مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
وأما قوله :﴿فسنيسره لليسرى﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في تفسير هذه اللفظة وجوه ( أحدها ) : أنها الجنة ( وثانيها ) : أنها الخير وقالوا في العسرى : أنها الشرك ( وثالثها ) : المراد منه أن يسهل عليه كل ما كلف به من الأفعال والتروك، والمراد من العسرى تعسير كل ذلك عليه ( ورابعها ) : اليسرى هي العود إلى الطاعة التي أتى بها أولا، فكأنه قال فسنيسره لأن يعود إلى الإعطاء في سبيل الله، وقالوا : في العسرى ضد ذلك أي نيسره لأن يعود إلى البخل والامتناع من أداء الحقوق المالية، قال القفال : ولكل هذه الوجوه مجاز من اللغة، وذلك لأن الأعمال بالعواقب، فكل ما أدت عاقبته إلى يسر وراحة وأمور محمودة، فإن ذلك من اليسرى، وذلك وصف كل الطاعات، وكل ما أدت عاقبته إلى عسر وتعب فهو من العسرى، وذلك وصف كل المعاصي.
المسألة الثانية : التأنيث في لفظ اليسرى، ولفظ العسرى فيه وجوه ( أحدها ) : أن المراد من اليسرى والعسرى إن كان جماعة الأعمال، فوجه التأنيث ظاهر، وإن كان المراد عملا واحدا رجع التأنيث إلى الخلة أو الفعلة، وعلى هذا من جعل يسرى هو تيسير العود[ ة ] إلى ما فعله الإنسان من الطاعة رجع التأنيث إلى العود[ ة ]، وكأنه قال : فسنيسره للعود[ ة ] التي هي كذا ( وثانيها ) : أن يكون مرجع التأنيث إلى الطريقة فكأنه قال : للطريقة اليسرى والعسرى ( وثالثها ) : أن العبادات أمور شاقة على البدن، فإذا علم المكلف أنها تفضي إلى الجنة سهلت تلك الأفعال الشاقة عليه، بسبب توقعه للجنة، فسمى الله تعالى الجنة يسرى، ثم علل حصول اليسرى في أداء الطاعات بهذه اليسرى وقوله :﴿فسنيسره لليسرى﴾ بالضد من ذلك.
المسألة الثالثة : في معنى التيسير لليسرى والعسرى وجوه : وذلك لأن من فسر اليسرى بالجنة فسر التيسير لليسرى بإدخال الله تعالى إياهم في الجنة بسهولة وإكرام، على ما أخبر الله تعالى عنه بقوله :﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾ وقوله :﴿طبتم فادخلوها خالدين﴾ وقوله :﴿سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ وأما من فسر اليسرى بأعمال الخير فالتيسير لها هو تسهيلها على من أراد حتى لا يعتريه من التثاقل ما يعتري المرائين والمنافقين من الكسل، قال الله تعالى :﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ وقال :﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ وقال :﴿ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض﴾ فكان التيسير هو التنشيط.
المسألة الرابعة : استدل الأصحاب بهذه الآية على صحة قولهم في التوفيق والخذلان، فقالوا : إن قوله تعالى :﴿فسنيسره لليسرى﴾ يدل على أنه تعالى خص المؤمن بهذا التوفيق، وهو أنه جعل الطاعة بالنسبة إليه أرجح من المعصية

تفسير هذه الآية من كتب أخرى