فقال واحد منهم :
اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير يعلم على فرق من أرز فذهب وتركه، وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أني اشتريت منه بقراً، وأنه أتاني يطلب أجره فقلت له : اعمد إلى تلك البقر فسقْها فقال لي : إنما لي عندك فرق من أرز. فقلت له : اعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا. فانساخت عنهم الصخرة.
فقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عليهما ليلة فجئت وقد رقدا، وعيالي يتضاغون من الجوع فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكنا بشربتهما، فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر، فإن كُنْتَ تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنا. فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء.
فقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم من أحب الناس إليّ، وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قَدِرْتُ فأتيتها بها فدفعْتها إليها فأمكنتني من نفسها، فلما قعدت بين رجليها قال : اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فقمت وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنّا. ففرج الله عنهم فخرجوا ».
وأخرج البخاري في تاريخه من حديث ابن عباس مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : غزونا مع معاوية غزوة المضيق نحو الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف الذي ذكر الله في القرآن، فقال معاوية : لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم ! فقال له ابن عباس : ليس ذلك لك، قد منع الله ذلك عمن هو خير منك. فقال :﴿لو اطلعت عليهم لَوَلَّيْتَ منهم فراراً ولَمُلِئْتَ منهم رعباً﴾ فقال معاوية : لا أنتهي حتى أعلم علمهم. فبعث رجالاً فقال : اذهبوا فادخلوا الكهف فانظروا. فذهبوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحاً فأخرجتهم. فبلغ ذلك ابن عباس فأنشأ يحدث عنهم فقال : إنهم كانوا في مملكة ملك من الجبابرة يعبد الأوثان، وقد أجبر الناس على عبادتها، وكان وهؤلاء الفتية في المدينة، فلما رأوا ذلك خرجوا من تلك المدينة فجمعهم الله على غير ميعاد، فجعل بعضهم يقول لبعض : أين تريدون. . . ؟ أين تذهبون. . . ! ؟ فجعل بعضهم يخفي على بعض، لأنه لا يدري هذا على ما خرج هذا، ولا يدري هذا. فأخذوا العهود والمواثيق أن يخبر بعضهم بعضاً، فإن اجتمعوا على شيء وإلا كتم بعضهم بعضاً. فاجتمعوا على كلمة واحدة ﴿فقالوا ربنا رب السماوات والأرض. . .﴾ إلى قوله :﴿مرفقاً﴾ قال : فقعدوا فجاء أهلهم يطلبونهم لا يدرون أين ذهبوا، فرفع أمرهم إلى الملك فقال : ليكونن لهؤلاء القوم بعد اليوم شأن. . . ناس خرجوا لا يدري أين ذهبوا في غير خيانة ولا شيء يعرف. . . ! ! فدعا بلوح من رصاص فكتب فيه أسماؤهم ثم طرح في خزانته. فذلك قول الله :﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم﴾ والرقيم، هو اللوح الذي كتبوا. فانطلقوا حتى دخلوا الكهف فضرب الله على آذانهم فقاموا. فلو أن الشمس تطلع عليهم لأحرقتهم، ولولا أنهم يقلبون لأكلتهم الأرض. ذلك قول الله :﴿وترى الشمس. . .﴾ الآية. قال : ثم إن ذلك الملك ذهب وجاء ملك آخر فعبد الله وترك تلك الأوثان، وعدل في الناس، فبعثهم الله لما يريد ﴿وقال قائل منهم كم لبثتم﴾ فقال بعضهم : يوماً. وقال بعضهم يومين. وقال بعضهم أكثر من ذلك. فقال كبيرهم : لا تختلفوا، فإنه لم يختلف قوم قطّ إلا هلكوا، فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة.
فرأى شارة أنكرها ورأى بنياناً أنكره، ثم دنا إلى خباز فرمى إليه بدرهم وكانت دراهمهم كخفاف الربع - يعني ولد الناقة - فأنكر الخباز الدرهم فقال : من أين لك الدرهم ؟ لقد وجدت كنزاً لتدلّني عليه أو لأرفعنك إلى الأمير. فقال : أَوَ تخوّفني بالأمير ؟ وأتى الدهقان الأمير، قال : من أبوك ؟ قال : فلان. فلم يعرفه. قال : فمن الملك ؟ قال : فلان. فلم يعرفه، فاجتمع عليهم الناس فرفع إلى عالمهم فسأله فأخبره فقال : عليّ باللوح، فجيء به فسمى أ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى