الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع﴾(١) الآية [ ١١٤ – ١١٥ ].
روي(٢) عن ابن عامر(٣) :( الحواريون ) بالتخفيف، استخفافا، والتشديد هو الأصل.
ومعنى الآية : أنهم سألوا ذلك ليثبتوا(٤) في صدقه(٥)، كما قال إبراهيم ﴿ربي أرني كيف تحيي الموتى﴾(٦).
وقيل : إنهم إنما سألوا ( هذا )(٧) قبل أن يعلموا أن عيسى يبرئ الأكمه، ويحيي الموتى، فسألوه آية(٨).
ومعنى :﴿هل يستطيع ربك أن ينزل﴾، أي : ينزل علينا ربك مائدة، كما تقول للرجل :( أتستطيع أن تنهض معي في كذا ؟ )، وأنت تعلم أنه مستطيع، وإنما تريد :( أتنهض معي في كذا ؟ )(٩).
وقيل : معناه : هل يستجيب لك ربك إن سألته ؟ (١٠).
وقال الحسن : المعنى : هل ربك فاعل ربنا ذلك ؟ (١١) والعرب تقول :( ما أستطيع ذلك )، أي : ما أنا فاعل ذلك، وهو يستطيع(١٢).
وقيل : إنهم سألوه قبل أن يكونوا مؤمنين محققين(١٣)، ثم آمنوا بعد ذلك، ودل على ذلك استعظام(١٤) عيسى لقولهم، وقوله لهم :﴿اتقوا الله إن كنتم مومنين﴾(١٥).
قال ابن شهاب : قال ابن عباس : قال عيسى لبني إسرائيل : هل لكم ان تصوموا لله ثلاثين يوما، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على من عمل له !، [ ففعلوا ثم قالوا : يا معلم الخير، قلت لنا(١٦) :( إن أجر العامل على من عمل له ) ](١٧)، وأمرتنا أن نصوم(١٨) ثلاثين يوما، ففعلنا، ولم نكن(١٩) نعمل لأحد ثلاثين يوما إلا أطعمنا(٢٠) – حين نفرغ – طعاما، فهل يستطيع ربك أن ينزّل / علينا مائدة من السماء ؟، فقال عيسى :﴿اتقوا الله أن كنتم مومنين﴾، فاعتذروا بقولهم :﴿نريد أن ناكل منها وتطمئن قلوبنا﴾(٢١) أي : بنبوتك(٢٢)، ونعلم صدقك، فأقبلت(٢٣) الملائكة تطير بمائدة من السماء، عليها سبعة ( أرغفة وسبعة أحوات )(٢٤) حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم(٢٥).
قال السدي المعنى :( هل يطيعك(٢٦) ربك إن سألته )(٢٧).
وقرأه الكسائي(٢٨) بالتاء(٢٩)، ونصب ( ربَّك )(٣٠)، ومعناها : أن الحواريين لم يكونوا شاكين، إنما قالوا لعيسى : هل تستطيع أنت ذلك ؟ (٣١).
قالت عائشة : كان الحواريون لا يشكون أن الله قادر على أن ينزل عليهم مائدة(٣٢).
( و )(٣٣) روي عنها أنها قالت : كان الحواريون أعرف بالله من أن يقولوا :﴿هل يستطيع ربك﴾(٣٤).
( و )(٣٥) تقدير قراءة الكسائي : هل تستطيع مسألة ربك أن ينزل علينا مائدة(٣٦).
والمائدة فاعلة، من ماد فلان القوم يميدهم : إذا أطعمهم(٣٧). قال أبو عبيدة :( مائدة ) من العطاء، وهي ( فاعلة ) بمعنى مفعولة(٣٨) وقال الزجاج(٣٩) :( مائدة : فاعلة من مادَ يميد(٤٠) : إذا تحرك(٤١) )(٤٢)، ومنه ماد الرجل في البحر : إذا دار رأسه(٤٣) وقيل : المائدة : المطعمة(٤٤)، كأنها الطاعمة(٤٥).
ومعنى قوله :﴿اتقوا الله﴾(٤٦) أي : اتقوه أن تنزل(٤٧) بكم(٤٨) عقوبة، فإن الله سبحانه لا يعجز عن شيء أراده، فلا تَشُكّوا في قدرته(٤٩) هذا على قراءة الجماعة(٥٠).
١ ب: يستطيع ربك. ج د: يستطيع ربك أن ينزل علينا..
٢ ب: وروي..
٣ الظاهر من الطمس في (أ) أنها كما أثبت ج د: عباس. وهو عبد الله بن عامر أحد القراء السبعة. أخذ عن أبي الدرداء. وروى عنه خلاد بن يزيد. توفي سنة ١١٨ هـ. انظر: طبقات ابن خياط ٣١١، والغاية ١/٤٢٣ – ٤٢٥..
٤ مطموسة في أ ب: ليتستوا..
٥ انظر: تفسير الطبري ١١/٢٢٤، وحجة ابن زنجلة ٢٤١..
٦ البقرة: ٢٥٩. وانظر: الكشف ١/٤٢٣..
٧ ساقطة من ج د..
٨ القولان في (معنى الآية) احتمالان لوجه (مسألة الحواريين عيسى المائدة) في معاني الزجاج ٢/٢٢١..
٩ انظر: معاني الأخفش ٤٨١٤، وتفسير الطبري ١١/٢١٩، وانظر: معاني الفراء ١/٣٢٥، وحجة ابن خالويه ١٣٥، وحجة ابن زنجلة ٢٤١، والكشف ١/٤٢٢..
١٠ انظر: تفسير الطبري ١١/٢١٩، وحجة ابن زنجلة ٢٤١..
١١ قال النحاس في إعرابه ١/٥٢٩: (أي هل يفعل ذلك؟)..
١٢ انظر: أحكام القرطبي ٦/٣٦٤ و٣٦٥..
١٣ ب ج د: محقين..
١٤ ب: استعصام..
١٥ انظر: تفسير الطبري ١١/٢٢٠..
١٦ ب: لما..
١٧ ساقطة من د..
١٨ ب: تصوم..
١٩ ب: تكن..
٢٠ مطموسة في أ ب: أطعنا..
٢١ كلها مطموسة إلا نادرا، مع بعض الخرم..
٢٢ المائدة: ١١٥..
٢٣ ب: نبوتك..
٢٤ ب: فاقبلنا..
٢٥ ب ج د: أحوات وسبعة أرغفة..
٢٦ انظر: تفسير الطبري ١١/٢٢٢..
٢٧ د: يستطيع..
٢٨ انظر: تفسير الطبري ١١/٢٢٢..
٢٩ (وحده) في السبعة ٢٤٩..
٣٠ د: بالتكاء..
٣١ (واللام مدغمة في التاء) أي: في ﴿هل يستيطع﴾. انظر: السبعة ٢٤٩، وانظر: قراءته في إعراب النحاس ١/٥٣٠، والمبسوط ١٨٩، والكشف ١/٤٢٢ حيث هي قراءة رسول الله وعلي بن أبي طالب أيضا..
٣٢ انظر: تفسير الطبري ١١/٢١٨ و٢١٩، وفي معاني الزجاج ٢/٢٢٠) فالمعنى: هل تستدعي إجابته وطاعته في أن ينزل علينا)، وانظر: الحجة على إيمان الحواريين في حجة ابن زنجلة ٢٤٠ و٢٤١..
٣٣ ساقطة من ج..
٣٤ انظر: حجة ابن زنجلة ٢٤١، والكشف ١/٤٢٢ وفيهما: (القوم أعلم) بدل (الحواريون أعرف)..
٣٥ ساقطة من ب..
٣٦ ج د: مائدة من السماء. وانظر: معاني الفراء ١/٣٢٥، ومعاني الأخفش ٤٨١، وتفسير الطبري ١١/٣١٨، وإعراب النحاس ١/٥٣٠، وانظر: حجة ابن خالويه ١٣٥، وحجة ابن زنجلة ٣٤١، والكشف ١/٤٢٢..
٣٧ انظر: تفسير الطبري ١١/٢٤٣..
٣٨ انظر: مجازه ١/١٨٢ و١٨٣، ونقله الزجاج في معانيه ٢/٢٢٠..
٣٩ هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد النحوي، من أهل العلم والأدب والدين. توفي سنة ٣١٦ هـ سلى خلاف في ذلك. انظر: الفهرست ٩٦ و٩٧، والوفيات ١/٤٩..
٤٠ ب: يميد..
٤١ د: نحرك..
٤٢ معانيه ٢/٢٢٠..
٤٣ ب: واسه. والمائد في البحر: (هو الذي يدار برأسه من ريح البحر واضطراب السفينة بالأمواج) انظر: اللسان: ميد..
٤٤ انظر: تفسير الطبري ١١/٢٢٣..
٤٥ انظر: التفسير الكبير ١٢/١٣٠، واللسان: ميد..
٤٦ ج د: الله إن كنتم مؤمنين..
٤٧ مطموسة في أ. د: ينزل..
٤٨ مطموسة في أ. ج د: عليكم..
٤٩ انظر: تفسير الطبري ١١/٢٢٣..
٥٠ في تفسير الطبري ١١/٢١٩: (وقرأ ذلك عامة قَرَأَة المدينة والعراق)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى