الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿أَوْ يَخَافُواْ﴾ في نصبه وجهان، أحدهما : أنه منصوب عطفاً على " يَأْتوا " وفي " أو " على هذا تأويلان، أحدُهما : أنها على بابِها من كونِها لأحدِ الشيئين، والمعنى : ذلك الحكمُ أقربُ إلى حصول الشهادة على ما ينبغي أو خوفِ رَدِّ الأيمان إلى غيرِهم فتسقطُ أَيْمانهم. والتأويلُ الآخر : أن تكونَ بمعنى الواو، أي : ذلك الحكم كله أقربُ إلى أَنْ يأتُوا، وأقربُ إلى أن يَخافوا، وهذا مفهومٌ من قول ابن عباس. الثاني من وجهي النصب : أنه منصوبٌ بإضمار " أَنْ " بعد " أو " ومعناها " إلا " كقولهم :" لألزمنَّك أو تقضيَني حَقِّي " تقديره : إلاَّ أَنْ تقضِيني، ف " أو " حرفُ عطفٍ على بابها، والفعلُ بعدَها منصوبٌ بإضمار " أَنْ " وجوباً، و " أَنْ " وما في حَيِّزها مؤولةٌ بمصدرٍ، ذلك المصدرُ معطوفٌ على مصدر متوهَّم من الفعل قبله، فمعنى : لألزمنَّك أو تقضيَني حقي : ليكوننَّ مني لزومٌ لك أو قضاؤك لحقي، وكذا المعنى هنا أي : ذلك أدنى بأن يأتوا بالشهادة على وجهها ؛ وإلاَّ خافوا ردَّ الأَيْمان، كذا قَدَّره ابن عطية بواوٍ قبل " إلا " وهو خلافٌ تقدير النحاة، فإنهم لا يقدِّرون " أو " إلا بلفظ " إلا " وحدها دون واو.
وكأن " إلا " في عبارته على ما فهمه الشيخ ليسَتْ " إلا " الاستثنائيةَ، بل أصلُها " إنْ " شرطيةً دَخَلَتْ على " لا " النافيةِ فأُدغمت فيها، فإنه قال :" أو تكون " أو " بمعنى " إلاَّ إنْ "، وهي التي عَبَّر عنها ابن عطية بتلك العبارةِ من تقديرِها بشرطٍ - محذوفٍ فعلُه - وجزاء انتهى. وفيه نظرٌ من وجهين، أحدُهما : أنه لم يَقُلْ بذلك أحدٌ، أعني كونَ " أو " بمعنى الشرط. والثاني : انه بعد أَنْ حَكَم عليها بأنها بمعنى " إلاَّ إنْ " جَعَلها بمعنى شرطٍ حُذِفَ فعلُه.
و ﴿أَن تُرَدَّ﴾ في محلِّ نصبٍ على المفعولِ به اي : أو يَخافُوا رَدَّ أَيْمانهم. و " بعد أَيْمانهم " إمَّا ظرفٌ ل " تُرَدَّ " أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنها صفةٌ ل " أَيْمان " وجُمِع الضميرُ في قولِه " يَأْتُوا " وما بعده وإنْ كان عائداً في المعنى على مثَّنى وهو الشاهدان، فقيل : هو عائدٌ على صنفي الشاهدين. وقيل : بل عائدٌ على الشهودِ من الناسِ كلِّهم، معناه : ذلك أَوْلى وأجدرُ أَنْ يحذرَ الناسُ الخيانةَ فيَتَحَرَّوا في شهادتِهم خوفَ الشناعةِ عليهم والفضحيةِ في رَدِّ اليمين على المُدَّعي. وقوله :﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ لم يذكرْ معلِّق التقوى : إمَّا للعلمِ به أي : واتقوا اللَّهَ في شهادتِكم وفي الموصِين عليهم بأن لا تَخْتَلِسوا لهم شيئاً ؛ لأن القصةَ كانت بهذا السببِ، وإمَّا قصداً لإِيقاعِ التقوى، فيتناولُ كلَّ ما يُتَّقى منه. وكذا مفعولُ " اسمعوا " إنْ شئتَ حذفتَه اقتصاراً أو اختصاراً أي : اسمعوا أوامَره ونواهَيه من الأحكام المتقدمة، وما أفصحَ ما جيء بهاتين الجملتين الأمريتين، فتباركَ اللَّهُ أصدقُ القائلين.
وكأن " إلا " في عبارته على ما فهمه الشيخ ليسَتْ " إلا " الاستثنائيةَ، بل أصلُها " إنْ " شرطيةً دَخَلَتْ على " لا " النافيةِ فأُدغمت فيها، فإنه قال :" أو تكون " أو " بمعنى " إلاَّ إنْ "، وهي التي عَبَّر عنها ابن عطية بتلك العبارةِ من تقديرِها بشرطٍ - محذوفٍ فعلُه - وجزاء انتهى. وفيه نظرٌ من وجهين، أحدُهما : أنه لم يَقُلْ بذلك أحدٌ، أعني كونَ " أو " بمعنى الشرط. والثاني : انه بعد أَنْ حَكَم عليها بأنها بمعنى " إلاَّ إنْ " جَعَلها بمعنى شرطٍ حُذِفَ فعلُه.
و ﴿أَن تُرَدَّ﴾ في محلِّ نصبٍ على المفعولِ به اي : أو يَخافُوا رَدَّ أَيْمانهم. و " بعد أَيْمانهم " إمَّا ظرفٌ ل " تُرَدَّ " أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنها صفةٌ ل " أَيْمان " وجُمِع الضميرُ في قولِه " يَأْتُوا " وما بعده وإنْ كان عائداً في المعنى على مثَّنى وهو الشاهدان، فقيل : هو عائدٌ على صنفي الشاهدين. وقيل : بل عائدٌ على الشهودِ من الناسِ كلِّهم، معناه : ذلك أَوْلى وأجدرُ أَنْ يحذرَ الناسُ الخيانةَ فيَتَحَرَّوا في شهادتِهم خوفَ الشناعةِ عليهم والفضحيةِ في رَدِّ اليمين على المُدَّعي. وقوله :﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ لم يذكرْ معلِّق التقوى : إمَّا للعلمِ به أي : واتقوا اللَّهَ في شهادتِكم وفي الموصِين عليهم بأن لا تَخْتَلِسوا لهم شيئاً ؛ لأن القصةَ كانت بهذا السببِ، وإمَّا قصداً لإِيقاعِ التقوى، فيتناولُ كلَّ ما يُتَّقى منه. وكذا مفعولُ " اسمعوا " إنْ شئتَ حذفتَه اقتصاراً أو اختصاراً أي : اسمعوا أوامَره ونواهَيه من الأحكام المتقدمة، وما أفصحَ ما جيء بهاتين الجملتين الأمريتين، فتباركَ اللَّهُ أصدقُ القائلين.