غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿ينزل﴾ من الإنزال : أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب ﴿شهادة﴾ بالتنوين ﴿آلله﴾ بالمد : روح وزيد. الباقون بالإضافة. «استحق» على البناء للفاعل : حفص والأعشى في اختياره الباقون على البناء للمفعول. ﴿الأولين﴾ جمع الأول نقيض الآخر. سهل ويعقوب وحمزة خلف وعاصم غير حفص والأعشى في اختياره الباقون ﴿الأوليان﴾ تثنية الأولى الأحق ﴿الغيوب﴾ بكسر الغين حيث كان : حمزة وحماد وأبو بكر غير الشموني والبرجمي والخزاعي عن ابن فليح في ﴿ساحر﴾ وكذلك في هود والصف : حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿سحر﴾ ﴿هل تستطيع﴾ بتاء الخطاب ﴿ربك﴾ بالنصب : علي والأعشى في اختياره، الباقون بالياء وبالرفع ﴿أن ينزل﴾ بالتخفيف من الإنزال : ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون بالتشديد ﴿منزلها﴾ بالتشديد : عاصم وأبو جعفر نافع وابن عامر. الباقون بالتخفيف ﴿فإني أعذبه﴾ بفتح ياء المتكلم : أبو جعفر ونافع ﴿وأمي﴾ بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿لي أن﴾ بالفتح : ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الباقون بالسكون ﴿يوم ينفع﴾ بفتح الميم : نافع. الباقون بالرفع.
الوقوف :﴿تسؤكم﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف. ﴿تبدلكم﴾ ط ﴿عنها﴾ ط ﴿حليم﴾ ه ﴿كافرين﴾ ه ﴿ولا حام﴾ لا للاستدراك. ﴿الكذب﴾ ط ﴿لا يعقلون﴾ ه ﴿آبائنا﴾ ط ﴿ولا يهتدون﴾ ه ﴿أنفسكم﴾ ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين ﴿إذا اهتديتم﴾ ط ﴿تعملون﴾ ه ﴿مصيبة الموت﴾ ط ﴿قربى﴾ ز لأن قوله ﴿ولا نكتم﴾ من جواب القسم. ﴿شهادة﴾ ط لمن قرأ ﴿آلله﴾ بالمد ﴿الآثمين﴾ ه ﴿وما اعتدينا﴾ ز لظاهر «إن» والوصل أجوز لتعلق «إذا» بقوله ﴿وما اعتدينا﴾ ز ﴿الظالمين﴾ ه ﴿أيمانهم﴾ ط لابتداء الأمر ﴿واسمعوا﴾ ط ﴿الفاسقين﴾ ه ﴿أجبتم﴾ ط ﴿لنا﴾ ط ﴿الغيوب﴾ ه ﴿والدتك﴾ لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير : واذكر إذا أيدتك ﴿وكهلاً﴾ ج ﴿والإنجيل﴾ ج ﴿والأبرص بإذني﴾ ج ﴿الموتى﴾ ج لأن «إذ» يجوز تعلقه تعلق به «إذ» الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم ﴿سحر مبين﴾ ه ﴿وبرسولي﴾ ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في ﴿إذ أوحيت﴾ ﴿مسلمون﴾ ﴿من السماء﴾ الأولى ط ﴿مؤمنين﴾ ه ﴿الشاهدين﴾ ه ﴿وآية منك﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿الرازقين﴾ ه ﴿عليكم﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿العالمين﴾ ه ﴿من دون الله﴾ ط ﴿ما ليس لي﴾ ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على ﴿بحق﴾ ﴿علمته﴾ ط ﴿نفسك﴾ ط ﴿الغيوب﴾ ه ﴿وربكم﴾ ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت ﴿فيهم﴾ ط لأن عامل «لما» متأخر وفاء التعقيب دخلتها ﴿عليهم﴾ ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء ﴿شهيد﴾ ه ﴿عبادك﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿الحكيم﴾ ه ﴿صدقهم﴾ ط لاختلاف الجملتين بلا عطف ﴿أبداً﴾ ط ﴿عنه﴾ ط ﴿العظيم﴾ ه ﴿وما فيهن﴾ ط ﴿قدير﴾ ه.
﴿ما فيهن﴾ لم يقل «ومن فيهن » ليكون أدل على العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء. واعلم أنه سبحانه افتتح السورة بقوله ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]
وهو الشريعة والبداية وختم السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة والنهاية، فما أحسن هذا النسق ! وأيضاً في السورة بيان الشرائع والأحكام الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن سبحانه مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف على أيّ وجه أراد، وليكون رداً على اليهود بحكم المالكية في نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد ﷺ، وليكون رداً على النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا. وأيضاً لما أخبر عن فناء وجودهم المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه ﴿لله ملك السموات والأرض﴾ كقوله ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار أضعاف ما عثرنا عليه والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله ﴿وكذلك نرى إبراهيم﴾ [الأنعام: ٧٥] ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ [النجم: ١٨] وقال ﷺ :«أرنا الأشياء كما هي» وقال الخضر لموسى عليه السلام ﴿فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء﴾ [الكهف: ٧٠] وقال موسى في الثالثة ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾ [الكهف: ٧٦] فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم. وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة ﴿وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن﴾ أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم. ﴿والله غفور﴾ لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال ﴿حليم﴾ لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال ﴿قد سألها قوم من قبلكم﴾ كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال ﴿ما جعل الله من بحيرة﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين : المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق حديد ويحلقون لحيتهم ﴿ولا سائبة﴾ هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ﴿ولا وصيلة﴾ هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ﴿ولا حام﴾ وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة. ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله﴾ من الأحكام ﴿وإلى الرسول﴾ لمتابعته ﴿قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا﴾ أي مشايخنا وأهل صحبتنا ﴿أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ولا يهتدون﴾ إلى الحقيقة. ﴿عليكم أنفسكم﴾ أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً ﴿إلى الله مرجعكم جميعاً﴾ فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية ﴿إذا حضر أحدكم الموت﴾ أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾ هما العقل والسر من الروحانيات، ﴿أو آخران﴾ من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات. فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب. ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض﴾ أي سافرتم في السفليات ﴿فأصابتكم مصيبة الموت﴾ أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت ﴿تحبسونهما﴾ إن كنتم في بعد من الروحانيات ﴿من بعد الصلاة﴾ من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً. ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثماً﴾ بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية ﴿فآخران﴾ من صفات القلب هما : التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني ﴿لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾ لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ. أن يأتوا بالشهادة على وجهها } أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة. ﴿ماذا أجبتم قالوا﴾ وهم مستغرقون في بحر الشهود. ﴿لا علم لنا﴾ أي ببواطن الأمور وحقائقها. ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين﴾ أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا. إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا ﴿يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك﴾ فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقولوا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته. ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى ﴿اللهم ربنا أنزل علينا مائدة﴾ الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية ﴿تكون لنا﴾ أي لأهل الحق والصدق ﴿عيداً﴾ نفرح بها ﴿لأولنا وآخرنا﴾ أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله ﴿وأنت خير الرازقين﴾ لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة. ﴿فمن يكفر بعد منكم﴾ بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال ﷺ «يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه» ﴿أأنت قلت للناس﴾ الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته سبحانه أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم ؟ ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾ الغيب ما غاب عن الخلق. ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.
