جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : وَما خَلَقَ الذّكَرَ والأُنْثَى يحتمل الوجهين اللذين وصفت في قوله : وَالسّماءِ وَما بَناها والأرْضِ وَما طَحاها وهو أن يجعل «ما » بمعنى «مَنْ »، فيكون ذلك قسما من الله جلّ ثناؤه بخالق الذّكر والأنثى، وهو ذلك الخلق، وأن تجعل «ما » مع ما بعدها بمعنى المصدر، ويكون قسما بخلقه الذكر والأنثى.
وقد ذُكر عن عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء : أنهما كانا يقرآن ذلك «وَالذّكَرِ وَالأُنْثَىَ » ويأثُرُه أبو الدرداء عن رسول الله ﷺ. ذكر الخبر بذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال : في قراءة عبد الله :«وَاللّيْلِ إذَا يَغْشَى وَالنّهارِ إذَا تَجَلّى وَالذّكَرِ والأُنْثَى ».
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا هشام بن عبد الملك، قال : حدثنا شعبة، قال : أخبرني المُغيرة، قال : سمعت إبراهيم يقول : أتى علقمة الشأم، فقعد إلى أبي الدرداء، فقال : ممن أنت ؟ فقلت : من أهل الكوفة، فقال : كيف كان عبد الله يقرأ هذه الآية وَاللّيْلِ إذَا يَغْشَى وَالنّهارِ إذَا تَجَلّى فقلت :«وَالذّكَرِ وَالأُنْثَى » قال : فما زال هؤلاء حتى كادوا يستضلّونني وقد سمعتها من رسول الله ﷺ.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا حاتم بن وَرْدان، قال : حدثنا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة قال : أتينا الشأم، فدخلت على أبي الدرداء، فسألني فقال : كيف سمعت ابن مسعود يقرأ هذه الاَية : وَاللّيْلِ إذَا يَغْشَى والنّهارِ إذَا تَجَلّى قال : قلت :«وَالذّكَرِ والأنْثَى » قال : كفاك، سمعتُها من رسول الله ﷺ يقرؤها.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن عُليَة وحدثني إسحاق بن شاهين الواسطيّ، قال : حدثنا خالد بن عبد الله عن داود، عن عامر، عن علقمة، قال : قَدِمت الشأم، فلقيت أبا الدرداء، فقال : من أين أنت ؟ فقلت من أهل العراق ؟ قال : من أيها ؟ قلت : من أهل الكوفة، قال : هل تقرأه قراءة ابن أمّ عبد ؟ قلت : نعم، قال : اقرأ وَاللّيْلِ إذَا يَغْشَى قال : فقرأت :«وَاللّيْلِ إذَا يَغْشَى وَالنّهارِ إذَا تَجَلّى وَالذّكَرِ والأُنْثَى » قال : فضحك، ثم قال : هكذا سمعت مِنْ رسول الله ﷺ.
حدثنا ابن المثنى، قال : ثني عبد الأعلى، قال : ثني داود، عن عامر، عن علقمة، عن أبي الدّرداء، عن النبيّ ﷺ، بنحوه.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال : قدمت الشأم، فأتى أبو الدرداء، فقال : فيكم أحد يقرأ على قراءة عبد الله ؟ قال : فأشاروا إليّ، قال : قلت أنا، قال : فكيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الاَية :«وَاللّيْلِ إذَا يَغْشَى والنّهارِ إذَا تَجَلّى وَالذّكَرِ وَالأُنْثَى » قال : وأنا هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول : فهؤلاء يريدوني على أن أقرأ وَما خَلَقَ الذّكَرِ والأُنْثَى فلا أنا أتابعهم.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة وَما خَلَقَ الذّكَرَ وَالأُنْثَى قال : في بعض الحروف :«وَالذّكَرِ وَالأُنْثَى ».
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، مثله.
حدثني أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا حجاج، عن هارون، عن إسماعيل، عن الحسن أنه كان يقرؤها وَما خَلَقَ الذّكَرَ والأُنْثَى يقول : والذي خلق الذكر والأنثى قال هارون قال أبو عمرو : وأهل مكة يقولون للرعد : سبحانَ ما سبّحْتَ له.
حدثنا ابن حُميد، قال : حدثنا جرير، عن مُغيرة، عن مِقْسمَ الضّبيّ، عن إبراهيم بن يزيد بن أبي عمران، عن علقمة بن قيس أبي شبل : أنه أتى الشام، فدخل المسجد فصلّى فيه، ثم قام إلى حَلْقة فجلس فيها قال : فجاء رجل إليّ، فعرفت فيه تحوّش القول وهيبتهم له، فجلس إلى جنبي، فقلت : الحمد لله إني لأرجو أن يكون الله قد استجاب دعوتي، فإذا ذلك الرجل أبو الدرداء، قال : وما ذاك ؟ فقال علقمة : دعوت الله أن يرزقني جليسا صالحا، فأرجو أن يكون أنت، قال : مِنْ أين أنت ؟ قلت : من الكوفة، أو من أهل العراق من الكوفة. قال أبو الدرداء : ألم يكن فيكم صاحب النعلين والوساد والمِطْهَرة، يعني ابن مسعود، أو لم يكن فيكم من أجير على لسان النبيّ ﷺ من الشيطان الرجيم، يعني عَمّار بن ياسر، أو لم يكن فيكم صاحب السرّ الذي لا يعلمه غيره، أو أحد غيره، يعني حُذَيفة بن اليمان، ثم قال : أيكم يحفظ كما كان عبد الله يقرأ ؟ قال : فقلت : أنا، قال : اقرأ : وَاللّيْلِ إذَا يَغْشَى والنّهارَ إذَا تَجَلّى قال علقمة : فقرأت : الذكرِ والأنثى، فقال أبو الدرداء : والذي لا إله إلاّ هو، كذا أقرأنيها رسول الله ﷺ فوه إلى فيّ، فما زال هؤلاء حتى كادوا يردّونني عنها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى