جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلََكِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىَ اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾. .
يقول تعالى ذكره : ما بحر الله بحيرة، ولا سيب سائبة، ولا وصل وصيلة، ولا حمى حاميا، ولكنكم الذين فعلتم ذلك أيها الكفرة، فحرّمتموه افتراء على ربكم. كالذي :
حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال : ثني أبي وشعيب بن الليث، عن الليث، عن ابن الهاد : وحدثني يونس، قال : حدثنا عبد الله بن يوسف، قال : ثني الليث، قال : ثني ابن الهاد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«رأيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرٍ الخزَاعِيّ يَجُرّ قصبَهُ فِي النّارِ، وكانَ أوّلَ مَنْ سَيّبَ السّائِبَةَ ».
حدثنا هناد بن السريّ، قال : حدثنا يونس بن بكير، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، قال : ثني محمد بن إبراهيم بن الحرث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون :«يا أكْثَمُ، رأيْتُ عَمْرَو بنَ لُحَيّ بْنِ قَمَعَةَ بنِ خِنْدَفٍ يَجُرّ قُصْبَهُ فِي النّارِ، فَمَا رأيْتُ رَجْلاً أشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ بِهِ وَلا بِهِ مِنْكَ » فقال أكثم : أخشى أن يضرّني شبهه يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ :«لا، إنّكَ مُؤْمِنٌ وَهُوَ كافِرٌ، إنّهُ أوّلُ مَنْ غير دين إسماعيل وبحّر البحيرة، وسيب السائبة، وحمى الحامي ».
حدثنا هناد، قال : حدثنا يونس، قال : ثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله ﷺ قال :«قَدْ عَرَفْتُ أوّلَ مَنْ بَحّرَ البَحائِر رَجُلٌ مِنْ مُدْلِجٍ، كانَتْ لَهُ ناقَتانِ، فَجَدَعَ آذَانَهُما وَحَرّمَ ألْبانَهُما وظُهُورَهُما وقال : هاتانِ لِلّهِ، ثُمّ احْتاجَ إلَيْهما فَشَرِبَ ألْبانَهُما وَرَكِبَ ظُهُورَهُما » قالَ :«فَلَقَدْ رأيْتُهُ فِي النّارِ يُؤْذِي أهْلَ النّارِ رِيحُ قُصْبِهِ ».
حدثنا هناد، قال : حدثنا عبيدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ :«عُرِضَتْ عليّ النّارُ فَرأيْتُ فِيها عَمْرَو بْنَ فُلان ابْنِ فُلان ابْنِ خِنْدَفٍ يَجُرّ قُصْبَهُ فِي النّارِ، وَهُوَ أوّلُ مَنْ غَيّرَ دِينَ إبْرَاهِيمَ وَسَيّبَ السّائِبَةَ، وأشْبَهُ مَنْ رأيْتُ بِهِ أكْثَمُ بْنُ الجون ». فقال أكثم : يا رسول الله، أيضرّني شبهه ؟ قال :«لا، لأنّكَ مُسْلِمٌ، وَإنّهُ كافِرٌ ».
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجرّ قصبه في النار، وهو أوّل من سيب السوائب.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم، قال : قال رسول الله ﷺ :«إنّي لأَعْرِفُ أوّلَ مَنْ سَيّبَ السّوَائبَ وأوّلَ مَنْ غَيّرَ عَهْدَ إبْرَاهِيمَ » قالُوا : مَنْ هُوَ يا رَسُولَ اللّهِ ؟ قال :«عَمْرُو بْنُ لُحَي أخُو بَنِي كَعْبٍ، لَقَدْ رأيْتُهُ يَجُرّ قُصْبَهُ فِي النّارِ، يُؤْذِي رِيحُهُ أهْلَ النّارِ. وإنّي لأَعْرِفُ أوّلَ مَنْ بَحّرَ البَحائِرَ ». قالوا : من هو يا رسول الله ؟ قال :«رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ كانَتْ لَهُ ناقَتانِ، فَجَدَعَ آذَانَهُما وَحَرّمَ ألْبانَهُما، ثُمّ شَرِبَ ألْبانَهُما بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَقَدْ رأيْتُهُ فِي النّارِ هُوَ وهُمَا يَعضّانِهِ بأفْوَاهِهِما، ويَخْبِطانِهِ بأخفْافِهِما ».
والبحيرة : الفَعيلة، من قول القائل : بَحرتُ أذنَ هذه الناقة : إذا شقها، أبْحَرُها بحرا، والناقة مبحورة، ثم تصرف المفعولة إلى فعَيلة، فيقال : هي بحيرة. وأما البَحِرُ من الإبل : فهو الذي قد أصابه داء من كثرة شرب الماء، يقال منه : بَحِرَ البعير يبحرُ بَحَرا، ومنه قول الشاعر :
لأَعْلِطَنّكَ وَسَما لا تُفارِقُهُكما يُحَزّ بحُمّى المِيسَمِ البَحِرُ
وبنحو الذي قلنا في معنى البحيرة، جاء الخبر عن رسول الله ﷺ.
حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال : أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص، عن أبيه، قال : دخلت على النبيّ ﷺ، فقال النبيّ ﷺ :«أرأيْتَ إبِلَكَ ألَسْتَ تُنْتِجُها مُسَلّمَةً آذَانُها، فَتأْخُذُ المُوسَى فَتَجْدَعُها تَقُولُ هَذِهِ بَحِيرَةٌ، وَتَشُقّ آذَانَها تَقُولُ هَذِهِ حُرُمٌ ؟ » قال : نعم، قال :«فإنّ ساعِدَ اللّهِ أشَدّ، وَمُوسَى اللّهِ أحَدّ، كُلّ مالِكَ لَكَ حَلالٌ لا يُحَرّمُ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ ».
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال : سمعت أبا الأحوص، عن أبيه، قال أتيت رسول الله ﷺ فَقال :«هَلْ تُنْتِجُ إبِلُ قَوْمِكَ صِحَاحا آذَانُها فَتَعمِدُ إلى المُوسَى فَتَقْطَعُ آذَانَها فَتَقُولُ هَذِهِ بُحْرٌ، وَتَشُقّها أوْ تَشُقّ جُلُودَها فَتَقُولُ هَذِهِ حُرُمٌ، فَتُحَرّمُها عَلَيْكَ وَعلى أهْلِكَ ؟ » قال : نعم. قال :«فإنّ ما آتاكَ اللّهُ لَكَ حِلّ، وَساعِدُ اللّهُ أشَدّ، ومُوسَى اللّهِ أحَدّ » وربما قال :«سَاعِدُ الله أشَدّ مِنْ سَاعِدِكَ، ومُوسَى الله أحَدّ مِنْ مُوسَاكَ ».
وأما السائبة : فإنها المسيبة المخلاة، وكانت الجاهلية يفعل ذلك أحدهم ببعض مواشيه، فيحرم الانتفاع به على نفسه، كما كان بعض أهل الإسلام يعتق عبده سائبة فلا ينتفع به ولا بولائه. وأخرجت المسيبة بلفظ السائبة، كما قيل :«عِيشَة رَاضِيَة »، بمعنى : مرضية.
وأما الوصيلة، فإن الأنثى من نعمهم في الجاهلية كانت إذا أتأمت بطنا بذكر وأنثى، قيل : قد وصلت الأنثى أخاها، بدفعها عنه الذبح، فسموها وصيلة.
وأما الحامي : فإنه الفحل من النعم يحمى ظهره من الركوب، والانتفاع بسبب تتابع أولاد تحدث من فِحْلَته.
وقد اختلف أهل التأويل في صفات المسميات بهذه الأسماء وما السبب الذي من أجله كانت تفعل ذلك. ذكر الرواية بما قيل في ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي أن أبا صالح السمان، حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول : سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون الخزاعي :«يا أكْثَمُ رأيْتُ عَمْرَ بْنَ لُحَيّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدَفٍ يَجُرّ قُصْبَهُ فِي النّارِ، فَمَا رأيْتُ مِنْ رَجُلٍ أشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ بِهِ وَلا بِهِ مِنْكَ » فقال أكثم : أيضرّني شبهه يا نبيّ الله ؟ قال :«لا، لأنك مُؤْمِنٌ وَهُوَ كافِرٌ، وإنّهُ كانَ أوّلَ مَنْ غَيّرَ دِينَ إسْماعِيلَ وَنَصَبَ الأوْثانَ، وَسَيّبَ السّوَائِب فِيهِمْ ».
وذلك أن الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة إناثا ليس فيها ذكر سيبت، فلم يركب ظهرها ولم يجزّ وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف. فما نتجت بعد ذلك من أنثى شُقّ أذنها ثم خلي سبيلها مع أمها في الإبل، فلم يركب ظهرها ولم يجزّ وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف، كما فُعِل بأمها فهي البحيرة ابنة السائبة. والوصيلة : أن الشاة إذا نتجت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيهنّ ذكر جعلت وصيلة، قالوا : وصلت، فكان ما ولدت بعد ذلك لذكورهم دون إناثهم، إلا أن يموت منها شيء فيشتركون في أكله ذكورهم وإناثهم. والحامي : أن الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهنّ ذكر حُمِي ظهره، ولم يركب، ولم يجزّ وبره، ويخلى في إبله يضرب فيها، لا ينتفع به بغير ذلك. يقول الله تعالى ذكره : " ما جَعَلَ اللّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ. . . . " إلى قوله :" وَلاَ يهْتَدُونَ ".
حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق في هذه الآية :" ما جَعَلَ اللّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ " قال أبو جعفر : سقط عليّ فيما أظنّ كلام منه قال : فأتيت علقمة فسألته، فقال : ما تريد إلى شيء كانت تصنعه أهل الجاهلية ؟
حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال : حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن مسلم، قال : أتيت علقمة، فسألته عن قول الله تعالى : " ما جَعَلَ اللّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ " فقال : وما تصنع بهذا ؟ إنما هذا شيء من فعل الجاهلية، قال : فأتيت مسروقا، فسألته، فقال : البحيرة : كانت الناقة إذا ولدت بطنا خمسا أو سبعا، شقوا أذنها وقالوا : هذه بحيرة. قال : وَلا سائبَةٍ قال : كان الرجل يأخذ بعض ماله، فيقول : هذه سائبة. قال : وَلا وَصِيلَةٍ قال : كانوا إذا ولدت الناقة الذكر أكله الذكور دون الإناث، وإذا ولدت ذكرا وأنثى في بطن قالوا : وصلت أخاها، فلا يأكلونهما قال : فإذا مات الذكر، أكله الذكور دون الإناث. قال : ولا حام، قال : كان البعير إذا ولد وولد ولده، قالوا : قد قضى هذا الذي عليه، فلم ينتفعوا بظهره، قالوا : هذا حام.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، قال : سألت علقمة، عن قوله : " ما جَعَلَ اللّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ " قال : ما تصنع بهذا ؟ هذا شيء كان يفعله أهل الجاهلية.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن يمان ويحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص : " ما جَعَلَ اللّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ " قال : البحيرة : التي قد ولت خمسة أبطن ثم تركت.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن الشعبي : " ما جَعَلَ اللّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ " قال : البحيرة : المخضرمة. وَلا سائِبَةٍ والسائبة : ما سيب للهدي. والوصيلة : إذا ولدت بعد أربعة أبطن فيما يرى جرير ثم ولدت الخامس ذكرا وأنثى وصلت أخاها. والحام : الذي قد ضرب أولاد أولاده في الإبل.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبيّ بنحوه، إلا أنه قال : والوصيلة : التي ولدت بعد أربعة أبطن ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها. وسائر الحديث مثل حديث ابن حميد.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا إسحاق الأزرق، عن زكريا، عن الشعبي، أنه سئل عن البحيرة، فقال : هي التي تجدع آذانها. وسئل عن السائبة، فقال : كانوا يهدون لآلهتهم الإبل والغنم فيتركونها عند آلهتهم لتذبح، فتخلط بغنم الناس، فلا يشرب ألبانها إلا الرجال، فإذا مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى : " ما جَعَلَ اللّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ " وما معها : البحي

تفسير هذه الآية من كتب أخرى