جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. .
ذكر أن هذه الآية أنزلت على رسول الله ﷺ بسبب مسائل كان يسألها إياه أقوام، امتحانا له أحيانا، واستهزاء أحيانا، فيقول له بعضهم : من أبي ؟ ويقول له بعضهم إذا ضلت ناقته : أين ناقتي ؟ فقال لهم تعالى ذكره : لا تسألوا عن أشياء من ذلك، كمسألة عبد الله بن حذافة إياه من أبوه، " إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " يقول : إن أبدينا لكم حقيقة ما تسألون عنه ساءكم إبداؤها وإظهارها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك تظاهرت الأخبار عن أصحاب رسول الله ﷺ. ذكر الرواية بذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا بعض بني نفيل، قال : حدثنا زهير بن معاوية، قال : حدثنا أبو الجويرية، قال : قال ابن عباس لأعرابي من بني سليم : هل تدري فيما أنزلت هذه الاية " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " ؟ حتى فرغ من الاية، فقال : كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء، فيقول الرجل : من أبي ؟ والرجل تضلّ ناقته فيقول : أين ناقتي ؟ فأنزل الله فيهم هذه الاية.
حدثني محمد بن المثنى، قال : حدثنا أبو عامر وأبو داود، قالا : حدثنا هشام، عن قتادة، عن أنس، قال : سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوه بالمسألة، فصعد المنبر ذات يوم، فقال :«لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إلاّ بَيّنْتُهُ لَكُمْ ». قال أنس : فجعلت أنظر يمينا وشمالاً، فأرى كلْ إنسان لافّا ثوبه يبكي فأنشأ رجل كان ذا لاحى يدعى إلى غير أبيه، فقال : يا رسول الله، من أبي ؟ فقال :«أبُوكَ حُذَافَةُ ». قال : فأنشأ عمر فقال : رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولاً، وأعوذ بالله من سوء الفتن فقال رسول الله ﷺ :«لَمْ أرَ فِي الشّرّ والخَيْرِ كاليَوْم قَطّ، إنّهُ صُوّرَتْ لِيَ الجَنّةُ وَالنّارُ حتى رأيْتُهُما وَرَاءَ الحائِطِ ». وكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الاية :" لا تَسأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ".
حدثني محمد بن معمر البحراني، قال : حدثنا روح بن عبادة، قال : حدثنا شعبة، قال : أخبرني موسى بن أنس، قال : سمعت أنسا يقول : قال رجل : يا رسول الله من أبي ؟ قال :«أبُوكَ فُلانٌ ». قال : فنزلت : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ".
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " قال : فحُدّثنا أن أنس بن مالك حدثهم : أن رسول الله ﷺ سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر، فقال :«لا تَسْأَلُونِي اليَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إلاّ بَيّنْتُهُ لَكُمْ » فأشفق أصحاب رسول الله ﷺ أن يكون بين يديه أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت يمينا ولا شمالاً إلاّ وجدت كلاًّ لافّاً رأسه في ثوبه يبكي. فأنشأ رجل كان يُلاحَى فيدعى إلى غير أبيه، فقال : يا نبيّ الله من أبي ؟ قال :«أبُوكَ حُذَافة ». قال : ثم قام عمر أو قال : فأنشأ عمر فقال : رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولاً عائذا بالله أو قال : أعوذ بالله من سوء الفتن. قال : وقال رسول الله ﷺ :«لَمْ أرَ فِي الخَيْرِ والشّرّ كاليَوْمِ قَطّ، صُوّرَتْ ليَ الجَنّةُ والنّارُ حتى رأيْتُهُما دُونَ الحائِطِ ».
حدثنا أحمد بن هشام وسفيان بن وكيع، قالا : حدثنا معاذ، قال : حدثنا ابن عون، قال : سألت عكرمة مولى ابن عباس عن قوله : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " قال : ذاك يوم قام فيهم النبي ﷺ، فقال :«لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إلاّ أخْبَرْتُكُمْ بِهِ » قال : فقام رجل، فكره المسلمون مقَامه يومئذ، فقال : يا رسول الله من أبي ؟ قال :«أبُوكَ حُذَافَة » قال : فنزلت هذه الاية.
حدثنا الحسين بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال : نزلت : " لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " في رجل قال : يا رسول الله من أبي ؟ قال :«أبُوك فلان ».
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني سفيان، عن معمر، عن قتادة، قال : سألوا النبي ﷺ حتى أكثروا عليه، فقام مغضبا خطيبا، فقال :" سَلُوني فَوَاللّهِ لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ ما دُمْتُ في مَقامي إلاّ حَدّثْتُكُمْ " فقام رجل فقال : من أبي ؟ قال :«أبُوكَ حُذَافَة » واشتدّ غضبه وقال :«سَلُونِي » فلما رأى الناس ذلك كثر بكاؤهم، فجثا عمر على ركبتيه فقال : رضينا بالله ربّا، قال معمر : قال الزهري : قال أنس مثل ذلك : فجثا عمر على ركبتيه، فقال : رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ رسولاً، فقال رسول الله ﷺ :«أمَا وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ صُوّرَتْ ليَ الجَنّةُ وَالنّارُ آنِفا فِي عَرْضِ هَذَا الحائِطِ، فَلَمْ أرَ كاليَوْمِ فِي الخَيْرِ والشّرّ ». قال الزهريّ : فقالت أمّ عبد الله بن حُذافة : ما رأيت ولدا أعقّ منك قطّ، أتأمن أن تكون أمك قارفت ما قارف أهل الجاهلية، فتفضحها على رؤوس الناس فقال : والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " قال : غضب رسول الله ﷺ يوما من الأيام فقام خطيبا، فقال :«سَلُونِي فإنّكُمْ لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْء إلاّ أنْبَأْتُكُمْ بِهِ » فقام إليه رجل من قريش من بني سَهْم يقال له عبد الله بن حُذَافة، وكان يُطعنَ فيه، قال : فقال يا رسول الله من أبي ؟ قال :«أبُوكَ فُلانٌ » فدعاه لأبيه فقام إليه عمر، فقبّل رجله وقال : يا رسول الله، رضينا بالله ربا، وبك نبيا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، فاعف عنا عفا الله عنك فلم يزل به حتى رضي، فيومئذ قال :«الوَلَدُ للفِرَاش وللعاهِرِ الحَجَرُ ».
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا قيس، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال : خرج رسول الله ﷺ وهو غضبان محمارّ وجههُ، حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل، فقال أين أبي ؟ قال :«في النّارِ » فقام آخر فقال : من أبي ؟ قال :«أبُوكَ حُذَافَةُ ». فقام عمر بن الخطاب فقال : رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا، وبالقرآن إماما، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك، والله يعلم من آباؤنا. قال : فسكن غضبه، ونزلت : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ".
وقال آخرون : نزلت هذه الاية على رسول الله ﷺ من أجل مسألة سائل سأله عن شيء في أمر الحجّ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا منصور بن وردان الأسديّ، قال : حدثنا عليّ بن عبد الأعلى، قال : لما نزلت هذه الاية :" وَللّهِ على النّاسِ حِجّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً " قالوا : يا رسول الله أفي كلّ عام ؟ فسكت، ثم قالوا : أفي كلّ عام ؟ فسكت، ثم قال :«لا، ولَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ » فأنزل الله هذه الاية : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ".
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عبد الرحمن بن سليمان، عن إبراهيم بن مسلم الهَجَريّ، عن ابن عياض، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ :«إنّ اللّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجّ » فقال رجل : أفي كلّ عام يا رسول الله ؟ فأعرض عنه، حتى عاد مرّتين أو ثلاثا، فقال :«مَنِ السّائِلُ ؟ » فقال فلان، فقال :«والذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْكُمْ ما أطَقْتُموه، وَلَوْ تَرَكْتُمُوهُ لَكَفَرْتمْ ». فأنزل الله هذه الاية : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " حتى ختم الاية.
حدثني محمد بن عليّ بن الحسين بن شقيق، قال سمعت أبي، قال : أخبرنا الحسين بن واقد، عن محمد بن زياد، قال : سمعت أبا هريرة يقول : خطبنا رسول الله ﷺ فقال :«يا أيّهَا النّاسُ، كَتَبَ اللّهُ عَلَيْكُمْ الحَجّ ». فقام محصن الأسديّ، فقال : أفي كلّ عام يا رسول الله ؟ فقال :«أمَا إنّي لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وَجَبَتْ ثُمّ تَرَكْتُمْ لَضَلَلْتُمْ. اسْكُتُوا عَنّى ما سَكَتّ عَنْكُمْ، فإنّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ على أنْبِيائِهمْ » فأنزل الله تعالى : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " إلى آخر الاية.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا الحسين وقد، عن محمد بن زيادة، قال : سمعت أبا هريرة يقول : خطبنا رسول الله ﷺ، فذكر مثله، إلا أنه قال : فقام عُكاشة ابنِ محْصَن الأسديّ.
حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان المصري، قال : حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أبي العمر، قال : حدثنا أبو مطيع معاوية بن يحيى، عن صفوان بن عمرو، قال : ثني سليم بن عامر، قال : سمعت أبا أمامة الباهلي يقول : قام رسول الله ﷺ في الناس فقال :«كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجّ » فقام رجل من الأعراب، فقال : أفي كل عام ؟ قال : فعلا كلام رسول الله ﷺ وأسكت وأغضب واستغضب. فمكث طويلاً ثم تكلم فقال : مَنِ السّائِلُ ؟ » فقال الأعرابيّ : أنا ذا، فقال :«وَيْحَكَ ماذَا يُؤْمِنُكَ أنْ أقُولَ نَعَمْ، وَلَوْ قُلْتُ نَعَمُ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَكَفَرْتُمْ ؟ ألا إنّهُ إنّمَا أهْلَكَ الّذِينَ قبْلَكُمْ أئِمّةُ الحَرَجِ، وَاللّهُ لَوْ أنّي أحْلَلْتُ لَكُمْ جَمِيعَ ما فِي الأرْضِ وَحَرّمْتُ عَلَيْكُمْ مِنْها مَوْضِعَ خُفّ لَوَقَعْتُمْ فِيهِ » قال : فأنزل الله تعالى عند ذلك " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ. . . " إلى آخر الاية.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا ت
ذكر أن هذه الآية أنزلت على رسول الله ﷺ بسبب مسائل كان يسألها إياه أقوام، امتحانا له أحيانا، واستهزاء أحيانا، فيقول له بعضهم : من أبي ؟ ويقول له بعضهم إذا ضلت ناقته : أين ناقتي ؟ فقال لهم تعالى ذكره : لا تسألوا عن أشياء من ذلك، كمسألة عبد الله بن حذافة إياه من أبوه، " إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " يقول : إن أبدينا لكم حقيقة ما تسألون عنه ساءكم إبداؤها وإظهارها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك تظاهرت الأخبار عن أصحاب رسول الله ﷺ. ذكر الرواية بذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا بعض بني نفيل، قال : حدثنا زهير بن معاوية، قال : حدثنا أبو الجويرية، قال : قال ابن عباس لأعرابي من بني سليم : هل تدري فيما أنزلت هذه الاية " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " ؟ حتى فرغ من الاية، فقال : كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء، فيقول الرجل : من أبي ؟ والرجل تضلّ ناقته فيقول : أين ناقتي ؟ فأنزل الله فيهم هذه الاية.
حدثني محمد بن المثنى، قال : حدثنا أبو عامر وأبو داود، قالا : حدثنا هشام، عن قتادة، عن أنس، قال : سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوه بالمسألة، فصعد المنبر ذات يوم، فقال :«لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إلاّ بَيّنْتُهُ لَكُمْ ». قال أنس : فجعلت أنظر يمينا وشمالاً، فأرى كلْ إنسان لافّا ثوبه يبكي فأنشأ رجل كان ذا لاحى يدعى إلى غير أبيه، فقال : يا رسول الله، من أبي ؟ فقال :«أبُوكَ حُذَافَةُ ». قال : فأنشأ عمر فقال : رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولاً، وأعوذ بالله من سوء الفتن فقال رسول الله ﷺ :«لَمْ أرَ فِي الشّرّ والخَيْرِ كاليَوْم قَطّ، إنّهُ صُوّرَتْ لِيَ الجَنّةُ وَالنّارُ حتى رأيْتُهُما وَرَاءَ الحائِطِ ». وكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الاية :" لا تَسأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ".
حدثني محمد بن معمر البحراني، قال : حدثنا روح بن عبادة، قال : حدثنا شعبة، قال : أخبرني موسى بن أنس، قال : سمعت أنسا يقول : قال رجل : يا رسول الله من أبي ؟ قال :«أبُوكَ فُلانٌ ». قال : فنزلت : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ".
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " قال : فحُدّثنا أن أنس بن مالك حدثهم : أن رسول الله ﷺ سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر، فقال :«لا تَسْأَلُونِي اليَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إلاّ بَيّنْتُهُ لَكُمْ » فأشفق أصحاب رسول الله ﷺ أن يكون بين يديه أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت يمينا ولا شمالاً إلاّ وجدت كلاًّ لافّاً رأسه في ثوبه يبكي. فأنشأ رجل كان يُلاحَى فيدعى إلى غير أبيه، فقال : يا نبيّ الله من أبي ؟ قال :«أبُوكَ حُذَافة ». قال : ثم قام عمر أو قال : فأنشأ عمر فقال : رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولاً عائذا بالله أو قال : أعوذ بالله من سوء الفتن. قال : وقال رسول الله ﷺ :«لَمْ أرَ فِي الخَيْرِ والشّرّ كاليَوْمِ قَطّ، صُوّرَتْ ليَ الجَنّةُ والنّارُ حتى رأيْتُهُما دُونَ الحائِطِ ».
حدثنا أحمد بن هشام وسفيان بن وكيع، قالا : حدثنا معاذ، قال : حدثنا ابن عون، قال : سألت عكرمة مولى ابن عباس عن قوله : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " قال : ذاك يوم قام فيهم النبي ﷺ، فقال :«لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إلاّ أخْبَرْتُكُمْ بِهِ » قال : فقام رجل، فكره المسلمون مقَامه يومئذ، فقال : يا رسول الله من أبي ؟ قال :«أبُوكَ حُذَافَة » قال : فنزلت هذه الاية.
حدثنا الحسين بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال : نزلت : " لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " في رجل قال : يا رسول الله من أبي ؟ قال :«أبُوك فلان ».
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني سفيان، عن معمر، عن قتادة، قال : سألوا النبي ﷺ حتى أكثروا عليه، فقام مغضبا خطيبا، فقال :" سَلُوني فَوَاللّهِ لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ ما دُمْتُ في مَقامي إلاّ حَدّثْتُكُمْ " فقام رجل فقال : من أبي ؟ قال :«أبُوكَ حُذَافَة » واشتدّ غضبه وقال :«سَلُونِي » فلما رأى الناس ذلك كثر بكاؤهم، فجثا عمر على ركبتيه فقال : رضينا بالله ربّا، قال معمر : قال الزهري : قال أنس مثل ذلك : فجثا عمر على ركبتيه، فقال : رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ رسولاً، فقال رسول الله ﷺ :«أمَا وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ صُوّرَتْ ليَ الجَنّةُ وَالنّارُ آنِفا فِي عَرْضِ هَذَا الحائِطِ، فَلَمْ أرَ كاليَوْمِ فِي الخَيْرِ والشّرّ ». قال الزهريّ : فقالت أمّ عبد الله بن حُذافة : ما رأيت ولدا أعقّ منك قطّ، أتأمن أن تكون أمك قارفت ما قارف أهل الجاهلية، فتفضحها على رؤوس الناس فقال : والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " قال : غضب رسول الله ﷺ يوما من الأيام فقام خطيبا، فقال :«سَلُونِي فإنّكُمْ لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْء إلاّ أنْبَأْتُكُمْ بِهِ » فقام إليه رجل من قريش من بني سَهْم يقال له عبد الله بن حُذَافة، وكان يُطعنَ فيه، قال : فقال يا رسول الله من أبي ؟ قال :«أبُوكَ فُلانٌ » فدعاه لأبيه فقام إليه عمر، فقبّل رجله وقال : يا رسول الله، رضينا بالله ربا، وبك نبيا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، فاعف عنا عفا الله عنك فلم يزل به حتى رضي، فيومئذ قال :«الوَلَدُ للفِرَاش وللعاهِرِ الحَجَرُ ».
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا قيس، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال : خرج رسول الله ﷺ وهو غضبان محمارّ وجههُ، حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل، فقال أين أبي ؟ قال :«في النّارِ » فقام آخر فقال : من أبي ؟ قال :«أبُوكَ حُذَافَةُ ». فقام عمر بن الخطاب فقال : رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا، وبالقرآن إماما، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك، والله يعلم من آباؤنا. قال : فسكن غضبه، ونزلت : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ".
وقال آخرون : نزلت هذه الاية على رسول الله ﷺ من أجل مسألة سائل سأله عن شيء في أمر الحجّ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا منصور بن وردان الأسديّ، قال : حدثنا عليّ بن عبد الأعلى، قال : لما نزلت هذه الاية :" وَللّهِ على النّاسِ حِجّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً " قالوا : يا رسول الله أفي كلّ عام ؟ فسكت، ثم قالوا : أفي كلّ عام ؟ فسكت، ثم قال :«لا، ولَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ » فأنزل الله هذه الاية : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ".
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عبد الرحمن بن سليمان، عن إبراهيم بن مسلم الهَجَريّ، عن ابن عياض، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ :«إنّ اللّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجّ » فقال رجل : أفي كلّ عام يا رسول الله ؟ فأعرض عنه، حتى عاد مرّتين أو ثلاثا، فقال :«مَنِ السّائِلُ ؟ » فقال فلان، فقال :«والذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْكُمْ ما أطَقْتُموه، وَلَوْ تَرَكْتُمُوهُ لَكَفَرْتمْ ». فأنزل الله هذه الاية : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " حتى ختم الاية.
حدثني محمد بن عليّ بن الحسين بن شقيق، قال سمعت أبي، قال : أخبرنا الحسين بن واقد، عن محمد بن زياد، قال : سمعت أبا هريرة يقول : خطبنا رسول الله ﷺ فقال :«يا أيّهَا النّاسُ، كَتَبَ اللّهُ عَلَيْكُمْ الحَجّ ». فقام محصن الأسديّ، فقال : أفي كلّ عام يا رسول الله ؟ فقال :«أمَا إنّي لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وَجَبَتْ ثُمّ تَرَكْتُمْ لَضَلَلْتُمْ. اسْكُتُوا عَنّى ما سَكَتّ عَنْكُمْ، فإنّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ على أنْبِيائِهمْ » فأنزل الله تعالى : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " إلى آخر الاية.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا الحسين وقد، عن محمد بن زيادة، قال : سمعت أبا هريرة يقول : خطبنا رسول الله ﷺ، فذكر مثله، إلا أنه قال : فقام عُكاشة ابنِ محْصَن الأسديّ.
حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان المصري، قال : حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أبي العمر، قال : حدثنا أبو مطيع معاوية بن يحيى، عن صفوان بن عمرو، قال : ثني سليم بن عامر، قال : سمعت أبا أمامة الباهلي يقول : قام رسول الله ﷺ في الناس فقال :«كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجّ » فقام رجل من الأعراب، فقال : أفي كل عام ؟ قال : فعلا كلام رسول الله ﷺ وأسكت وأغضب واستغضب. فمكث طويلاً ثم تكلم فقال : مَنِ السّائِلُ ؟ » فقال الأعرابيّ : أنا ذا، فقال :«وَيْحَكَ ماذَا يُؤْمِنُكَ أنْ أقُولَ نَعَمْ، وَلَوْ قُلْتُ نَعَمُ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَكَفَرْتُمْ ؟ ألا إنّهُ إنّمَا أهْلَكَ الّذِينَ قبْلَكُمْ أئِمّةُ الحَرَجِ، وَاللّهُ لَوْ أنّي أحْلَلْتُ لَكُمْ جَمِيعَ ما فِي الأرْضِ وَحَرّمْتُ عَلَيْكُمْ مِنْها مَوْضِعَ خُفّ لَوَقَعْتُمْ فِيهِ » قال : فأنزل الله تعالى عند ذلك " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ. . . " إلى آخر الاية.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا ت