معالم التنزيل — البغوي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿آمنا واشهد بأنا مسلمون إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك﴾ قرأ الكسائي :( هل تستطيع ) بالتاء.
( ربك ) بنصب الباء، وهو قراءة علي، وعائشة، وابن عباس ومجاهد، أي : هل تستطيع أن تدعو وتسأل ربك، وقرأ الآخرون :( يستطيع ) بالياء، و( ربك ) برفع الباء، ولم يقولوا شاكين في قدرة الله عز وجل، ولكن معناه : هل ينزل ربك أم لا ؟ كما يقول الرجل لصاحبه : هل تستطيع أن تنهض معي ؟ وهو يعلم أنه يستطيع، وإنما يريد هل يفعل ذلك أم لا ؟ وقيل : يستطيع بمعنى يطيع، يقال : أطاع، واستطاع، بمعنى واحد، كقوله : أجاب واستجاب، معناه : هل يعطيك ربك بإباحة سؤالك ؟ وفي الآثار : من أطاع الله أطاعه الله، وأجرى بعضهم على الظاهر، فقالوا : غلط القوم، وقالوا قبل استحكام المعرفة، وكانوا بشرا، فقال لهم عيسى عليه السلام عند الغلط، استعظاماً لقولهم :﴿اتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾ أي : لا تشكوا في قدرته.
قوله تعالى :﴿أن ينزل علينا مائدة من السماء﴾، المائدة الخوان الذي عليه الطعام، وهي فاعلة، من : ماده يميده إذا أعطاه وأطعمه، كقوله ماره يميره، وامتار : افتعل منه، والمائدة هي الطعمة للآكلين، وسمي الطعام، أيضاً مائدة على الجواز، لأنه يؤكل على المائدة، وقال أهل الكوفة : سميت مائدة لأنها تميد بالآكلين، أي تميل. وقال أهل البصرة : فاعلة، بمعنى المفعولة، يعني ميد بالآكلين إليها، كقوله تعالى ﴿عيشة راضية﴾ أي : مرضية.
قوله تعالى :﴿قال﴾، عيسى عليه السلام مجيباً لهم :﴿اتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾، فلا تشكوا في قدرته.
وقيل : اتقوا الله أن تسألوه شيئاً لم يسأله الأمم قبلكم، فنهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى