النكت والعيون — الماوردي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِذْ قَالَ الحوَارِيُّونَ يَا عيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَل يَسْتَطِيعُ(١) رَبُّكَ﴾، قرأ الكسائي وحده ﴿هل تستطيع ربَّك﴾ بالتاء والإِدغام(٢)، وربك بالنصب، وفيها وجهان :
أحدهما : معناه هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله، قاله الزجاج.
والثاني : هل تستطيع أن تسأل ربك، قاله مجاهد، وعائشة.
وقرأ الباقون ﴿هل يستطيع ربك﴾ بالياء والإِظهار، وفي ذلك التأويل ثلاثة أوجه :
أحدها : هل يقدر ربك، فكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله تعالى.
والثاني : معناه هل يفعل ربك، قاله الحسن، لأنهم سموا بالحواريين بعد إيمانهم.
والثالث : معناه هل يستجيب لك ربك ويطيعك.
﴿أَن يُنَزّلَ عَلَينَا مَآئِدَةً منَ السَّمَآءِ﴾ قاله السدي، قال قطرب : والمائدة لا تكون مائدة حتى يكون عليها طعام، فإن لم يكن قيل : خِوان، وفي تسميتها مائدة وجهان :
أحدهما : لأنها تميد ما عليها أي تعطي، قال رؤبة :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** إلى أمير المؤمنين الممتاد(٣) أي المستعطي.
والثاني : لحركتها بما عليها من قولهم : مَادَ الشيء إذا مال وتحرك، قال الشاعر :
لعلك باك إن تغنت حمامةيميد غصن(٤) من الأيك مائل
﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مؤْمِنِينَ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يعني اتقوا معاصي الله إن كنتم مؤمنين به، وإنما أمرهم بذلك لأنه أولى من سؤالهم.
والثاني : يعني اتقوا الله في سؤال الأنبياء إما طلباً لِعَنَتِهِم وإما استزادة للآيات منهم، إن كنتم مؤمنين بهم ومصدقين لهم لأن ما قامت به دلائل صدقهم يغنيكم عن استزادة الآيات منهم.
١ - الحواريون مؤمنون ولم يكن سؤالهم شكا في قدرة الله وإنما أرادوا علم اليقين كما قال إبراهيم "بلى ولكن ليطمئن قلبي"..
٢ - أي إدغام لأم: "هل" بالتاء من "تستطيع"..
٣ - الشطر الأول: تهدي رؤوس المترفين الأنداد.
٤ -الشطر الأول: تهدي رؤوس المترفين الأنداد..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى