فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿قَالَ الله هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ﴾ أي صدقهم في الدنيا، وقيل : في الآخرة، والأوّل أولى. قرأ نافع وابن محيصن ﴿يَوْم﴾ بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع، فوجه النصب أنه ظرف للقول : أي قال الله هذا القول يوم ينفع الصادقين، ووجه الرفع أنه خبر للمبتدأ هو وما أضيف إليه. وقال الكسائي نصب ﴿يَوْمَ﴾ هاهنا لأنه مضاف إلى الجملة، وأنشد :
على حين عاتبت المشيب على الصباوقلت ألمَّا أصحُ والشيبُ وازِعُ
وبه قال الزجاج، ولا يجيز البصريون ما قالاه إلا إذا أضيف الظرف إلى فعل ماض. وقرأ الأعمش :﴿هذا يَوْمٌ يَنفَعُ﴾ بتنوين يوم كما في قوله :﴿واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ فكلاهما مقطوع عن الإضافة بالتنوين. وقد تقدّم تفسير قوله :﴿لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً﴾. قوله :﴿رضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ أي رضي عنهم بما عملوه من الطاعات الخالصة له، ورضوا عنه بما جازاهم به مما لا يخطر لهم على بال ولا تتصوره عقولهم، والرضا منه سبحانه هو أرفع درجات النعيم، وأعلى منازل الكرامة، والإشارة بذلك إلى نيل ما نالوه من دخول الجنة والخلود فيها أبداً، ورضوان الله عليهم. والفوز : الظفر بالمطلوب على أتمّ الأحوال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية قال : يقول الله هذا يوم القيامة، ألا ترى أنه يقول :﴿هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ﴾. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السديّ قال : قال الله ذلك لما رفع عيسى إليه، وقالت النصارى ما قالت.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله :﴿أَنِ اعبدوا الله رَبّي وَرَبَّكُمْ﴾ قال : سيدي وسيدكم. وأخرج ابن المنذر، عنه في قوله :﴿كُنتَ أَنتَ الرقيب عَلَيْهِمْ﴾ قال : الحفيظ. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال : قال النبيّ ﷺ :﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ قال :«ما كنت فيهم». وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ يقول : عبيدك قد استوجبوا العذاب بمقالتهم ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي من تركت منهم ومدّ في عمره حتى أهبط من السماء إلى الأرض لقتل الدجال، فزالوا عن مقالتهم ووحدوك ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه في قوله :﴿هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ﴾ يقول : هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى