جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنّهُمْ إِلَىَ نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾.
وقوله : يَوْمَ يَخْرُجُونَ بيان وتوجيه عن اليوم الأوّل الذي في قوله : يَوْمُهُمُ الّذِي يوعَدُونَ وتأويل الكلام : حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدونه يوم يخرجون مِن الأجداث وهي القبور : واحدها جدث سِرَاعا كأنّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِرَاعا : أي من القبور سراعا.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
وقد بيّنا الجدث فيما مضى قبل بشواهده، وما قال أهل العلم فيه.
وقوله : إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ يقول : كأنهم إلى عَلَم قد نُصب لهم يستبقون. وأجمعت قرّاء الأمصار على فتح النون من قوله :«نَصْبٍ » غير الحسن البصري، فإنه ذكر عنه أنه كان يضمها مع الصاد وكأن من فتحها يوجه النصب إلى أنه مصدر من قول القائل : نصبت الشيء أنصبه نصبا. وكان تأويله عندهم : كأنهم إلى صنم منصوب يسرعون سعيا. وأما من ضمها مع الصاد فأنه يوجهه إلى أنه واحد الأنصاب، وهي آلهتهم التي كانوا يعبدونها.
وأما قوله : يُوفِضُونَ فإن الإيفاض : هو الإسراع ومنه قول الشاعر :
لأَنْعَتَنْ نَعامَةً مِيفاضَاخَرْجاءَ تَغْدو تطْلُبُ الإضَاَضَا
يقول : تطلب ملجأً تلجأ إليه والإيفاض : السرعة وقال رؤبة :
*** تَمْشِي بنا الجِدّ على أوْفاضٍ ***
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، عن أبي العالية، أنه قال في هذه الآية كأنّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قال : إلى علامات يستبقون.
حدثنا محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : كأنّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قال : إلى علم يسعون.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : يُوفِضُونَ قال : يستبقون.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : كأنّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قال : إلى علم يسعون.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة : كأنّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قال : إلى عَلَم يوفضون، قال : يسعون.
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، قال : سمعت أبا عمر يقول : سمعت يحيى بن أبي كثير يقول : كأنّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قال : إلى غاية يستبقون.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ إلى علم ينطلقون.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قال : إلى علم يستبقون.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : كأنّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قال : النصب : حجارة كانوا يعبدونها، حجارة طوال يقال لها نصب. وفي قوله يوفِضُونَ قال : يُسرعون إليه كما يُسرعون إلى نصب يوفضون قال ابن زيد : والأنصاب التي كان أهل الجاهلية يعبدونها ويأتونها ويعظمونها، كان أحدهم يحمله معه، فإذا رأى أحسن منه أخذه، وألقى هذا، فقال له : كَلّ عَلىَ مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجّهْهُ لا يأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلىَ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عامر، قال : حدثنا مرّة، عن الحسن، في قوله : كأنّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قال : يبتدرون إلى نصبهم أيهم يستلمه أوّل.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا حماد بن مسعدة، قال : حدثنا قرّة، عن الحسن، مثله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى