معالم التنزيل — البغوي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾، فإن قيل : كيف طلب المغفرة لهم وهم كفار ؟ وكيف قال :﴿وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ وهذا لا يليق بسؤال المغفرة ؟ قيل : أما الأول فمعناه : إن تعذبهم بإقامتهم على كفرهم، وإن تغفر لهم بعد الإيمان، وهذا يستقيم على قول السدي : إن هذا السؤال قبل يوم القيامة، لأن الإيمان لا ينفع في القيامة. وقيل : هذا في فريقين منهم، معناه : إن تعذب من كفر منهم، وإن تغفر لمن آمن منهم. وقيل : ليس هذا على وجه طلب المغفرة، ولو كان كذلك لقال : أنت الغفور الرحيم، ولكنه على تسليم الأمر، وتفويضه إلى مراده.
وأما السؤال الثاني : فكان ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ ﴿وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم﴾، وكذلك هو في مصحفه، وأما على القراءة المعروفة قيل : فيه تقديم وتأخير تقديره : إن تغفر لهم فإنهم عبادك، وإن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم. وقيل معناه : إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز، في الملك، الحكيم في القضاء، لا ينقص من عزك شيء، ولا يخرج من حكمك، ويدخل في حكمته ومغفرته، وسعة رحمته ومغفرته الكفار، لكنه أخبر أنه لا يغفر وهو لا يخلف خبره. أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، ثنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم ابن الحجاج، حدثني يونس بن عبد الأعلى الصيرفي، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمر بن الحارث، أن بكر بن سوادة حدثه عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ تلا قول الله تعالى في إبراهيم :﴿رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني﴾، الآية. وقول عيسى عليه السلام :﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ فرفع يديه وقال : اللهم أمتي، وبكى، فقال الله : يا جبريل اذهب إلى محمد، -وربك أعلم- فسله، ما يبكيه ؟ فأتاه جبريل، فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال : فقال الله تعالى : يا جبريل اذهب إلى محمد فقل : إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى