التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٠:المراد بالإِنسان فى قوله - تعالى - :﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً. إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً. وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً﴾ جنسه لافرد معين منه، كما فى قوله - تعالى - :﴿والعصر. إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ. إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات..﴾ وكما فى قوله - سبحانه - :﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ويدخل فيه الكافر دخولا أولياً، لأن معظم الصفات التى استثنيت بعد ذلك من صفات المؤمنين الصادقين، وعلى رأسها قوله - سبحانه - :﴿إِلاَّ المصلين﴾.
وقوله :﴿هَلُوعاً﴾ صيغة مبالغة من الهلع، وهو إفراط النفس، وخروجها عن التوسط والاعتدال، عندما ينزل بها ما يضرها، أو عند ما تنال ما يسرها.
والمراد بالشر : ما يشمل الفقر والمرض وغيرهما مما يتأذى به الإِنسان.
والمراد بالخير : ما يشمل الغنى والصحة وغير ذلك مما يحبه الإِنسان، وتميل إليه نفسه.
والجزوع : هو الكثير الجزع. أى : الخوف. والمنوع : هو الكثير المنع لنعم الله - تعالى - وعدم إعطاء شئ منها للمتحاجين إليها.
قال الآلوسى ما ملخصه : قوله :﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً﴾ الهلع : سرعة الجزع عند مس المكروه، وسرعة المنع عند مس الخير، من قولهم : ناقة هلوع، أى : سريعة السير.
وسئل ابن عباس عن الهلوع فقال : هو كما قال الله - تعالى - :﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً. وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً﴾.
ولا تفسير أبين من تفسيره - سبحانه -.
والإِنسان : المراد به الجنس، أو الكافر.. وأل فى الشر والخير للجنس - أيضا.
والتعبير بقوله :﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ يشير إلى أن جنس الإِنسان - إلا من عصم الله - مفطور ومطبوع، على أنه إذا أصابه الشر جزع، وإذا مسه الخير بخل.. وأن هاتين الصفتين ليستا من الصفات التى يحبها الله - تعالى - بدليل أنه - سبحانه - قد استثنى المصلين وغيرهم من التلبس بهاتين الصفتين.
وبدليل أن من صفات المؤمن الصادق أن يكون شكورا عند الرخاء صبورا عند الضراء.
وفى الحديث الشريف، يقول ﷺ :" شر ما فى الرجل : شح هالع، وجبن خالع ". وفى حديث آخر يقول ﷺ :" عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته صبر فكان خيرا له ".
قال الجمل : وقوله :﴿جَزُوعاً﴾ و ﴿مَنُوعاً﴾ فيهما ثلاثة أوجه : أحدها : أنهما منصوبان على الحال فى الضمير فى ﴿هَلُوعاً﴾، وهو العامل فيهما. والتقدير : هلوعا حال كونه جزوعا وقت مس الشر، ومنوعا وقت مس الخير : الثانى : أنهما خبران لكان أو صار مضمرة. أى : إذا مسه الشر كان أوصار جزوعا، وإذا مسه الخير كان أوصار منوعا.
الثالث : أنهما نعتان لقوله :" هلوعا ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى