اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
من قال : إنهم كانُوا أنْبِيَاء، قال : المُرَادُ هذا الوَحْيُ الذي يُوحَى إلى الأنبياء، ومن قال : إنَّهُمْ ما كانوا أنْبِيَاء، قال : المُرَادُ بذلك : الوَحْيُ والإلْهَام، كقوله :﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧] وقوله :﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، وإنما ذُكِرَ هذا في مَعْرضِ تَعْدِيدِ النِّعَمِ ؛ لأنَّ صَيْرُورة الإنْسَان مقبُولَ القَوْل عِنْدَ النَّاسِ، محبوباً في قُلوبِهِم من أعْظَمِ نِعَمِ اللَّه - تبارك وتعالى - على الإنسان، وذكر - تبارك وتعالى - إنَّما ألْقَى ذلك الوحي في قلوبهم فآمَنُوا وأسْلَمُوا، وإنَّما قدَّم ذِكْرَ الإيمان على الإسْلام ؛ لأنَّ الإيمان صِفَةُ القَلْبِ والإسلام عبارةٌ عن الانْقِيادِ والخُضُوع في الظَّاهِرِ، يعني : آمَنُوا بِقُلُوبِهِم وانْقَادُوا بِظَواهِرِهِم.
فإن قيل : إنَّه تعالى ذكر في الآية :﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ [المائدة: ١١٠] أنَّ جميعَ ما ذكر اللَّهُ - تعالى - من النِّعَمِ مُخْتَصٌّ بعيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -، وليس لأمِّهِ بشيء منها تَعَلُّقٌ.
فالجوابُ : كُلّ ما حَصَلَ لِلْوَلَدِ من النِّعَمِ الجَلِيلَةِ، والدَّرَجَات العالِيةَ، فهو حَاصِلٌ للأمِّ على سبيلِ التضمّنِ والتَّبع، قال - تبارك وتعالى - :﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]، فجعلهما معاً آيَةً واحِدَةً ؛ لشِدَّةِ اتِّصَال كُلِّ واحدٍ مِنْهُما بالآخر.
رُوِي أنَّهُ - تعالى - لمَّا قال لعيسى :﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ [المائدة: ١١٠] من لِبْسِ الشَّعْرِ وأكْلِ الشَّجَرِ، لم يَدَّخِرْ شَيْئاً لِغَد، ويقول مع كل يومٍ رِزْقُهُ، ولم يَكُنْ له بَيْتٌ فَيُخَرَّب، ولا وَلدٌ فَيَمُوت، أيْنَمَا أمْسَى باتَ.
قوله تعالى :﴿أَنْ آمِنُواْ بِي﴾ : في " أنْ " وجهان :
أظهرهما : أنها تفسيرية ؛ لأنها وردت بعد ما هو بمعنى القولِ، لا حروفه.
والثاني : أنها مصدريَّةٌ بتأويلٍ متكلَّف، أي : أوْجَبْتُ إليهم الأمر بالإيمان، وهنا قالوا " آمَنَّا " ولم يُذْكَر المُؤمنُ به، وهناك ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] فذكره، والفرق أنَّ هناك تقدَّم ذكرُ الله تعالى فقط، فأُعيدَ المؤمَنُ به، فقيل :" بالله " وهنا ذُكِرَ شيئان قبل ذلك، وهما :﴿أَنْ آمنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾، فلم يُذْكَر ؛ ليشمل المذكورين، وفيه نظرٌ، وهنا قال " بأنَّنَا " وهناك قال " بِأنَّا " بحذف " نَا "، وقد تقدَّم غيره مرة : أنَّ هذا هو الأصل، وإنما جِيءَ هنا بالأصل ؛ لأنَّ المُؤمنَ به متعدِّدٌ، فناسَبَه التأكيد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى