البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
يقول الحق جلّ جلاله :﴿سأل سائل﴾، قرأ نافع والشاميّ بغير همز، إمّا من السؤال، على لغة قريش، فإنهم يُسهّلون الهمز، أو مِن السّيلان، ويُؤيده أنه قُرئ " سَال سيْل " أي : سال وادٍ ﴿بعذابٍ واقعٍ للكافرين﴾ يوم القيامة، والتعبير بالماضي لتحقُّق وقوعه، أو في الدنيا، وهو عذاب يوم بدر، وقرأ الباقون بالهمز، من السؤال، أي : طَلَبَ طالب، وهو النضر بن الحارث، حيث قال استهزاءً :﴿إِن كَانَ هّذاَ هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقيل : أبو جهل، حيث قال :
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الشعراء: ١٨٧]، وقيل : هو الحارث بن النعمان الفهري، وذلك أنه لمّا بلغه قولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في عَلِيّ :" مَن كنتُ مولاه فَعَلِيٌّ مولاه " (١)، قال : اللهم إن كان ما يقول محمد حقًّا فأَمْطِر علينا حجارةً من السماء، فما لبث حتى رماه الله بحَجَر، فوقع على دماغه، فخرج من أسفله، فهلك من ساعته.
وقوله تعالى :﴿بعذاب﴾ إذا كان " سال " من السيلان، فالباء على بابها، أي : سال واد بعذاب للكافرين، وإذا كان من السؤال فالباء بمعنى " عن " كقوله تعالى :﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: ٥٩] أي : سأل عن عذاب، أو ضَمَّن " سأل " معنى دعا، فعدّى تعديته، مِن قولك : دعا بكذا إذا استدعاه وطلبه، ومنه قوله تعالى :﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ﴾ [الدخان: ٥٥] أي : دعا داع بعذابٍ واقع لا محالة، إما في الدنيا أو الآخرة،
و " للكافرين " : صفة ثانية لعذاب، أي : بعذاب واقع حاصل للكافرين، أو متعلق بسَأل، أي : دعا للكافرين بعذاب واقع،
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : سال إلى قلوب أهل الغفلة والإنكار سايل من بحر الهوى، بعذاب واقع نازل بقلوبهم من الجزع والهلع والشكوك والخواطر، أو : سأل سائل عن عذاب واقع لأهل الإنكار، وهو غم الحجاب، وسوء الحساب، ليس له دافع من جهته تعالى ؛ لأنه حكم به على أهل البُعد والإنكار. وهو تعالى ذو المعارج، أي : ذو المراقي، تترقى إليه الأرواح والأسرار، من مقام إلى مقام، من مقام الإسلام إلى الإيمان، ومن الإيمان إلى الإحسان، أو : من عالَمٍ إلى عالَمٍ، من عالَم المُلك إلى الملكوت، ومن عالَم الملكوت إلى الجبروت، ومن عالَم الجبروت إلى الرحموت. تعرج الملائكة والروح إليه، أمّا الملائكة فتنتهي إلى الدهش والهيمان، وأما الروح الصافية فتنتهي إلى شهود الذات بالصحو والتمكين، وهذا مقام خاصة الخاصة من النبيين والصدِّيقين، تنتهي إلى هذا المقام في زمن يسير، إن سبقت العناية واتصل صاحبها بالخبير، وفي زمن طويل إن لم يتصل بالخبير، ولذلك قال تعالى :﴿في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ أي : يقطع ذلك في يوم كان مقداره لو صار بنفسه خمسين ألف سنة.
واعلم أنَّ الحق تعالى لا يتصف بقُرب ولا بُعد، هو أقرب إلى كل شيء من كل شيء، وإنما بعّد النفوسَ جهلُها به تعالى ووهْمُها وغفلتها، فإذا ارتفع الجهل والوهم، وَجَدت الحقّ كان قريباً وهي لا تشعر. قال الورتجبي : ليس للحق مكان ومنتهى، حتى أن الخلق يعرجون إليه، بل إنَّ ظهور عزته وجلاله في كل ذرة عيانٌ، فإذا رَفَعْتَ القربَ والبُعدَ من حيث المسافة، وأدرجت الأوهام والأفهام ؛ لم يكن بين الحق والروح فصل، وصول الحق لأهل الحق بأقل طرفة، فإنَّ الوصل منه، وهو قريب غير بعيد. هـ. فاصبر أيها السائر صبراً جميلاً ؛ لتظفر بالوصل الدائم، إنهم ـ أي أهل الغفلة ـ يرونه بعيداً، ونراه قريباً لمن قربتُه عليه، يوم تكون السماء كالمُهل، أي : وقت الوصول هو حين تتلطّف العوالم وتذوب الكائنات، فيتصل بحر الأزل بما لم يزل، فلم يبقَ إلاَّ الأزل، قال بعض المحققين : حقيقة المشاهدة : تكثيف اللطيف، وحقيقة المعاينة : تلطيف الكثيف، فافهم.
ولا يسأل حميمٌ حميماً، أي : لا مودة بين أهل البُعد وأهل القرب، ولو كان مِن أقرب الناس إليه نسباً، وهذا مثل قوله :﴿لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ ألآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ...﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية. يَوَدُّ المجرمُ، حين يرى ما خص اللهُ به أولياءه من العز والقُرب، لو يفتدي بجميع مَا يملك، بل بجميع أهل الأرض مما نزل به من عذابِ القطيعة والبُعد، كلاّ إنها، أي : نار القطيعة، لَظَى، نزاعةَ لرِفْعَةِ الرؤوس، بل تحطها عن مراتب المقربين، تدعوا مَن أدبر عن المجاهدة والتربية، وجَمَعَ الدنيا فأوعاها، وهذا هو الهلوع الذي أشار إليه بقوله :
﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾*﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً﴾*﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾*﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾*﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ﴾*﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾*﴿لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾*﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾*﴿وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾*﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾*﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾*﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾*﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾*﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾*﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾*﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾*﴿أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾.


١ أخرجه أحمد في المسند ٥/٣٤٧، والنسائي في السنن الكبرى حديث ٨١٤٥، والحاكم في المستدرك ٣/١١٠..

و " للكافرين " : صفة ثانية لعذاب، أي : بعذاب واقع حاصل للكافرين، أو متعلق بسَأل، أي : دعا للكافرين بعذاب واقع،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى