تيسير التفسير — إبراهيم القطان

عن الكتاب
الشهادة: قول صادر عن علم حصل بالمشاهدة. ضربتم في الأرض: سافرتم. تحبسونهما: تمسكونهما وتمنعونهما من الهروب. ارتبتم: شككتم في صدقهما فيما يُقِرَّانِ به.
يرشدنا الله تعإلى هنا الى أداء الشهادة بحقها، بالوصية، حتى لا يضيع حق من الحقوق على أصحابها، فيقول:
يا أيها الذين آمنوا: حينما تظهر على احد منكم علامة الموت، ويريد ان يوصي بشيء، فالشهادة بينكم على الوصية: أن يشهد اثنان عادلان من اقاربكم، أو آخران من غيركم إذا كنتم في سفر. وعليكم ان تجمعوا هذين الشاهدين بعد أداء الصلاة التي يجتمع عليها الناس، فيحلفان بالله قائلين: لا نستبدل باليمين عِوضاً ولو كان فيه نفع لنا او لأحد من أقاربنا، ولا نخفي الشهادة التي أمرنا الله بأدائها.. فأذأ أخفينا الشهادة أو قلنا باطلاً حقَّ علينا عذابُ الله لأننا ظالمان.
فان ظهر فيما بعد ان الشاهدين قد كذبا في شهادتهما او اخفيا شيئا، فإن اثنين من اقرب المستحقين لتركة الميت، هما أحقُّ أن يقفا مكان الشاهدَين بعد الصلاة، ليحلفا بالله أن الشاهَدين قد كذبا، وأن ذينك الرجلين لم يتّهما الشاهدين زورا وبهتاناً، ولو فعلا فإنهما يكونان من الظالمين المستحقين عقاب من يظلم غيره.
ان هذا التشريع اقرب اطلب الى ضمان أن يؤدي الشهود شهاداتهم صحيحة، وذلك محافظة على حلفهم بالله، وخوفا من فضيحتهم بظهور كذبهم، حين يحلف الورثة لردِّ أيمانهم. راقبوا الله أيها المؤمنون في إيمانكم وأماناتكم، وأطيعوا إحكامه راضين بها، فان فيها مصالحكم، ولا تخاف لوها فتكونوا من الخارجين على الله، والمطرودين من هدايته، المستحقين لعاقبه.
روى القرطبي في تفسيره قال: كان تميم الداري وعديّ بن بَداء رجُلين نصرانيين يتّجران الى مكة في الجأهلية، فلما هاجر الرسول ﷺ حوّلا تجارتهما الى المدينة. فخرج بُدليل مولى عمرو بن العاص تاجراً حتى قدم المدينة، فخرجوا تجاراً الى الشام. حتى اذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بُديل، فكتب وصية بيده ثم دسها في متاعه وأوصى أليهما. فلما مات فتحا متاعه، فأخذا منه جاماً من فضة عليه خيوط من ذهب، وقدِما على أهله فدفعا اليهم متاعه. ففتح أهله متاعه فوجدوا كتابه وعهده. وفقدوا الجام فسألوهما عنه فقالوا: هذا الذي قبضنا منه، فقالوا: هذا كتابه بيده. قالوا: ما كتمنا له شيئا. فترافعوا الى النبي ﷺ، فنزلت الآية. فأمر رسول الله ان يستحلفوهما في دُبُر صلاة العصر. فحلفا، ثم بعد ذلك ظهر الجام معهما، فاقل اهل بُديل: هذا من متاعه، قالا: نعم، لكنّنا اشتريناه منه ونسينا ان نذكره حين حلفْنا فكرهْنا ان نكذّب نفوسنا. فترافعوا الى النبي ﷺ فنزلت الآية ﴿فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقآ إِثْماً﴾ فأمر النبي رجلَين من أهل الميت ان يحلفنا على ما كتما وغيّبا ويستحقانه.
قال تميم الداري: فلما أسملتُ، تأثّمت من ذلك، فأتيت أهل بُديل وأخبرتهم الخبر، وأديتُ اليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم ان عند صاحبي مثلها. فأتوا به إلى رسول الله، فسألهم النبيّنةَ، فلم يجدوا. فأمرَرَهم ان يستحلفوه بما يقطع به على أهل دينه. فحلَف، فأنزل الله تعالىّ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيات فقام عمرو بن العاص ورجلٌ آخر مهم فحلّفا، فنُزعت خمسمائةُ درهمٍ من يد عدي بن بداء.
وكان تميم يقول: صدق الله ورسوله، أنا أخدت الإناء. ثم قال: يا رسول الله، ان الله يُظهرك على أهل الأرض كلِّها فهَبْ لي قريةَ عَيْنون من بيت لحم. وهي القرية التي وُلد فيها عيسى، فكتب له بها كتاباً، فلمّا قدِم عمرَ الشامَ ِأتاه تميم بكتاب رسول الله. فقال عمر: أنا حاضِرٌ ذلك، فدفعها إليه.
قراءات:
قرأ حفص والكسائي «استحق» بفتح التاء الحاء، الباقون «استحق» بضم التاء وكسر الحاء، وقرأ حمزة وأبو بكر «الأوّلين» بفتح الواو المشدَّدة وفتح النون، والباقون «الأوليان» بالتثنية.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى