التفسير البسيط — الواحدي

عن الكتاب
تفسير سورة المعارج (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

١ - ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحرث حين قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ﴾ (٢) هذه (٣) الآية، وهو قول عطاء (٤)، (والكلبي) (٥)، ومقاتل (٦)، (وسعيد بن جبير) (٧)، عن ابن عباس (٨)، [وابن
(١) تسمى بسورة المعارج، والواقع. انظر: "زاد المسير" ٨/ ٨٨، و"الإتفان" للسيوطي: ١/ ١٥٩، وعند ابن خالويه: سورة الدافع، و"إعراب القراءات السبع" ٢/ ٣٨٩. وهي مكية بلا خلاف. انظر: "جامع البيان" ٦٩/ ٢٩، و"الكشف والبيان" ١٢/ ١٨٠/ أ، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٩١، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٣٦٤.
(٢) الأنفال: ٣٢.
(٣) في (أ): هذا.
(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٥) ساقطة من: (أ). ولم أعثر على مصدر لقوله.
(٦) "تفسير مقاتل" ٢٠٨/ ب.
(٧) ساقطة من: أ.
(٨) أخرجه النسائي من طريق المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في "تفسيره" ٢/ ٤٦٣. كما أخرجه الحاكم من طريق الأعمش، عن سعيد بن جير ٢/ ٥٠٢، في التفسير: تفسير سورة "سأل سائل"، وقال: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي في أنه على شرط البخاري. وقال محققا تفسير النسائي: إسناده حسن موقوفًا. وانظر: "أسباب النزول" للواحدى ٤٤٥. وقد وردت الرواية عن ابن عباس في: "لباب النقول" للسيوطي ٢١٩، و"والكشف والبيان" ١٢/ ١٨١/ أ، و"النكت" =
أبي نجيح، عن (١) مجاهد (٢)، قال: دعا داع على نفسه، وذلك أن قولهم: ﴿اللَّهُمَّ (٣) إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية، دعاء منه، وسؤال للعذاب.
قال ابن الأنباري: (على هذا القول تقدير (الباء) الإسقاط، وتأويل الآية: سأل سائل عذابًا واقعًا، فأكد بـ (الباء)، كقوله -عز وجل-: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥]) (٤).
ومعنى قوله: (واقع) أي: كائن، يعني (٥) أن العذاب كائن للكفار، فاستعجله النضر وسأله؛ (هذا قول الأكثرين في هذه الآية) (٦).
= ٦/ ٨٩، و"معالم التنزيل" ٤/ ٤٩٢، و"زاد المسير" ٨/ ٨٩، و"الجامع" للقرطبي ١٨/ ٢٧٨، و"لباب التأويل" ٤/ ٣٠٨، و"ابن كثير" ٤/ ٤٤٦، و"الدر المنثور" ٨/ ٢٧٧، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، كما وردت عن مجاهد، والسدي أيضًا. انظر المراجع السابقة، وعن ابن جريج في "الدر" ٨/ ٢٧٧.
(١) في (أ): ومجاهد، وما أثبته من: ع، وهو الصواب لموافقته لما جاء في الطبري.
(٢) وردت الرواية عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في: "جامع البيان" ٦٩/ ٢٩، وذكرت من غير ذكر الطريق إلى مجاهد في "بحر العلوم" ٣/ ٤٠٢، و"النكت" ٦/ ٨٩، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٤٦، و"الدر المنثور" ٨/ ٢٧٨، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
(٣) ساقطة من: (أ).
(٤) ما بين القوسين من قول ابن الأنباري. انظر: "التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢١.
(٥) غير واضحة في: (ع).
(٦) ما بين القوسين ساقط من: (أ). قلت: وقد مضى قولهم هذا عند ورود سب نزول صدر السورة، وقد رجحه الفخر في "التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢٢.
وقال (١) الحسن (٢)، وقتادة (٣): لما بعث الله محمدًا، وخوف المشكرين بالعذاب، قال المشركون بعضهم لبعض: [سلوا] (٤) محمدًا لمن هذا العذاب، وبمن يقع؟ فأخبر الله عنهم بقوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾.
قال ابن الأنباري: (والتأويل على هذا القول: سأل سائل عن عذاب واقع، (الباء) بتأويل (عن) كقول علقمة:
فَإنْ تسألوني بالنِّسَاءِ فإننيبصيرٌ بأدْواءِ النسَاءِ طبيبُ (٥)
أي عن النساء) (٦). وكما قال الأخطل:
دعِ المُعَمَّرَ لا تسْألْ بمصرعِهِواسْألْ بمصْقَلَةَ البَكْريِّ ما فَعَلا (٧)
(١) في (أ): قال من غير واو.
(٢) "المحرر الوجيز" ٥/ ٣٦٤ بمعناه، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢١.
(٣) المرجعان السابقان، كما ورد غير منسوب بمعناه في: "النكت" ٦/ ٩٠.
(٤) وردت في النسختين: سألوا. والتصحيح من الفخر في: "التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢١.
(٥) ورد البيت في "ديوانه" ٣٥، و"الزاهر في معاني كلمات الناس" لابن الأنباري: ١/ ٣٣١، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٣٦٤، و"الدر المصون" للسمين الحلبي: ٦/ ٣٧٢، و"الشعر والشعراء" ١٢٦، و"علقمة بن عبدة حياته وشعره" ٨٥، و"الكشف والبيان" ١٢/ ١٨٠/ أ.
(٦) ما بين القوسين قول ابن الأنباري. انظر: "التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢١، وورد بمعناه في: "المحرر الوجيز" ٥/ ٣٦٤، و"زاد المسير" ٨/ ٨٩.
(٧) ورد البيت في "شعر الأخطل" للسكري: ١/ ١٥٧، و"إعراب القراءات السبع" لابن خالويه: ٢/ ١١٩، و٣٨٩. معنى البيت: المعمر: القعقاع الهذلي، مصقلة: هو الممدوح، يتخذ من هذا البيت وسيلة للتخلص إلى المدح، ويقول مخاطبًا امرءًا موهومًا: دع المعمر، ولا تُعْنَ بمصرعه، واهتم بأمر مصقلة الهذلي تذيعت في الناس فعاله.
"ديوان الأخطل" لإيليا الحاوي: ٣٤٩.
أراد: عن مصرعه. قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، وهذا قول الأخفش، قال: أي سأل (١) عن عذاب الله، يقال: خرجنا نسأل (٢) عن فلان وبفلان (٣)، ونحو ذلك قال الزجاج (٤).
وقال أبو علي الفارسي: (سأل سائل النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو المسلمين بعذاب واقع، فلم يذكر المفعول الأول لـ: "سأل" -هذا ما ذكره المفسرون (٥)، وأهل المعاني (٦) في هذه الآية-، وهو كله على قراءة من قرأ: (سأل) بالهمز (٧)، فاما من قرأ (سأل) بغير همز (٨)، فله وجهان:
أحدهما: أنه أراد سأل بالهمز، فخفف وقلب (٩)، كما قال:
(١) في (أ): سل.
(٢) في (أ): نسئل.
(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢١٩.
(٥) سبق ذكره عند قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾ من هذه السورة، آية: ١.
(٦) انظر قول الفراء في "معاني القرآن" ٣/ ١٨٣، والزجاج في "معاني القرآن" ٥/ ٢١٩.
(٧) قرأ بذلك: ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف. انظر: "الحجة" لأبي علي ١٧/ ٣٦، و"الكشف" لمكي ٢/ ٣٣٤، و"النشر" ٢/ ٣٩٠، و"الوافي في شرح الشاطبية" لعبد الفتاح القاضي ٣٧٢، و"البدور الزاهرة" للمؤلف السابق ٣٢٥. قال مكي: "وحجة من قرأ بالهمز أنه جعله من السؤال، فأتى به على أصله -وهو الاختيار- لأن الأكثر عليه، والمعنى به أمكن، وأكثر التفسير عليه؛ لأن الكفار سألوا تعجيل العذاب، وقالوا: متى هو". "الكشف" ٢/ ٣٣٥.
(٨) قرأ بذلك: نافع، وابن عامر، وأبو جعفر. انظر: المراجع السابقة.
(٩) قال عبد الفتاح القاضي: "وهذه الألف -يعني في "سأل"-: يحتمل أن تكون مبدلة من الواو، والأصل سول، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا. ويحتمل أن تكون مبدلة من الهمزة؛ بمعنى أن الهمزة المفتوحة خففت على غير قياس. ويحتمل أن تكون مبدلة من الياء". "الوافي في شرح الشاطبية" ٣٧٢ - ٣٧٣.
فارْعَي فزارةُ لا هناكِ المَرْتَعُ (١)
وحكى أبو عثمان عن أبي زيد أنه سمع من يقول: هُما يتساولان، فيجوز أن يكون (سال) بغير همز من هذه اللغة، وهو قول الشاعر:
سَالَتْ هُذَيْلُ رسولَ الله فاحشةًضَلَّتْ هُذيْلٌ بما سألَت ولم تُصِبِ (٢)
يجوز فيه الأمران.
الوجه الثاني: ما ذكره المفسرون: روى (٣) عطاء عن ابن عباس من قرأ بلا همز فإنه يريدُ واديًا في جهنم (٤) (سال) (٥).
وهو قول زيد بن ثابت (٦)، وعبد الرحمن بن زيد، قالا (٧): سال واد من أودية جهنم بعذاب واقع (٨)) (٩).
(١) البيت للفرزدق، وصدر البيت كما في "ديوان الفرزدق" ٤٠٨:
ومضت لمسلمةَ الرِّكابُ مُوَدَّعًا
(٢) البيت في: "ديوان حسان بن ثابت" ٣٤ ط. دار صادر برواية: "بما جاءت ولم تصب"، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢٢، و"الدر المصون" ٦/ ٣٧٣. ومعنى البيت: سألت: مسهل سألت، يعيّر هذيلًا بأنها طلبت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- حين أرادت الإسلام أن يحلل لها الزنا، فلم تصب مرادها. موضع الشاهد: قوله: "سألت" أراد سألت، فخفف الهمزة. وقد يقال: سال يقال، بغير همز، وهي لغة. "شرح ديوان حسان بن ثابت" لعبد الرحمن البرقوقي ١٢٥. وانظر: "ديوانه" المرجع السابق.
(٣) في (أ): وروى.
(٤) في (أ): بجهنم.
(٥) "القرطبي" ١٨/ ٢٧٩، و"الدر" ٨/ ٢٧٨، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
(٦) "الكشف والبيان" ١٢/ ٢٨١/ ب، و"زاد المسير" ٩/ ٨٩، و"فتح القدير" ٥/ ٢٨٨.
(٧) في (أ): قال.
(٨) "جامع البيان" ٢٩/ ٧٠، و"زاد المسير" ٨/ ٨٩، وهذا القول ضعيف، بعيد عن المراد، والصحيح الأول لدلالة السياق عليه، قاله ابن كثير ٤/ ٤٤٦.
(٩) ما بين القوسين نقله الواحدي عن أبي علي من "الحجة" بتصرف ٦/ ٣١٧ - ٣١٨.
والمعنى على هذا: أن ذلك الوادي يسيل بعذابهم، فذلك الوادي عذاب لهم على ما أراد الله تعالى وقدره.
(ولم يختلفوا في همزة (سائل)، ولا يجوز فيه غير الهمز؛ لأنه إن كان من: (سال) المهموز، فهو بالهمز، وإن لم يكن من المهموز فهو بالهمز أيضًا، نحو: قليل، وخائف، وذلك أن العين اعتل في الفعل، فاعتل في اسم الفاعل أيضًا، وإعلالها لا يكون بالحذف للالتباس؛ فإذا لم يكن بالحذف كان بالقلب إلى الهمز، إلا أنك إن شئت خففت الهمز، فجعلتها بين بين (١)) (٢). وهذا ما أحكمنا بيانه في (قوله) (٣): ﴿مَعَايِشَ﴾ (٤).
قوله تعالى: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ قال الفراء: التقدير في الآية: بعذاب للكافرين واقع، فـ: "الواقع" من نعت (٥) العذاب (٦)، واللام دخلت للعذاب لا للواقع.
والمعنى: إن هذا العذاب الذي سأل النضر في الدنيا هو للكافرين في الآخرة، فلا يدفعه (٧) عنهم أحد. قاله مقاتل (٨)، وهو قوله: {لَيْسَ لَهُ
(١) معنى بين بين: أي هي ضعيفة ليس لها تمكن المحققة، ولا خلوص الحرف الذي منه حركتها. انظر: "سر صناعة الإعراب" لابن جني ١/ ٤٩.
(٢) ما بين القوسين من قول أبي علي، نقله عنه الواحدي بتصرف. "الحجة" ٦/ ٣١٨.
(٣) ساقطة من: (أ).
(٤) انظر تحقيق المسألة في "سر صناعة الإعراب" ١/ ٤٨ - ٤٩.
(٥) يراد به الوصف والصفة، والتعبير بـ: "نعت" من اصطلاح الكوفيين. انظر: "نحو القراء الكوفيين" ٣٤٠.
(٦) بياض في: (ع).
(٧) "معاني القرآن" ٣/ ١٨٢ بنصه.
(٨) "تفسير مقاتل" ٢٠٨/ ب.
دَافِعٌ}. وهذا القول الأول في الآية الأولى.
وعلى القول الثاني: قال قتادة: سأل سائل عن عذاب الله بِمَن ينزل؟، أو على من يقع (١)؟ فقال الله عز وجل: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، وعلى هذا قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ جواب لهم وبيان عما سألوا (٢) أن العذاب لمن.
قوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يعني بعذاب من الله. ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ وهي الدرجات، ومنه قوله: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣].
قال ابن عباس في رواية الكلبي: ذي السماوات، وسَمَاهَا معارج؛ لأن الملائكة تعرج فيها (٣)، وهذا معنى قول (٤) سعيد بن جبير: وذي الدرجات (٥).
وقول مجاهد: (معارج) الملائكة، وهي مواضع عروجهم (٦).
(١) "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٣١٦، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٧٩، و"زاد المسير" ٨/ ٨٩ من غير عزو.
(٢) بياض في: (ع).
(٣) "الكشف والبيان" ١٢/ ١٨١/ ب من غير ذكر طريق الكلبي إليه، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢٢، و"لباب التأويل" ٤/ ٣٠٨.
(٤) ساقطة من: (أ).
(٥) "جامع البيان" ٢٩/ ٧٠، و"الكشف والبيان" ١٢/ ١٨١/ ب، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٢ - ٣٩٣. وانظر: تفسير سعيد بن جبير: ٣٥٤.
(٦) "الكشف والبيان" ١٢/ ١٨١/ ب، وبمعناه في: "جامع البيان" ٢٩/ ٧٠، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٤٦، وعبارته فيهما: "معارج السماء".
قال ابن قتيبة: "وأصل المعارج: الدَّرج، وهو من: عَرَجَ: إذا صعد". غريب القرآن: وقال الراغب: "العُرُوج: ذهاب في صعود، والمعارج: المصاعِد". "المفردات" ٣٢٩ (عرج).
وفي اللغة: عَرَج في السُّلَّم: ارتقى. والمعارج: المصاعد. "مختار الصحاح" ٤٢٢.
وقال قتادة: ذي الفواضل والنِّعم (١).
ومعنى هذا: أن لإنعامه وفواضله مراتب، وهي تقع بالناس على درجات مختلفة، فالمعارج: مراتب العامة على الخلق.
وذكر في التفسير أيضًا أن المعارج: معالي الدرجات التي يعطيها أولياءه في الجنة (٢).
قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ الظاهر أنه إلى الله (٣).
والمعنى: إلى الموضع الذي أمرهم الله بالعُروج إليه (٤)، كقوله
(١) "جامع البيان" ٢٩/ ٧٠، و"الكشف والبيان" ١٢/ ١٨١/ ب، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٢، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٣٦٥، و"زاد المسير" ٨/ ٩٠، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢٢، الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ٢٨١، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٤٦، و"الدر المنثور" ٨/ ٢٧٨ وعزاه إلى عبد بن حميد.
(٢) ذكر معنى ذلك عن ابن عباس، قال: العلو والفواضل. "جامع البيان" ٣٠/ ٧٠، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٤٦، و"الدر المنثور" ٨/ ٢٧٨ وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والقرظي. انظر: "الكشف والبيان" ١٢/ ١٨١/ ب، وعبارته: "ذي الفضائل العالية". وورد هذا القول من غير عزو في "التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢٢.
(٣) بمعنى أن "الهاء" في: "إليه" عائدة إلى الله، وهذا قول المفسرين.
انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ٧٠، و"الكشف والبيان" ١٢/ ١٨٢/ أ، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٢، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٣٦٥، و"زاد المسير" ٨/ ٩٠، و"لباب التأويل" ٤/ ٣٠٨، و"تفسير ابن كثير" ٤/ ٤٤٦.
(٤) وقوله: "إلى الموضع" يعني -والله أعلم- أن "الهاء" في قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ عائدة إلى المكان والموضع لا إلى جهة الله سبحانه وتعالى، وعلوه على خلقه. وهذا القول فيه من المخالفة للمذهب الصحيح، والعقيدة الحقة التي عليها سلف الأمة من أهل السنة والجماعة من إثبات علو الله سبحانه على خلقه. وقد دلت الأدلة على ثبوت صفة العلو لله -سبحانه-، منها آية المعارج هذه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾. =
........................
= قال أسامة القصاص: " ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ أي تصعد، فالعروج هو الصعود لم يخالف في ذلك أحد من أهل التفسير، ثم قال: "إليه" يعني إلى الله -عز وجل-، قال الإمام الطبري رحمه الله: يقول تعالى ذكره: تصعد الملائكة والروح، وهو جبريل -عليه السلام- إليه يعني إلى الله -جل وعز-، والهاء في قوله: "إليه" عائدة على اسم الله. ["جامع البيان" ٢٩/ ٧٠]. فإذا كانت هذه الملائكة التي هي في السموات تصعد إلى ما هو أعلى منها، ألا يدل هذا على تحتية من هم فوقنا بالنسبة لربهم؟ لا سيما أن هذا العروج يستغرق خمسين ألف سنة، وهو يوم بالنسبة للملائكة، وقال بعضهم -كابن عباس وغيره-: إن ذلك اليوم هو القيامة يجعله الله على الكافرين خمسين ألف سنة لشدته وهوله، وأن الملائكة والروح يعرجون إلى الله في يوم هذا مقداره على الكافرين يوم القيامة. قال محمد بن إسحاق بن خزيمة: مفهوم عندهم -أي العرب- أن المعارج: المصاعد، قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، وإنما يعرج الشيء من أسفل إلى أعلى وفوق، لا من أعلى إلى دون وأسفل، فتفهموا لغة العرب لا تغالطوا". "إثبات علو الله على خلقه" ١/ ١٣٠ - ١٣١ باختصار.
قال الإمام السعدي في تفسير الآية: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾: "أي ذي العلو والجلال والعظمة والتدبير لسائر الخلق، الذي تعرج إليه الملائكة بما جعلها على تدبيره، وتعرج إليه الروح". "تفسير الكريم الرحمن" ٥/ ٣٠٣. ومن الأحاديث ما أورده الإمام ابن قدامة في كتابه: "إثبات صفة العلو": ٨٣، وابن كثير في تفسيره من حديث طويل في قبض الروح الطيبة، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الميت تحضره الملائكة فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل". أخرجه ابن ماجه ٢/ ٤٤٠ ح ٤٣١٦، في الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له. وصححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" ٢/ ٤٢٠ ح ٣٤٣٧. وقال ابن كثير ٤/ ٤٤٦: وهذا إسناد رجاله على شرط الجماعة.
ومن الأحاديث الصريحة أيضًا: قصة معاوية وضربه لجاريته عندما أكل الذئب الشاة له، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أعتقها فإنها مؤمنة". أخرجه مسلم ١/ ٣٨٢: ح ٥٣٧، في المساجد، وانظر: إثبات صفة العلو: ٦٩. والأدلة =
تعالى: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] وأمرني بالذهاب إليه.
وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ الأكثرون على أن قوله: (في يوم) من: صلة تعرج (١).
وقال مقاتل: هذا على التقديم (٢). (التقدير) (٣): بعذاب واقع في يوم (٤).
واختلفوا في هذا اليوم المقدر (٥) بخمسين ألف سنة. فقال [ابن عباس] (٦): أيام سماها الله هو أعلم بها كيف تكون، وأكره أن أقول فيها ما لا (٧) أعلم (٨). وروى عكرمة عنه قال: هو يوم القيامة (٩).
= كثيرة، فليراجع فيها كتاب "إثبات علو الله على خلقه والرد على المخالفين" للقصاص، و"إثبات صفة العلو" لابن قدامة.
(١) ومعناه: إن مقدار صعود الملائكة في ذلك اليوم خمسون ألف سنة. وهو قول: مجاهد، وعكرمة، وقتادة، وابن عباس، وابن الزبير. انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ٧١، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢٣.
(٢) "تفسير مقاتل" ٢٠٨/ ب.
(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).
(٤) ومعنى قول مقاتل: أي أن الآية في يوم صلة قوله: "بعذاب". انظر: "التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢٣.
(٥) بياض في: (ع).
(٦) ما بين القوسين ساقط من النسختين، وورد قوله منسوبًا إليه بنصه في: "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٤٧.
(٧) بياض في: (ع).
(٨) "التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢٤، و"القرطبي" ١٨/ ٢٨٣، و"تفسير ابن كثير" ٤/ ٤٤٧.
(٩) "جامع البيان" ٢٩/ ٧١، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٢، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٨٢، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٤٧، وقال: إسناده صحيح.
وهذا القول له دلالته من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما من =
وهو (١) قول الحسن، قال: (وليس يعني مقدار (٢) طوله هذا دون غيره، ولو كان كذلك (٣) لكانت له غاية تفنى فيها الجنة والنار، ولكنه [يطول] (٤) موقفهم (٥) للحساب حتى يفصل الناس خمسين (٦) ألف سنة من سني الدنيا، وذلك أن ليوم القيامة (٧) أولاً وليس له آخر؛ لأنه يوم ممدود (٨)) (٩).
وعلى هذا تقدير الآية: كان مقدارَ المحاسبة فيه خمسون ألف سنة.
وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد يوم القيامة (١٠)، يقول: لو حكم
= صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمر عليه في نار جهنم، فيُجعل صفائح، فيكوى بها جنباه وجبينه، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار".
أخرجه مسلم ٢/ ٦٨٢ ح: ٢٦، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة.
(١) في (أ): هو بغير واو.
(٢) (وليس يعني مقدار): بياض في: (ع).
(٣) بياض في: (ع).
(٤) ورد في النسختين، وكذا عند الثعلبي (يقول)، ولعل الصواب ما أثبته إذ به يتضح المعنى. والله أعلم.
(٥) بياض في: (ع).
(٦) في (ع): خمسون.
(٧) بياض في: (ع).
(٨) بياض في: (ع).
(٩) ما بين القوسين من قول الحسن. انظر: "الكشف والبيان" ١٢/ ١٨٢/ أ، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢٣، و"لباب التأويل" ٤/ ٣٠٨.
(١٠) "جامع البيان" ٢٩/ ٧١، "الكشف والبيان" ١٢/ ١٨٢/ ب، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٢، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٣٦٥، و"زاد المسير" ٩/ ٩٠، و"ابن كثير" ٤/ ٤٤٧.
فيه أعقل خلقي، وأعرفهم بالحكم والقضاء، لأقام خمسين ألف سنة، وإذا أخذ الله في عرضهم يفرغ في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا (١).
وعلى هذا القول يكون تقدير الآية: في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة لو ولي الحساب غير الله. وذكر الكلبي قولاً آخر فقال: تقول تصعد الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره على غيرهم خمسين ألف سنة (٢). وهذا قول وهب، ومحمد بن إسحاق.
قال وهب: ما بين أسفل الأرض إلى العرش مسيرة خمسين ألف سنة (٣).
وقال [ابن] (٤) إسحاق: لو سار بنو آدم من الأرض إلى العرش لساروا خمسين ألف سنة (٥).
والتقدير على هذا القول: في يوم كان مقداره من عُروج غيرهم خمسين ألف سنة. وهذا قول مجاهد.
وجمع (٦) بين هذه الآية، وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]، فقال: يسار خمسين ألف سنة من أسفل الأرضين السبع إلى العرش، ومن السماء الدنيا إلى الأرض ألف سنة للنزول والصعود:
(١) "لباب التأويل" ٤/ ٣٠٨، وعزاه إلى ابن عباس.
(٢) "الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٨١، و"فتح القدير" ٥/ ٢٨٨.
(٣) السابق.
(٤) ورد في كلا النسختين: (أبو)، وهو خطأ ظاهر، والصواب ما أثبته، وقد ورد التصريح باسمه وبقوله في: الكشف.
(٥) غير واضحة في: (ع).
(٦) أي مجاهد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى