محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٧ من سورة الليل في ٨٩ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١٥ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٧ من سورة الليل

٨٩ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى يقول : فسنهيئه للخَلّة اليُسْرَى، وهي العمل بما يرضاه الله منه في الدنيا، ليوجب له به في الآخرة الجنة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى جل جلاله وتقدست أسماؤه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾.
يقول تعالى ذكره مقسما بالليل إذا غشَّى النهار بظلمته، فأذهب ضوءه، وجاءت ظُلمته: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) النهار (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) وهذا أيضا قسم، أقسم بالنهار إذا هو أضاء فأنار، وظهر للأبصار. ما كانت ظلمة الليل قد حالت بينها وبين رؤيته وإتيانه إياها عِيانا، وكان قتادة يذهب فيما أقسم الله به من الأشياء أنه إنما أقسم به لعِظَم شأنه عنده.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) قال: آيتان عظيمتان يكوّرهما الله على الخلائق.
وقوله: (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى) يحتمل الوجهين اللذين وصفت في قوله: (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا) وفي (وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا) وهو أن يجعل "ما" بمعنى "مَنْ، فيكون ذلك قسما من الله جلّ ثناؤه بخالق الذّكر والأنثى، وهو ذلك الخالق، وأن تجعل "ما" مع ما بعدها بمعنى المصدر، ويكون قسما بخلقه الذكر والأنثى.
وقد ذُكر عن عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء: أنهما كانا يقرآن ذلك (والذَّكَرِ والأنْثَى) ويأثُرُه أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* ذكر الخبر بذلك:
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: في قراءة عبد الله (وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى والنَّهارِ إذَا تَجَلَّى والذَّكَر والأنْثَى).
حدثنا ابن المثني، قال: ثنا هشام بن عبد الملك (١) قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني المُغيرة، قال: سمعت إبراهيم يقول: أتى علقمة الشام، فقعد إلى أبي الدرداء، فقال: ممن أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة، فقال: كيف كان عبد الله يقرأ هذه الآية (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) فقلت: (وَالذَّكَرِ والأنْثَى) قال: فما زال هؤلاء حتى كادوا يستضلُّونني، وقد سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا حاتم بن وَرْدان، قال: ثنا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة قال: أتينا الشام، فدخلت على أبي الدرداء، فسألني فقال: كيف سمعت ابن مسعود يقرأ هذه الآية: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) قال: قلت: (وَالذَّكَرِ والأنْثَى) قال: كفاك، سمعتها من رسول الله ﷺ يقرؤها.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية؛ وحدثني إسحاق بن شاهين الواسطي، قال: ثنا خالد بن عبد الله عن داود، عن عامر، عن علقمة، قال: قَدِمت الشام، فلقيت أبا الدرداء، فقال: من أين أنت؟ فقلت من أهل العراق؟ قال: من أيَّها؟ قلت: من أهل الكوفة، قال: هل تقرأه قراءة ابن أمّ عبد؟ قلت: نعم، قال: اقرأ (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) قال: فقرأت: (وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى والنَّهارِ إذَا تَجَلَّى والذَّكَرِ والأنْثَى) قال: فضحك، ثم قال: هكذا سمعت مِنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثني داود، عن عامر، عن علقمة، عن أبي الدَّرداء، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، بنحوه.
حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قدمت الشام، فأتى أبو الدرداء، فقال: فيكم أحد يقرأ علي قراءة عبد الله؟ قال: فأشاروا إليّ، قال: قلت أنا، قال: فكيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية: (وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى والنَّهارِ إذَا تَجَلَّى والذَّكَرِ والأنْثَى) قال:
(١) أي رديء من القول. انظر ما سلف ص ١٦٥ رقم: ١.
وأنا هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول: فهؤلاء يريدوني على أن اقرأ (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى) فلا أنا أتابعهم.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى) قال: في بعض الحروف (والذَّكَرِ والأنْثَى).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله.
حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن إسماعيل، عن الحسن أنه كان يقرأها (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى) يقول: والذي خلق الذكر والأنثى؛ قال هارون قال أبو عمرو: وأهل مكة يقولون للرعد: سبحان ما سبَّحْتَ له.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا جرير، عن مُغيرة، عن مِقْسَمٍ الضَّبّي، عن إبراهيم بن يزيد بن أبي عمران، عن علقمة بن قيس أبي شبل: أنه أتى الشام، فدخل المسجد فصَّلى فيه، ثم قام إلى حَلْقة فجلس فيها؛ قال: فجاء رجل إليّ، فعرفت فيه تحوّش، القوم وهيبتهم له، فجلس إلى جنبي، فقلت: الحمد لله إني لأرجو أن يكون الله قد استجاب دعوتي، فإذا ذلك الرجل أبو الدرداء، قال: وما ذاك؟ فقال علقمة: دعوت الله أن يرزقني جليسا صالحا، فأرجو أن يكون أنت، قال: مِنْ أين أنت؟ قلت: من الكوفة، أو من أهل العراق من الكوفة. قال أبو الدرداء: ألم يكن فيكم صاحب النعلين والوساد والمِطْهَرة، يعني ابن مسعود، أو لم يكن فيكم من أُجير على لسان النبيّ ﷺ من الشيطان الرجيم، يعني عَمَّار بن ياسر، أو لم يكن فيكم صاحب السرّ الذي لا يعلمه غيره، أو أحد غيره، يعني حُذَيفة بن اليمان، ثم قال: أيكم يحفظ كما كان عبد الله يقرأ؟ قال: فقلت: أنا، قال: اقرأ: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) قال علقمة: فقرأت: (الذكر والأنثى)، فقال أبو الدرداء: والذي لا إله إلا هو، كذا أقرأنيها رسول الله ﷺ فوه إلى فيّ، فما زال هؤلاء حتى كادوا يردّونني عنها.
وقوله: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) يقول: إن عَمَلَكُمْ لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر بربه، والعاصي له في أمره ونهيه، والمؤمن به، والمطيع له في أمره ونهيه.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (إِنَّ
سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) يقول: لمختلف.
وقوله: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) جواب القسم، والكلام: والليل إذا يغشى إن سعيكم لشتى، وكذا قال أهل العلم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: وقع القسم ها هنا (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى).
وقوله: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) يقول تعالى ذكره: فأما من أعطى واتقى منكم أيها الناس في سبيل الله، ومن أمَرَه الله بإعطائه من ماله، وما وهب له من فضله، واتقى الله واجتنب محارمه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن عامر، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قوله: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) قال: أعطى ما عنده واتقى، قال: اتقى ربه.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى) من الفضل (وَاتَّقَى) : اتقى ربه.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى) حق الله (وَاتَّقَى) محارم الله التي نهى عنها.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول قي قوله: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) يقول: من ذكر الله، واتقى الله.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) فقال بعضهم: معنى ذلك: وصدّق بالخلَف من الله على إعطائه ما أعطى من ماله فيما أعْطَى فيه مما أمره الله بإعطائه فيه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا دواد، عن عكرِمة،
عن ابن عباس، في قوله: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) قال: وصدّق بالخَلَف من الله.
حدثني محمد بن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) يقول: وصدّق بالخلَف من الله.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، عن عكرِمة، عن ابن عباس (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) بالخلف.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس، مثله.
حدثنا إسماعيل بن موسى السديّ، قال: أخبرنا بشر بن الحكم الأحْمَسِيِّ، عن سعيد بن الصلت، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، عن ابن عباس (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) قال: أيقن بالخلف.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن عكرِمة (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) قال: بالخلف.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن عكرِمة (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) قال: بأن الله سيخلف له.
قال ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي هاشم المكي، عن مجاهد (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) قال بالخلف.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن أبي بكر الهُذليّ، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) قال: بالخلف.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن نضر بن عربي، عن عكرمة، قال: بالخلف.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وصدّق بأن الله واحد لا شريك له.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمر بن عليّ المُقَدَّمِيِّ، قال: ثنا أشعث السجستاني، قال: ثنا مِسْعَر؛ وحدثنا أبو كُرَيب قال: ثنا وكيع، عن مِسْعَر عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) قال: بلا إله إلا الله.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن مثله.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرإن، عن سفيان، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، مثله.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) : بلا إله إلا الله.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) : يقول: صدّقَ بلا إله إلا الله.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وصدّق بالجنة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) قال: بالجنة.
حدثنا ابن بشار، قال: ثني محمد بن محبب، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون: بل معناه: وصدق بموعود الله.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) قال: بموعود الله على نفسه، فعمل بذلك الموعود الذي وعده الله.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) قال: صدّق المؤمن بموعود الله الحسن.
وأشبه هذه الأقوال بما دلّ عليه ظاهر التنزيل، وأولاها بالصواب عندي: قول من قال: عُنِي به التصديق بالخلف من الله على نفقته.
وإنما قلت: ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك، لأن الله ذكر قبله مُنفقا أنفق طالبا بنفقته الخلف منها، فكان أولى المعاني به أن يكون الذي عقيبه الخبر عن تصديقه بوعد الله إياه بالخلف إذ كانت نفقته على الوجه الذي يرضاه، مع أن الخبر عن رسول الله ﷺ بنحو الذي قلنا في ذلك ورد.
* ذكر الخبر الوارد بذلك:
حدثني الحسن بن سلمة بن أبي كبشة، قال: ثنا عبد الملك بن عمرو، قال: ثنا عباد بن راشد، عن قتادة قال: ثني خليد العصري، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْ يَوْمٍ غَرَبَتْ فِيهِ شَمْسُهُ إلا وَبِجَنْبِيهَا مَلَكانِ يُنادِيانِ، يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللهِ كُلُّهُم إلا الثَّقَلَينِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقا خَلَفا، وأعْطِ مُمْسِكا تلَفا" فأنزلَ الله في ذلك القرآنَ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى)... إلى قوله (لِلْعُسْرَى).
وذُكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصدّيق رضى الله عنه.
* ذكر الخبر بذلك:
حدثني هارون بن إدريس الأصمّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربيّ، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، عن عامر بن عبد الله بن الزّبير، قال: كان أبو بكر الصدّيق يُعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بنيّ، أراك تعتق أناسا ضعفاء، فلو أنك أعتقت رجالا جَلْدا يقومون معك، ويمنعونك، ويدفعون عنك، فقال: أي أبت، إنما أريد "أظنه قال": ما عند الله، قال: فحدثني بعض أهل بيتي، أن هذه الآية أنزلت فيه: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى).
وقوله: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) يقول: فسنهيئه للخلة اليسرى، وهي العمل بما يرضاه الله منه في الدنيا، ليوجب له به في الآخرة الجنة.
وقوله: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) يقول تعالى ذكره: وأما من بخل بالنفقة في سبيل الله، ومنع ما وهب الله له من فضله، من صرفه في الوجوه التي أمر الله بصرفه فيها، واستغنى عن ربه، فلم يرغب إليه بالعمل له بطاعته بالزيادة فيما خوّله من ذلك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قوله: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) قال: بخل بما عنده، واستغنى في نفسه.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، عن عكرِمة عن ابن عباس (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) وأما من بخل بالفضل، واستغنى عن ربه.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) يقول: من أغناه الله، فبخل بالزكاة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) : وأما من بخل بحقّ الله عليه، واستغنى في نفسه عن ربه.
وأما قوله: (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله نحو اختلافهم في قوله: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) وأما نحن فنقول: معناه: وكذّب بالخَلَف.
كما حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس: (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) : وكذّب بالخلف.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، عن عكرِمة، عن ابن عباس (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) بالخلف من الله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) وكذّب بموعود الله الذي وعد، قال الله: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى).
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) وكذّب الكافر بموعود الله الحسن.
وقال آخرون: معناه: وكذّب بتوحيد الله.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) : وكذّب بلا إله إلا الله.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) بلا إله إلا الله.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وكذّب بالجنة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد
(وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) قال: بالجنة.
وقوله: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) يقول تعالى ذكره: فسنهيئه في الدنيا للخلة العُسرى، وهو من قولهم: قد يسرت غنم فلان: إذا ولدت وتهيأت للولادة، وكما قال الشاعر:
هُمَا سَيِّدَنا يَزْعُمانِ وإنَّمَايَسُودَانِنا أنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُمَا (١)
وقيل: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) ولا تيسر في العُسرى للذي تقدّم في أول الكلام من قوله: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) واذا جمع بين كلامين أحدهما ذكر الخير والآخر ذكر الشرّ، جاز ذلك بالتيسير فيهما جميعا؛ والعُسرى التي أخبر الله جلّ ثناؤه أنه ييسره لها: العمل بما يكرهه ولا يرضاه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* ذكر الخبر بذلك:
حدثني واصل بن عبد الأعلى وأبو كُرَيب، قالا ثنا وكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، عن عليّ، قال: كُنَّا جلوسا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنكَت الأرض، ثم رفع رأسه فقال: "ما مِنكُمْ مِن أحَدٍ إلا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنِّةِ وَمَقَعَدُهُ مِنَ النَّارِ". قلنا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ قال: "لا اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسَّر"، ثم قرأ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى).
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا زائدة بن قُدامة، عن منصور، عن سعد بن عُبيدة عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، عن عليّ، قال: كنا في جنازة في البقيع، فأتانا رسول الله ﷺ فجلس وجلسنا معه، ومعه عود ينكت في الأرض، فرفع رأسه إلى السماء فقال: "ما مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلا قَدْ كُتبَ مَدْخَلُها"، فقال القوم: يا رسول الله ألا نتكل على كتابنا، فمن كان من أهل السعادة فإنَّهُ يعمل للسعادة، ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء، فقال: "بَلِ اعْمَلُوا فَكُلٌ مُيَسَّر؛ فأمَّا مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ السَّعادَةِ فإنَّهُ يُيَسَّرُ لِعَمَلَ السَعادَةِ وأمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الشَّقاءِ فإنَّهُ يُيَسَّرُ للشَّقاءِ"، ثم قرأ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى
(١) ارتفع الأمر: زال وذهب، كأنه كان موضوعا حاضرا ثم ارتفع. ومنه: ارتفع الخلاف بينهما.
وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى).
حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلميّ، عن عليّ، عن النبيّ ﷺ بنحوه.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور والأعمش: أنهما سمعا سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلميّ، عن عليّ، عن النبيّ ﷺ أنه كان في جنازة، فأخذ عودا، فجعل ينكت في الأرض، فقال: "ما منْ أحَدٍ إلا وَقَدْ كُتبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أوْ مِنَ الجَنَّةِ"، فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ قال: "اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسَّرٌ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) ".
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور والأعمش، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلميّ، عن عليّ رضى الله عنه قال: كنا جلوسا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فتناول شيئا من الأرض بيده، فقال: "ما مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلا وَقَدْ عَلِمَ مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ والنَّارِ " قالوا: يا نبيّ الله، أفلا نتكل؟ قال: "لا اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ"، ثم قرأ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى)... الآيتين.
قال: ثنا مهران، عن أبي سنان، عن عبد الملك بن سَمُرة بن أبي زائدة، عن النزال بن سَبَرةَ، قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلا قَدْ كُتبَ اللهُ عَلَيْها ما هِيَ لاقِيَتُهُ" وأعرابي عند النبيّ ﷺ مرتاد، فقال الأعرابيّ: فما جاء بي أضرب من وادي كذا وكذا، إن كان قد فرغ من الأمر.
فنكت النبيّ ﷺ في الأرض، حتى ظنّ القوم أنه ود أنه لم يكن تكلم بشيء منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كُلّ مُيَسرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، فَمَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يَسَّرَهُ لِسَبِيلِ الخَيرِ، وَمَنْ يُرِدْ بِهِ شَرًّا يَسَّرَهُ لِسَبِيلِ الشَّرِّ"، فلقيت عمَرو بن مرّة، فعرضت عليه هذا الحديث، فقال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم، وزاد فيه: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى).
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حصين، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلميّ، قال: لما نزلت هذه الآية: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
١]، وَالشَّمْسِ وَضُحاها، وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى» [الليل: ١].

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الليل (٩٢) : الآيات ١ الى ١١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩)
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١)
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ المغيرة عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ قَدِمَ الشَّامَ، فَدَخَلَ مَسْجِدَ دِمَشْقَ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي جَلِيسًا صَالِحًا قَالَ فَجَلَسَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ يَقْرَأُ وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى قَالَ عَلْقَمَةُ: وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَقَدْ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا زال هؤلاء حتى شككوني ثم قال أَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ صَاحِبُ الْوِسَادِ وَصَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ، وَالَّذِي أُجِيرَ من الشيطان عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «٢» هَاهُنَا وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ قَدِمَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَطَلَبَهُمْ فَوَجَدَهُمْ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَقْرَأُ عَلَيَّ قِرَاءَةَ عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالُوا كُلُّنَا، قَالَ: أَيُّكُمْ أَحْفَظُ؟ فَأَشَارُوا إِلَى عَلْقَمَةَ فَقَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى - قَالَ- وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى قَالَ: أَشْهَدُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدون أَنْ أَقْرَأَ وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى وَاللَّهِ لا أتابعهم، هذا لفظ البخاري. وهكذا قَرَأَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَرَفَعَهُ أبو الدرداء، وأما الجمهور فقرؤوا ذلك كما هو المثبت فِي الْمُصْحَفِ الْإِمَامُ الْعُثْمَانِيُّ فِي سَائِرِ الْآفَاقِ وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى فَأَقْسَمَ تَعَالَى بِ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى أَيْ إِذَا غَشِيَ الْخَلِيقَةَ بِظَلَامِهِ وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى أَيْ بِضِيَائِهِ وَإِشْرَاقِهِ.
وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى كقوله تعالى: وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً [النَّبَأِ: ٨] وَكَقَوْلِهِ: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ [الذَّارِيَاتِ: ٤٩] وَلَمَّا كَانَ الْقَسَمُ بِهَذِهِ الأشياء المتضادة كان المقسم عليه أيضا متضادا، ولهذا قال تعالى: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى أَيْ أَعْمَالُ الْعِبَادِ الَّتِي اكْتَسَبُوهَا مُتَضَادَّةٌ أَيْضًا وَمُتَخَالِفَةٌ فَمِنْ فَاعِلٍ خَيْرًا وَمِنْ فَاعِلٍ شَرًّا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى أَيْ أَعْطَى مَا أُمِرَ بِإِخْرَاجِهِ وَاتَّقَى اللَّهَ فِي أُمُورِهِ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى أَيْ بِالْمُجَازَاةِ عَلَى ذَلِكَ قَالَهُ قَتَادَةُ، وَقَالَ خُصَيْفٌ بِالثَّوَابِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَأَبُو صَالِحٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى أي
(١) المسند ٦/ ٤٤٩.
(٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٩٢، في الترجمة. [.....]
بِالْخَلَفِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى أَيْ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى أَيْ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى قَالَ: الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَقَالَ مَرَّةٍ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ أَبَا الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحُسْنَى قَالَ: «الْحُسْنَى: الجنة».
وقوله تعالى: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي لِلْخَيْرِ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: يَعْنِي لِلْجَنَّةِ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مِنْ ثَوَابِ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةَ بَعْدَهَا، وَمِنْ جَزَاءِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةُ بَعْدَهَا، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ أَيْ بِمَا عِنْدَهُ وَاسْتَغْنى قَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ بَخِلَ بِمَالِهِ وَاسْتَغْنَى عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى أَيْ بِالْجَزَاءِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى أَيْ لِطَرِيقِ الشَّرِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الْأَنْعَامِ: ١١٠] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُجَازِي مَنْ قَصَدَ الْخَيْرَ بِالتَّوْفِيقِ لَهُ، وَمَنْ قَصَدَ الشَّرَّ بِالْخِذْلَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرٍ مُقَدَّرٍ وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ.
[رِوَايَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ أَنَّ أَبَاهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ يَقُولُ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَعْمَلُ عَلَى مَا فُرِغَ مِنْهُ أَوْ عَلَى أَمْرٍ مُؤْتَنِفٍ؟ قَالَ «بَلْ عَلَى أَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ» قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ».
[رِوَايَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] قَالَ الْبُخَارِيُّ «٢» : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فِي جِنَازَةٍ فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ فَقَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى إِلَى قَوْلِهِ لِلْعُسْرى.
وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَوَكِيعٍ عَنِ الْأَعْمَشِ بِنَحْوِهِ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عن جرير عن منصور عَنْ سَعِيدِ بْنَ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَعَدَ وقعدنا حوله ومعه
(١) المسند ١/ ٥، ٦.
(٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٩٢، باب ٦.
مِخْصَرَةٌ «١» فَنَكَسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ- أَوْ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ «٢» - إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةٌ أَوْ سَعِيدَةٌ» فَقَالَ رَجُلٌ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ على كتابنا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مَنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا مَنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إِلَى أَهْلِ الشَّقَاءِ؟ فَقَالَ: «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فيسيرون إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى «٣» وَقَدْ أَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سعيد بْنِ عُبَيْدَةَ بِهِ.
[رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ] قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٤» : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَا نَعْمَلُ فِيهِ أَفِي أَمْرٍ قَدْ فُرِغَ أَوْ مُبْتَدَأٍ أَوْ مُبْتَدَعٍ؟ قَالَ: «فِيمَا قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، فَاعْمَلْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَإِنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ لِلسَّعَادَةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ لِلشَّقَاءِ «٥»، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْقَدْرِ عَنْ بُنْدَارٍ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ بِهِ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[حَدِيثٌ آخَرُ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٦» : حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَعْمَلُ لِأَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ أَوْ لِأَمْرٍ نَسْتَأْنِفُهُ؟ فَقَالَ: «لِأَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ» فَقَالَ سُرَاقَةُ: فَفِيمَ الْعَمَلُ إِذًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُ عَامِلٍ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ» وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ «٧» عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِهِ.
[حَدِيثٌ آخَرُ] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٨» : حَدَّثَنِي يُونُسُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ الْعَدَوِيِّ قَالَ: سَأَلَ غُلَامَانِ شَابَّانِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَعْمَلُ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ أَوْ فِي شَيْءٍ يُسْتَأْنَفُ؟ فَقَالَ: «بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ» قَالَا: فَفِيمَ الْعَمَلُ إذا؟ قال: «اعملوا فكل عامل ميسر
(١) المخصرة: ما أخذه الإنسان بيده من عصا، أو عكازة، أو قضيب.
(٢) نفس منفوسة: أي نفس مولودة.
(٣) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٨٣، ومسلم في القدر حديث ٦، ٧، وأبو داود في السنة باب ١٦، والترمذي في تفسير سورة ٩٢.
(٤) المسند ٢/ ٥٢.
(٥) أخرجه الترمذي في القدر باب ٣.
(٦) تفسير الطبري ١٢/ ٦١٧.
(٧) كتاب القدر حديث ٨.
(٨) تفسير الطبري ١٢/ ٦١٧.
لِعَمَلِهِ الَّذِي خُلِقَ لَهُ» قَالَا: فَالْآنَ نَجِدُّ وَنَعْمَلُ.
[رِوَايَةُ أَبِي الدَّرْدَاءِ] قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حدثنا هشيم بْنُ خَارِجَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ عُتْبَةَ السُّلَمِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ:
قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَا نَعْمَلُ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ أَمْ شَيْءٌ نَسْتَأْنِفُهُ؟ قَالَ «بَلْ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ» فقالوا: فَكَيْفَ بِالْعَمَلِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «كُلُّ امْرِئٍ مُهَيَّأٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
[حَدِيثٌ آخَرُ] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٢» : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي كَبْشَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ قَتَادَةُ، حَدَّثَنِي خُلَيْدٌ الْعَصَرِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «ما مِنْ يَوْمٍ غَرَبَتْ فِيهِ شَمْسُهُ إِلَّا وَبِجَنَبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يَسْمَعُهُمَا خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْقُرْآنَ فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلِهِ.
[حَدِيثٌ آخَرُ] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطِّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عمر العدني، حدثني الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عباس أن رجلا كان له نخيل، ومنها نخلة فرعها في دَارِ رَجُلٍ صَالِحٍ فَقِيرٍ ذِي عِيَالٍ، فَإِذَا جاء الرجل فدخل داره فيأخذ التمرة من نخلته فتسقط التمرة، فيأخذها صبيان الرجل الفقير، فينزل من نخلته فينزع التمرة من أيديهم، وإن أدخل أحدهم التمرة فِي فَمِهِ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِي حَلْقِ الْغُلَامِ ونزع التمرة مَنْ حَلْقِهِ، فَشَكَا ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَهُ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ صَاحِبِ النَّخْلَةِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اذْهَبْ» وَلَقِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ فَقَالَ له: «أَعْطِنِي نَخْلَتَكَ الَّتِي فَرْعُهَا فِي دَارِ فُلَانٍ وَلَكَ بِهَا نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ» فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ أَعْطَيْتُ وَلَكِنْ يُعْجِبُنِي ثَمَرُهَا وَإِنَّ لِي لَنَخْلًا كَثِيرًا مَا فِيهَا نَخْلَةٌ أَعْجَبُ إِلَيَّ ثَمَرَةً مِنْ ثَمَرِهَا، فَذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ كَانَ يَسْمَعُ الْكَلَامَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ صَاحِبِ النَّخْلَةِ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَنَا أَخَذْتُ النَّخْلَةَ فَصَارَتْ لِي النخلة فأعطيتك إياها أتعطيني مَا أَعْطَيْتَهُ بِهَا نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ».
ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ لَقِيَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ وَلِكِلَاهُمَا نَخْلٌ، فَقَالَ لَهُ: أُخْبِرُكَ أَنَّ مُحَمَّدًا أَعْطَانِي بِنَخْلَتِي الْمَائِلَةِ فِي دَارِ فُلَانٍ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ قَدْ أَعْطَيْتُ وَلَكِنْ يُعْجِبُنِي ثَمَرُهَا، فَسَكَتَ عَنْهُ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ: أراك إِذَا بِعْتَهَا، قَالَ لَا إِلَّا أَنْ أُعْطَى بِهَا شَيْئًا وَلَا أَظُنُّنِي أُعْطَاهُ، قَالَ:
وَمَا مناك؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ نَخْلَةً، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ جِئْتَ بأمر عظيم، نخلتك تطلب بها أربعين
(١) المسند ٦/ ٤٤١.
(٢) تفسير الطبري ١٢/ ٦١٣.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ أي : نسهل عليه أمره، ونجعله ميسرا له(١)  كل خير، ميسرًا له ترك كل شر، لأنه أتى بأسباب التيسير، فيسر الله له ذلك.
١ - في ب: أي نيسر له أمره، ونجعله مسهلا عليه..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ٢١} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأولَى * فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾.
هذا قسم من الله بالزمان الذي تقع فيه أفعال العباد على تفاوت أحوالهم، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [أي: يعم] الخلق بظلامه، فيسكن كل إلى مأواه ومسكنه، ويستريح العباد من الكد والتعب.
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ للخلق، فاستضاءوا بنوره، وانتشروا في مصالحهم.
﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى﴾ إن كانت " ما " موصولة، كان إقسامًا بنفسه الكريمة الموصوفة، بأنه (١) خالق الذكور والإناث، وإن كانت مصدرية، كان قسمًا بخلقه للذكر والأنثى، وكمال حكمته في ذلك أن خلق من كل صنف من الحيوانات التي يريد بقاءها ذكرًا وأنثى، ليبقى النوع ولا يضمحل، وقاد كلا منهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة، وجعل كلا منهما مناسبًا للآخر، فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ هذا [هو] المقسم عليه أي: إن سعيكم أيها المكلفون لمتفاوت تفاوتا كثيًرا، وذلك بحسب تفاوت نفس الأعمال ومقدارها والنشاط فيها، وبحسب الغاية المقصودة بتلك الأعمال، هل هو وجه الله الأعلى الباقي؟ فيبقى السعي له (٢) ببقائه، وينتفع به صاحبه، أم هي غاية مضمحلة فانية، فيبطل السعي ببطلانها، ويضمحل باضمحلالها؟
وهذا كل عمل يقصد به غير وجه الله تعالى، بهذا الوصف، ولهذا فصل الله تعالى العاملين، ووصف أعمالهم، فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ [أي] ما أمر به من العبادات المالية، كالزكوات، والكفارات والنفقات، والصدقات، والإنفاق في وجوه الخير، والعبادات البدنية كالصلاة، والصوم ونحوهما.
والمركبة منهما، كالحج والعمرة [ونحوهما] ﴿وَاتَّقَى﴾ ما نهي عنه، من المحرمات والمعاصي، على اختلاف أجناسها.
﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ أي: صدق بـ " لا إله إلا الله " وما دلت عليه، من جميع العقائد الدينية، وما ترتب عليها من الجزاء الأخروي.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ أي: نسهل عليه أمره، ونجعله ميسرا له (٣) كل خير، ميسرًا له ترك كل شر، لأنه أتى بأسباب التيسير، فيسر الله له ذلك.
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ بما أمر به، فترك الإنفاق الواجب والمستحب، ولم تسمح نفسه بأداء ما وجب لله، ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ عن الله، فترك عبوديته جانبًا، ولم ير نفسه مفتقرة غاية الافتقار إلى ربها، الذي لا نجاة لها ولا فوز ولا فلاح، إلا بأن يكون هو محبوبها ومعبودها، الذي تقصده وتتوجه إليه.
﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ أي: بما أوجب الله على العباد التصديق به من العقائد الحسنة.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ أي: للحالة العسرة، والخصال الذميمة، بأن يكون ميسرًا للشر أينما كان، ومقيضًا له أفعال المعاصي، نسأل الله العافية.
﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ﴾ الذي أطغاه واستغنى به، وبخل به إذا هلك ومات، فإنه لا يصحبه إلا عمله الصالح (٤).
وأما ماله [الذي لم يخرج منه الواجب] فإنه يكون وبالا عليه، إذ لم يقدم منه لآخرته شيئًا.
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ أي: إن الهدى المستقيم طريقه، يوصل إلى الله، ويدني من رضاه، وأما الضلال، فطرق مسدودة عن الله، لا توصل صاحبها إلا للعذاب الشديد.
﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأولَى﴾ ملكًا وتصرفًا، ليس له فيهما مشارك، فليرغب الراغبون إليه في الطلب، ولينقطع رجاؤهم عن المخلوقين.
﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ أي: تستعر وتتوقد.
(١) في ب: بكونه.
(٢) في ب: العمل له.
(٣) في ب: أي نيسر له أمره، ونجعله مسهلا عليه.
(٤) في ب: فإنه لا يصحب الإنسان إلا عمله الصالح.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٨٩ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز التفسير الميسر — التفسير الميسر أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الواضح — محمد محمود حجازي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
لِلْيُسْرَى
لِكُلِّ خَيْرٍ، وَسَعَادَةٍ.
فَرَغْتَ
مِنْ أَشْغَالِ الدُّنْيَا.
فَانصَبْ
فَجِدَّ فيِ العِبَادَةِ.

إعراب الآية ٧ من سورة الليل

من كتاب: إعراب القرآن

عليه. قال الحسين بن واقد: فأما من أعطى زكاته واتّقى ربّه. ومن أحسن ما قيل في معنى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ما قرئ على محمد بن جعفر بن حفص بن راشد عن يوسف بن موسى عن ابن عليّة قال: أخبرنا داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى قال: بالحلف فهذا إسناد مستقيم، ومعنى ملائم لسياق الكلام.

[سورة الليل (٩٢) : آية ٧]

فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧)
قال جويبر عن الضحّاك قال: للجنة.

[سورة الليل (٩٢) : آية ٨]

وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨)
على ذلك القول بخل بزكاته واستغنى عن ثواب ربه جلّ وعزّ.

[سورة الليل (٩٢) : آية ١٠]

فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠)
قال الضحّاك: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) قال: النار، فإن قيل: التيسير إنما يكون للخير فكيف جاء للعسر؟ فالجواب أنه مثل فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١] أي اجعل ما يا قوم لهم مقام البشارة وأنشد سيبويه: [الوافر] ٥٧١- تحيّة بينهم ضرب وجيع «١» هذا قول البصريين، وقول الفرّاء إنه إذا اجتمع خير وشرّ فوقع للخير تبشير جاز أن يقع للشرّ مثله.

[سورة الليل (٩٢) : آية ١١]

وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١)
ما في موضع نصب بيغني أي وأيّ شيء يدفع عنه ماله إذا سقط في النار، وذهب مجاهد إذا هلك وإنما يقال في الهلاك. ردى يردي وتردّى إذا سقط وردؤ الرجل يردؤ رداءة وهو رديء مردئ.

[سورة الليل (٩٢) : آية ١٢]

إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢)
لام توكيد دخلت على الهدى فحذف الألف لئلا يشبه «لا» التي للنفي ولاتصال اللام بما بعدها.

[سورة الليل (٩٢) : آية ١٣]

وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣)
وكذا وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣)

[سورة الليل (٩٢) : آية ١٤]

فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤)
(١) مرّ الشاهد رقم (٤٠٥).
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٧ من سورة الليل

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ الآيات. [٥-١٠].
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم، أخبرنا محمد بن جعفر بن الهَيْثَمْ الأنْبَارِيُّ، حدَّثنا جعفر بن محمد بن شاكر، حدَّثنا قبيصةُ، حدَّثنا سفيان الثَّوْري، عن منصور والأعمش، عن سعد بن عُبَيدةَ، عن أبي عبد الرحمن السّلَمي، عن علي، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما منكم مِنْ أحد إلا كُتِبَ مُقْعده من الجنة، ومقعده من النار! قالوا: يا رسول الله، أفلا نَتَّكِلُ؟ قال: اعملوا فكلٌ ميسر [لما خلق له] ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾.
رواه البخاري، عن أبي نُعيم، عن الأعمش، ورواه مسلم عن أبي زهير بن حرب، عن جرير، عن منصور.
أخبرنا عبد الرحمن بن حَمْدان، أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك، قال: حدَّثني عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدَّثنا أحمد بن [محمد بن] أيوبَ، حدَّثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله، عن ابن أبي عَتِيق، عن عامر بن عبد الله، عن بعض أهله:
قال أبو قُحَافةَ لابنه أبي بكر: يا بُنيَّ، أراك تعتق رقاباً ضِعافاً، فلو أنك إذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ أعْتَقْتَ رجالاً جَلَدةً يمنعونك ويقومون دونك. فقال أبو بكر: يا أبت، إني إنما أريد ما أريد قال: فتُحدِّثَ: ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيه وفيما قاله: أبوه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ إلى آخر السورة.
وذكر من سمع ابن الزبير وهو على المنبر يقول: كان أبو بكر يبتاع الضَّعَفَةَ من العبيد فيعتقهم، فقال له أبوه: يا بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك. قال [ما] مَنْعَ ظَهْرِي أريدُ. فنزلت فيه. ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى * ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ إلى آخر السورة.
وقال عطاء عن ابن عباس:
إن بلالاً لما أسلم ذهب إلى الأصنام فَسَلَحَ عليها، وكان عبداً لعبد الله بن جُدْعَانَ، فشكا إليه المشركون ما فعل، فوَهَبَه لهم، ومائة من الإبل ينحرونها لآلهتهم؛ فأخذوه، وجعلوا يعذبونه في الرَّمْضاء، وهو يقول: أحَدٌ أحَدٌ. فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يُنجيكَ أحدٌ أحدٌ. ثم أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر: أنّ بِلالاً يعذَّبُ في الله، فحمل أبو بكر رِطلاً من ذهب، فابتاعه به. فقال المشركون: ما فعل أبو بكر ذلك إلا ليد كانت لبلال عنده. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾.

القراءات في الآية ٧ من سورة الليل

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

لِلْيُسْرَى

(لِلْيُسْرَى) بإسكان السين وإمالة الألف

خلف عن حمزة إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو

(لِلْيُسْرَى) بإسكان السين وتقليل الألف

ورش عن نافع

(لِلْيُسْرَى) بإسكان السين وفتح الألف

هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم قالون عن نافع قنبل عن ابن كثير رويس عن يعقوب روح عن يعقوب البزي عن ابن كثير

(لِلْيُسُرَى) بضم السين وفتح الألف

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

آيات مشابهة للآية ٧ من سورة الليل

مواضع أخرى في القرآن تشبه ألفاظ هذه الآية

جميع المتشابهات لهذه الآية ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٥ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٣ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾، قال: الخير من الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٤٦٧، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٨‏/‏٤٣٩، والتغليق ٤‏/‏٣٧٠، وفتح الباري ٨‏/‏٧٠٦-، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٨٢٥). وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
٢
عن زيد بن أسلم، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾، قال: الجنة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾، يعني: نُيَسِّره للعودة إلى أن يُعطي، فسَنُيَسِّره للخير١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٧٢١-٧٢٢.

نزول الآيات

٥ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس، قال: نزلتْ هذه الآية في أبي بكر الصِّدِّيق: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ الآية [الأحقاف:١٥]، فاستجاب الله له، فأسلم والداه جميعًا وإخوانه وولده كلّهم، ونزلت فيه أيضًا: ﴿فَأَمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى آخر السورة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٢
عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير -من طريق محمد بن عبيد الله- قال: كان أبو بكر يُعتق على الإسلام بمكة، فكان يُعتق عجائز ونساء إذا أسلمْن، فقال له أبوه: أي بُنَيّ، أراك تُعتق أناسًا ضعفاء، فلو أنك تُعتق رجالًا جُلْدًا يقومون معك، ويمنعونك، ويدفعون عنك! قال: أي أبتِ، إنما أريد ما عند الله. قال: فحدَّثني بعض أهل بيتي أنّ هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمّا مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٤٦٦، وابن عساكر ٣٠‏/‏٦٩.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَأَمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ نزلت هذه الآية في أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، وذلك أنه مَرّ على أبي سفيان، وهو صخر بن حرب، وإذا هو يُعذِّب بلالًا على إسلامه، وقد وضع حجرًا على صدره، فهو يُعذّبه عذابًا شديدًا، فقال له أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه: أُتعذّب عبدًا على معرفة ربِّه؟ قال أبو سفيان: أما -والله- إنه لم يُفسد هذا العبدَ الأسودَ غيرُكم، أنتَ وصاحبك. يعني: رسول الله ﷺ، قال له أبو بكر رضي الله عنه: هل لك أنْ أشتريه منك؟ قال: نعم. قال أبو بكر: واللهِ، ما أجد لهذا العبد ثمنًا. قال له صخر بن حرب: واللهِ، إنّ جبلًا من شَعر أحبّ إليّ منه. فقال له الصِّدِّيق أبو بكر: واللهِ، إنه خير من مِلء الأرض ذهبًا. قال له أبو سفيان: اشتره مني. قال له أبو بكر: قد اشتريتُ هذا العبد الذي على ديني بعبدٍ مثله على دينك. فرضي أبو سفيان، فاشترى أبو بكر بلالًا رضي الله عنه، فأَعتقه، قال أبو سفيان لأبي بكر رضي الله عنه: أفسدتَ مالك ومال أبي قحافة. قال: أرجو بذلك المغفرة من ربي. قال: متى هذا؟ قال أبو بكر رضي الله عنه: يوم تدخل سقر تُعذّب. قال: أليس تعِدني هذا بعد الموت؟ قال: نعم. قال: فضحك الكافر، واستلقى، وقال: يا عتيق، أتعِدني البعث بعد الموت، وتأمرني أنْ أرفض مالي إلى ذلك اليوم؟! لقد خسرتَ، واللّات والعُزّى، إنّ مالك قد ضاع، وإنك لا تصيب مثله أبدًا. قال له أبو بكر رضي الله عنه: والله، لأُذكِّرنك هذا اليوم، يا أبا سفيان. فأنزل الله عز وجل: ﴿فَأَمّا مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٧٢١-٧٢٢.
٤
عن عبد الرزاق، قال: قال معمر: قال ابن سيرين: كان اسم أبي بكر الصديق: عتيق بن عثمان. قال: وحدَّثني أبي، قال: وقرأ عليَّ سفيان -وفيه نزلت-: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٠‏/‏١٠.
٥
عن أبي الدّرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من يوم غربتْ فيه شمسه إلا وبجَنبَيْها مَلَكان يناديان، يسمعه خَلْق الله كلّهم إلا الثقلين: اللهم، أعطِ مُنفقًا خَلَفًا، وأعطِ مُمسكًا تلفًا». فأنزل الله في ذلك القرآن: ﴿فَأَمّا مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن بشران في أماليه ١‏/‏٢٤١ (٥٥٠)، ٢‏/‏٤٣-٤٤ (١٠٣٩)، والبيهقي في الشعب ٥‏/‏٩٠-٩١ (٣١٣٩)، وابن جرير ٢٤‏/‏٤٦٥، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٨‏/‏٤١٩-، والثعلبي ١٠‏/‏٢١٧. وأخرجه بدون ذكر هذه الآيات أحمد ٣٦‏/‏٥٢-٥٣ (٢١٧٢١)، وابن حبان ٨‏/‏١٢١-١٢٢ (٣٣٢٩)، والحاكم ٢‏/‏٤٨٢ (٣٦٦٢). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال المنذري في الترغيب والترهيب ٢‏/‏٣٤١ (٢٦٤٠): «رواه أحمد بإسناد صحيح». وقال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏١٢٢ (٤٦٧٦): «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح». وقال ابن حجر في الأمالي المطلقة ص١٥٥: «هذا حديث حسن صحيح غريب». وقال الألباني في الصحيحة ١‏/‏٨٠٤ (٤٤٣): «وهذا إسناد صحيح، على شرط مسلم».

تفسير الآيات

٧ أقوال
١
عن علي بن أبي طالب، قال: كُنّا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مقعده مِن الجنة، ومقعده من النار». فقالوا: يا رسول الله، أفلا نَتَّكِل؟ فقال: «اعملوا، فكلٌّ مُيسّر لما خُلق له؛ أمّا مَن كان من أهل السعادة فيُيسّر لعمل أهل السعادة، وأمّا مَن كان من أهل الشقاء فيُيسّر لعمل أهل الشقاء». ثم قرأ: ﴿فَأَمّا مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرى﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏٩٦ (١٣٦٢)، ٦‏/‏١٧٠-١٧١ (٤٩٤٥-٤٩٤٩)، ٨‏/‏٤٨ (٦٢١٧)، ٨‏/‏١٢٣-١٢٤ (٦٦٠٥)، ٩‏/‏١٦٠ (٧٥٥٢)، ومسلم ٤‏/‏٢٠٣٩-٢٠٤٠ (٢٦٤٧)، وابن جرير ٢٤‏/‏٤٦٩-٤٧٣.
٢
عن النّزال بن سَبرة، قال: قال النبي ﷺ: «ما من نفس منفوسة إلا قد كَتب الله عليها ما هي لاقيته». وأعرابيٌّ عند النبي ﷺ مُرتاد، فقال الأعرابي: فما جاء بي أضرب مِن وادي كذا وكذا إن كان قد فُرِغ من الأمر؟! فنكتَ النبيُّ ﷺ في الأرض، حتى ظنّ القوم أنه ودَّ أنه لم يكن تَكلّم بشيء منه، فقال النبي ﷺ: «كلٌّ مُيسّر لما خُلق له، فمَن يُرد الله به خيًرا يسّره لسبيل الخير، ومَن يُرد به شرًّا يسّره لسبيل الشر». فلقيتُ عمرو بن مُرّة، فعرضتُ عليه هذا الحديث، فقال: قال النبي ﷺ، وزاد فيه: ﴿فَأَمّا مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وأَمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى وكَذَّبَ بِالحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٤٧١-٤٧٢.
٣
عن بشير بن كعب الأسلمي: أنّ سائلًا سأل رسول الله ﷺ: فيم العمل؟ قال: «فيما جفّتْ به الأقلام، وجَرتْ به المقادير، فاعملوا؛ فكلٌّ مُيسّر لما خُلق له». ثم قرأ: ﴿أمّا مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٤٧٣، وابن قانع ١‏/‏٩٢-٩٣، وابن شاهين وعبدان -كما في الإصابة ١‏/‏٣٦٢-. وقال ابن حجر: «قال أبو موسى: هذا يوهم أنّ لبشير صحبة، وليس كذلك، وإنما هو مرسل».
٤
عن جابر بن عبد الله، أنّ سُراقة بن مالك قال: يا رسول الله؛ في أيِّ شيء نعمل؟ أفي شيء ثبتتْ فيه المقادير وجَرتْ به الأقلام، أم في شيء نستقبل فيه العمل؟ قال: «لا، بل في شىء ثبتتْ فيه المقادير، وجَرتْ به الأقلام». قال سُراقة: ففيم العمل إذن، يا رسول الله؟ قال: «اعملوا؛ فكلّ عامل مُيَسَّرٌ لِما خُلِق له». وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿فَأَمّا مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ إلى قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٤‏/‏٢٠٤٠ (٢٦٤٨).
٥
عن عمر بن الخطاب، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿فَمِنهُمْ شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٥] سألتُ رسول الله ﷺ فقلتُ: يا نبيَّ الله، فعلامَ نعمل؛ على شيء قد فُرغ منه، أو على شيء لم يُفرغ منه؟ قال: «بل على شيء قد فُرغ منه، وجَرتْ به الأقلام، يا عمر، ولكن كلٌّ مُيسّر لما خُلق له»١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي ٥‏/‏٣٤٢ (٣٣٧١)، وابن جرير ١٢‏/‏٥٧٧-٥٧٨، وابن أبي حاتم ٦‏/‏٢٠٨٤ (١١٢٢١). قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث عبد الملك بن عمرو». وأخرجه أيضًا الروياني في مسنده ٢‏/‏٤١٨-٤١٩ (١٤٢٦) وزاد بعد قوله ﷺ: «ولكن كلّ أمر مُيسّر» أنه ﷺ قرأ قول الله تعالى: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى﴾.
٦
عن جابر بن عبد الله أنه قال: يا رسول الله، أنعمل لأمر قد فُرغ منه، أو لأمر نأتنفه؟ فقال ﷺ: «كلّ عامل مُيسّر لعمله»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٤‏/‏٢٠٤١ (٢٦٤٨)، وابن جرير ٢٤‏/‏٤٧٣ واللفظ له.
٧
عن أبي عبد الرحمن السُّلميّ، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] قال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؛ أفي شيء نستأنفه، أم في شيء قد فُرغ منه؟ فقال رسول الله ﷺ: «اعملوا؛ فكلٌّ مُيسّر، سنيسره لليسرى، وسنيسره للعسرى»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏١٦١-١٦٢، ٢٤‏/‏٤٧٢ مرسلًا.
التفسير بالمأثور لسورة الليل كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٧ من سورة الليل

٦ وقفات في هذه الآية

  • إذا ضاق عليك أمر.. فتصدق و اتقِ الله.. ﴿ فأما من أعطى و اتقىٰ ﴾ النتيجة:﴿ فسنيسره لليسرى ﴾ يسَّر الله أمرك.

    — نايف الفيصل

  • حكآية آية سورة الليل اية 7

    — حازم شومان

  • قوله {فسنيسره لليسرى} وبعده {فسنيسره للعسرى} أي نسهله للحالة اليسرى والحالة العسرى وقيل الأولى الجنة والثانية النار ولفظة سنيسره وجاء في الخبر اعملوا فكل ميسر لما خلق له

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • *ما معنى (فسنيسره لليسرى)؟ اليسرى في اللغة هي تأنيث الأيسر مضاد الأعسر او الأشق، يقال الأمر اليسير والأمر العسير، فاليسرى هو اسم تفضيل من الدرجة الثالثة أي أعلى درجات التفضيل. الحكم النحوي لليسرى: إذا كان اسم التفضيل مجرداً من (أل) او الإضافة او مضاف إلى نكرة يصح التذكير (استخدام صيغة المذكر) فيقال أفضل رجل وافضل امرأة. أما اذا أضيف الاسم الى معرفة جاز فيه المطابقة وعدم المطابقة، فإذا عرف بـ(أل) وجبت المطابقة إلا إذا لم يسمع او لم يرد عند العرب. يقال: النار الكبرى. استخدام كلمة اليسرى جاء بالدرجة العليا من التفضيل من ناحية ونلاحظ انه ذكر الصفة ولم يذكر الموصوف ولو أراد أن يقيد او يحدد أمراً محدداً لذكر وقال مثلاً الخلة اليسرى او العاقبة اليسرى او غيره تماما كما جاء في الاستخدام المطلق لكلمة الحسنى في الآية السابقة كما ورد ذكرها آنفاً. واليسرى يطلق على كل ما هو الأيسر سواء من أعمال الدنيا او الآخرة، واليسرى تدور حول ثلاث محاور: الأول: ان ييسر على غيره أمورهم ويسعى في حاجتهم ويعينهم ويغيثهم ويعطيهم بمعنى يسر الله لخير غيره. والمحور الثاني أنه تتيسر أموره كلها وتكون سهلة وميسرة عليه فيما يريد من أي ضيق وحالة تصيبه مداقاً لقوله تعالى: (يجعل له من أمره يسرا)، والمحور الثالث هو الآخرة بمعنى أن الله تعالى ييسره لدخول الجنة بيسر وسهولة وهذه عاقبة المحورين الأولين. إذن هي ثلاثة محاور تندرج تحت (فسنيسره لليسرى) وهذا مفهوم الآية. 

    — فاضل السامرائي

  • *ورد في القرآن (ونيسرك لليسرى) وهنا جاءت الآية (فسنيسره لليسرى) لماذا هذا الاختلاف؟ السين في اللغة تفنيد الاستقبال عند النحاة بالإجماع وكثير منهم يذهب إلى ان السين تفيد التوكيد (يعني الاستقبال مع التوكيد) السين وسوف يفيدان التوكيد والاختلاف بينهما هو أيهما أبعد زمنا لكن الاثنين يفيدان الاستقبال مع التوكيد وقد بدأ بهذا الرأي الزمخشري، فالسين أذن هي للاستقبال المؤكد. في الآية الكريمة (ونيسرك لليسرى) هي خطاب للرسول الكريم  والرسول أموره كلها ميسرة دائماً في الحال وفي المستقبل لذا قال تعالى: ونيسرك لليسرى. أما في الآية (فسنيسره لليسرى) فهي جاءت بعد الآية (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) بمعنى أن التيسير لليسرى في هذه الآية مرتبط بالعطاء والاتقاء والتصديق بالحسنى، فإذا أعطينا واتقينا وصدقنا بالحسنى عندها سييسرنا الله لليسرى. 

    — فاضل السامرائي

  • ما ارتباط (فسنيسرك لليسرى) بما قبلها؟ كما قلنا سابقاً التيسير لليسرى جاء على ثلاث محاور وقد قال تعالى: (فأما من أعطى) مرتبط بالمعنى الأول لأن الذي يعطي ييسر على الآخرين فأعانهم، الإعطاء هنا ينطبق على القسم المحور الاول من محاور التيسير. (واتقى) قال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) وقال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا) اتقى هنا تأتي مرتبطة بالمحور الثاني من محاور التيسير أي أن الله تعالى ييسر له أموره كلها. (وصدق بالحسنى) مرتبط بالمحور الثالث لليسرى لأن الله تعالى يجعل له العاقبة الحسنى ويدخله الدار الحسنى (للذين استجابوا لربهم الحسنى) فمن يصدق بالحسنى سيدخل الجنة بيسر وسهولة، فالآية مرتبطة بكل متعلقات (فسنيسره لليسرى). 

    — فاضل السامرائي

ترجمات معاني الآية ٧ من سورة الليل

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(7) We will ease him toward ease.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال