الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُها : أَنْ يتعلَّقَ ب " سأل " مضمَّناً معنى " دَعا " كما تقدَّم، أي : دعا لهم بعذابٍ واقع. الثاني : أَنْ يتعلَّقَ ب " واقعٍ " واللامُ للعلةِ، أي : نازلٌ لأجلِهم. الثالث : أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ صفةً ثانيةً ل " عذابٍ "، أي : كائنٍ للكافرين. الرابع : أَنْ يكونَ جواباً للسائلِ، فيكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ، أي : هو للكافرين. الخامس : أَنْ تكونَ اللامُ بمعنى على، أي : واقعٍ على الكافرين، ويؤيِّده قراءةُ أُبَيّ " على الكافرين "، وعلى هذا فهي متعلِّقةٌ ب " واقعٍ " لا على الوجهِ الذي تقدَّم قبلَه.
وقال الزمخشريُّ :" فإنْ قلتَ : بم يتصِلُ قولُه " للكافرين " ؟ قلت : هو على القولِ الأولِ متصلٌ بعذاب صفةً له، أي : بعذابٍ واقعٍ كائنٍ للكافرين، أو بالفعل، أي : دعا للكافرين بعذابٍ واقعٍ، أو بواقع، أي : بعذابٍ نازلٍ لأَجْلِهم. وعلى الثاني : هو كلامٌ مبتدأٌ، جواباً للسائل، أي : هو للكافرين " انتهى.
قال الشيخ :" وقال الزمشخريُّ :" أو بالفعلِ، أي : دعا للكافرين، ثم قال : وعلى الثاني وهو ثاني ما ذَكَرَ في توجيهِه للكافرين قال : هو كلامٌ مبتدأٌ جواباً للسائلِ، أي : هو للكافرين. وكان قد قَرَّر أنَّ " سَأَلَ " ضُمِّن معنى " دعا " فعُدِّيَ تعديتَه، كأنه قال : دعا داعٍ بعذابٍ، مِنْ قولِك : دعا بكذا إذا استدعاه وطَلَبه، ومنه قولُه تعالى :﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ﴾
[الدخان: ٥٥] انتهى. فعلى ما قَرَّره أنه متعلِّقٌ ب " دعا " يعني ب " سأل "، فكيف يكونُ كلاماً مبتدأ جواباً للسائلِ، أي : هو للكافرين ؟ هذا لا يَصِحُّ ".
هذا كلامُ الشيخِ برُمَّتِه، وقد غَلِط على أبي القاسم في فَهْمِه عنه قولَه :" وعلى الثاني إلى آخره " فمِنْ ثَمَّ جاء التَّخْبيطُ الذي ذكرَه. والزمخشريُّ إنما عنى بالثاني قولَه :" وعن قتادةَ سأل سائلٌ عن عذابِ الله على مَنْ يَنْزِلُ وبمَنْ يقع، فنزلَتْ، وسأَلَ على هذا الوجهِ مُضَمَّنٌ معنى عُنِيَ واهتم " فهذا هو الوجهُ الثاني المقابِلُ للوجهِ الأولِ : وهو أنَّ " سأَلَ " مضمَّنٌ معنى " دعا "، ولا أدري كيف تَخَبَّط على الشيخِ حتى وقع فيما وَقَعَ، ونَسَبَ الزمخشريَّ إلى الغَلَطِ، وأنه أخذ قولَ قتادةَ والحسنِ وأفسَده ؟ والترتيبُ الذي رتَّبه الزمخشريُّ في تعلُّقِ اللامِ مِنْ أحسنِ ما يكونُ صناعةً ومعنى.
قوله :﴿لَيْسَ لهُ دافِعٌ﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ نعتاً آخر ل " عذابٍ "، وأَنْ يكونَ مستأنفاً، والأولُ أظهرُ، وأَنْ يكونَ حالاً مِنْ " عذاب " لتخصُّصه : إمَّا بالعملِ، وإمَّا بالصفة، وأَنْ يكونَ حالاً من الضميرِ في " للكافرين " إنْ جَعَلْناه نعتاً ل " عذابٍ ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى