فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
ثم بيّنهم سبحانه فقال :﴿الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ أي لا يشغلهم عنها شاغل، ولا يصرفهم عنها صارف، وليس المراد بالدوام أنهم يصلون أبداً. قال الزجاج : هم الذين لا يزيلون وجوههم عن سمت القبلة، وقال الحسن وابن جريج : هو التطوع منها. قال النخعي : المراد بالمصلين الذين يؤدّون الصلاة المكتوبة. وقيل : الذين يصلونها لوقتها، والمراد بالآية جميع المؤمنين، وقيل : الصحابة خاصة، ولا وجه لهذا التخصيص لاتصاف كل مؤمن بأنه من المصلين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : سئل ابن عباس عن الهلوع، فقال : هو كما قال الله :﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً﴾. وأخرج ابن المنذر عنه :﴿هَلُوعاً﴾ قال : الشره. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن مسعود :﴿الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ قال : على مواقيتها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن عمران بن حصين :﴿الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ قال : الذي لا يلتفت في صلاته. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عقبة بن عامر ﴿الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ قال : هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا. وأخرج ابن المنذر من طريق أخرى عنه نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ قال : ينظرون ﴿عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال عِزِينَ﴾ قال : العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين يستهزئون به. وأخرج مسلم وغيره عن جابر قال : دخل علينا رسول الله ﷺ المسجد، ونحن حلق متفرقون فقال :«ما لي أراكم عزين». وأخرج أحمد وابن ماجه وابن سعد وابن أبي عاصم والباوردي وابن قانع والحاكم والبيهقي في الشعب، والضياء عن بشر بن جحاش قال : قرأ رسول الله ﷺ ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ إلى قوله :﴿كَلاَّ إِنَّا خلقناهم مّمَّا يَعْلَمُونَ﴾، ثم بزق رسول الله ﷺ على كفه، ووضع عليها أصبعه، وقال :«يقول الله : ابن آدم، أنى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سوّيتك وعدّلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أو أتى أوان الصدقة».