جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : يُبَصّرُونَهُمْ اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بالهاء والميم في قوله يُبَصّرُونَهُمْ فقال بعضهم : عُنى بذلك الأقرباء أنهم يعرّفون أقربائهم، ويعرّف كلّ إنسان قريبه، فذلك تبصير الله إياهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : يُبَصّرُونَهُمْ قال : يعرَف بعضهم بعضا، ويتعارفون بينهم، ثم يفرّ بعضهم من بعض، يقول : لكُلّ امرئ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شأْنٌ يُغْنِيِهِ.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة يُبَصّرُونَهُمْ يعرّفونهم يعلمون، والله ليعرّفنّ قوم قوما، وأناس أناسا.
وقال آخرون : بل عُنِي بذلك المؤمنون أنهم يبصرون الكفار. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : يُبَصّرُونَهُمْ المؤمنون يبصرون الكافرين.
وقال آخرون : بل عُنِي بذلك الكفار الذين كانوا أتباعا لآخرين في الدنيا على الكفر، أنهم يعرفون المتبوعين في النار. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : يُبَصّرونَهُمْ قال : يبصرون الذين أضلوهم في الدنيا في النار.
وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال : معنى ذلك : ولا يسأل حميم حميما عن شأنه، ولكنهم يبصرونهم فيعرفونهم، ثم يفرّ بعضهم من بعض، كما قال جلّ ثناؤه : يَوْمَ يَفِرّ المَرْءُ مِنْ أخِيهِ وأُمّهِ وأبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلّ امرئ منهم يَوْمَئِذٍ شأْنٌ يُغْنِيهِ.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالصواب، لأن ذلك أشبهها بما دل عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن قوله : يُبَصّرُونَهُمْ تلا قوله : وَلا يَسألُ حَميمٌ حَميما فلأن تكون الهاء والميم من ذكرهم أشبه منها بأن تكون من ذكر غيرهم.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : وَلا يَسألُ فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار سوى أبي جعفر القارئ وشَيبة بفتح الياء وقرأه أبو جعفر وشيبة :«وَلا يسأل » بضم الياء، يعني : لا يقال لحميم أين حميمك ؟ ولا يطلب بعضهم من بعض.
والصواب من القراءة عندنا فتح الياء، بمعنى : لا يسأل الناس بعضهم بعضا عن شأنه، لصحة معنى ذلك، ولإجماع الحجة من القرّاء عليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى