فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ «أم » : هي المنقطعة المقدّرة ببل والهمزة عند الجمهور، وببل وحدها عند بعضهم والتقدير : بل أحسبت، أو بل حسبت، ومعناها : الانتقال من حديث إلى حديث آخر، لا لإبطال الأول والإضراب عنه كما هو معنى بل في الأصل. والمعنى : أن القوم لما تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنها الرسول على سبيل الامتحان، قال سبحانه : بل أظننت يا محمد أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط ؟ لا تحسب ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان قادراً على جعل ما على الأرض زينة لها للابتلاء، ثم جعل ما عليها صعيداً جرزاً كأن لم تغن بالأمس، لا تستبعد قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة، وإن كانت قصتهم خارقة للعادة، فإن آيات الله سبحانه كذلك وفوق ذلك. و﴿عَجَبًا﴾ منتصبة على أنه خبر كان أي : ذات عجب، أو موصوفة بالعجب مبالغة، و﴿من آياتنا﴾ في محل نصب على الحال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : الرقيم : الكتاب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفيّ عنه قال : الرقيم : وادٍ دون فلسطين قريب من أيلة. والراويان عن ابن عباس ضعيفان. وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عنه أيضاً قال : هو الجبل الذي فيه الكهف. وأخرج ابن المنذر عنه، قال : والله ما أدري ما الرقيم الكتاب أم بنيان ؟ وفي رواية عنه من طريق أخرى قال : وسألت كعباً فقال : اسم القرية التي خرجوا منها. وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال : الرقيم : الكلب. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿كَانُوا مِنْ آياتنا عَجَبًا﴾ يقول : الذي آتيتك من العلم والسنّة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله :﴿فَضَرَبْنَا على آذَانِهِمْ﴾ يقول : أرقدناهم ﴿ثُمَّ بعثناهم لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ من قوم الفتية، أهل الهدى، وأهل الضلالة ﴿أحصى لِمَا لَبِثُوا﴾، وذلك أنهم كتبوا اليوم الذي خرجوا فيه والشهر والسنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله :﴿وزدناهم هُدًى﴾ قال : إخلاصاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ﴾ قال : بالإيمان وفي قوله :﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ قال : كذباً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي قال : جوراً. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله :﴿وَإِذِ اعتزلتموهم وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ الله﴾ قال : كان قوم الفتية يعبدون الله ويعبدون معه آلهة شتى، فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم تعتزل عبادة الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : هي في مصحف ابن مسعود، وما يعبدون من دون الله، فهذا تفسيرها.