التأويل : أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله ﴿وكذلك نرى إبراهيم﴾ [الأنعام: ٧٥] ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ [النجم: ١٨] وقال ﷺ :«أرنا الأشياء كما هي» وقال الخضر لموسى عليه السلام ﴿فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء﴾ [الكهف: ٧٠] وقال موسى في الثالثة ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾ [الكهف: ٧٦] فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم. وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة ﴿وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن﴾ أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم. ﴿والله غفور﴾ لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال ﴿حليم﴾ لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال ﴿قد سألها قوم من قبلكم﴾ كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال ﴿ما جعل الله من بحيرة﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين : المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق حديد ويحلقون لحيتهم ﴿ولا سائبة﴾ هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ﴿ولا وصيلة﴾ هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ﴿ولا حام﴾ وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة. ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله﴾ من الأحكام ﴿وإلى الرسول﴾ لمتابعته ﴿قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا﴾ أي مشايخنا وأهل صحبتنا ﴿أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ولا يهتدون﴾ إلى الحقيقة. ﴿عليكم أنفسكم﴾ أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً ﴿إلى الله مرجعكم جميعاً﴾ فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية ﴿إذا حضر أحدكم الموت﴾ أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾ هما العقل والسر من الروحانيات، ﴿أو آخران﴾ من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات. فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب. ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض﴾ أي سافرتم في السفليات ﴿فأصابتكم مصيبة الموت﴾ أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت ﴿تحبسونهما﴾ إن كنتم في بعد من الروحانيات ﴿من بعد الصلاة﴾ من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً. ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثماً﴾ بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية ﴿فآخران﴾ من صفات القلب هما : التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني ﴿لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾ لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ. أن يأتوا بالشهادة على وجهها } أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة. ﴿ماذا أجبتم قالوا﴾ وهم مستغرقون في بحر الشهود. ﴿لا علم لنا﴾ أي ببواطن الأمور وحقائقها. ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين﴾ أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا. إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا ﴿يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك﴾ فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقولوا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته. ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى ﴿اللهم ربنا أنزل علينا مائدة﴾ الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية ﴿تكون لنا﴾ أي لأهل الحق والصدق ﴿عيداً﴾ نفرح بها ﴿لأولنا وآخرنا﴾ أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله ﴿وأنت خير الرازقين﴾ لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة. ﴿فمن يكفر بعد منكم﴾ بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال ﷺ «يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه» ﴿أأنت قلت للناس﴾ الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته سبحانه أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم ؟ ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾ الغيب ما غاب عن الخلق. ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.
الوقوف :﴿تسؤكم﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف. ﴿تبدلكم﴾ ط ﴿عنها﴾ ط ﴿حليم﴾ ه ﴿كافرين﴾ ه ﴿ولا حام﴾ لا للاستدراك. ﴿الكذب﴾ ط ﴿لا يعقلون﴾ ه ﴿آبائنا﴾ ط ﴿ولا يهتدون﴾ ه ﴿أنفسكم﴾ ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين ﴿إذا اهتديتم﴾ ط ﴿تعملون﴾ ه ﴿مصيبة الموت﴾ ط ﴿قربى﴾ ز لأن قوله ﴿ولا نكتم﴾ من جواب القسم. ﴿شهادة﴾ ط لمن قرأ ﴿آلله﴾ بالمد ﴿الآثمين﴾ ه ﴿وما اعتدينا﴾ ز لظاهر «إن» والوصل أجوز لتعلق «إذا» بقوله ﴿وما اعتدينا﴾ ز ﴿الظالمين﴾ ه ﴿أيمانهم﴾ ط لابتداء الأمر ﴿واسمعوا﴾ ط ﴿الفاسقين﴾ ه ﴿أجبتم﴾ ط ﴿لنا﴾ ط ﴿الغيوب﴾ ه ﴿والدتك﴾ لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير : واذكر إذا أيدتك ﴿وكهلاً﴾ ج ﴿والإنجيل﴾ ج ﴿والأبرص بإذني﴾ ج ﴿الموتى﴾ ج لأن «إذ» يجوز تعلقه تعلق به «إذ» الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم ﴿سحر مبين﴾ ه ﴿وبرسولي﴾ ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في ﴿إذ أوحيت﴾ ﴿مسلمون﴾ ﴿من السماء﴾ الأولى ط ﴿مؤمنين﴾ ه ﴿الشاهدين﴾ ه ﴿وآية منك﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿الرازقين﴾ ه ﴿عليكم﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿العالمين﴾ ه ﴿من دون الله﴾ ط ﴿ما ليس لي﴾ ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على ﴿بحق﴾ ﴿علمته﴾ ط ﴿نفسك﴾ ط ﴿الغيوب﴾ ه ﴿وربكم﴾ ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت ﴿فيهم﴾ ط لأن عامل «لما» متأخر وفاء التعقيب دخلتها ﴿عليهم﴾ ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء ﴿شهيد﴾ ه ﴿عبادك﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿الحكيم﴾ ه ﴿صدقهم﴾ ط لاختلاف الجملتين بلا عطف ﴿أبداً﴾ ط ﴿عنه﴾ ط ﴿العظيم﴾ ه ﴿وما فيهن﴾ ط ﴿قدير﴾ ه.
﴿ما فيهن﴾ لم يقل «ومن فيهن » ليكون أدل على العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء. واعلم أنه سبحانه افتتح السورة بقوله ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]
وهو الشريعة والبداية وختم السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة والنهاية، فما أحسن هذا النسق ! وأيضاً في السورة بيان الشرائع والأحكام الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن سبحانه مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف على أيّ وجه أراد، وليكون رداً على اليهود بحكم المالكية في نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد ﷺ، وليكون رداً على النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا. وأيضاً لما أخبر عن فناء وجودهم المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه ﴿لله ملك السموات والأرض﴾ كقوله ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار أضعاف ما عثرنا عليه والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.
التأويل : أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله ﴿وكذلك نرى إبراهيم﴾ [الأنعام: ٧٥] ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ [النجم: ١٨] وقال ﷺ :«أرنا الأشياء كما هي» وقال الخضر لموسى عليه السلام ﴿فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء﴾ [الكهف: ٧٠] وقال موسى في الثالثة ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾ [الكهف: ٧٦] فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم. وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة ﴿وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن﴾ أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم. ﴿والله غفور﴾ لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال ﴿حليم﴾ لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال ﴿قد سألها قوم من قبلكم﴾ كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال ﴿ما جعل الله من بحيرة﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين : المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق حديد ويحلقون لحيتهم ﴿ولا سائبة﴾ هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ﴿ولا وصيلة﴾ هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ﴿ولا حام﴾ وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة. ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله﴾ من الأحكام ﴿وإلى الرسول﴾ لمتابعته ﴿قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا﴾ أي مشايخنا وأهل صحبتنا ﴿أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ولا يهتدون﴾ إلى الحقيقة. ﴿عليكم أنفسكم﴾ أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً ﴿إلى الله مرجعكم جميعاً﴾ فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية ﴿إذا حضر أحدكم الموت﴾ أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾ هما العقل والسر من الروحانيات، ﴿أو آخران﴾ من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات. فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب. ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض﴾ أي سافرتم في السفليات ﴿فأصابتكم مصيبة الموت﴾ أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت ﴿تحبسونهما﴾ إن كنتم في بعد من الروحانيات ﴿من بعد الصلاة﴾ من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً. ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثماً﴾ بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية ﴿فآخران﴾ من صفات القلب هما : التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني ﴿لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾ لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ. أن يأتوا بالشهادة على وجهها } أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة. ﴿ماذا أجبتم قالوا﴾ وهم مستغرقون في بحر الشهود. ﴿لا علم لنا﴾ أي ببواطن الأمور وحقائقها. ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين﴾ أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا. إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا ﴿يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك﴾ فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقولوا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته. ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى ﴿اللهم ربنا أنزل علينا مائدة﴾ الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية ﴿تكون لنا﴾ أي لأهل الحق والصدق ﴿عيداً﴾ نفرح بها ﴿لأولنا وآخرنا﴾ أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله ﴿وأنت خير الرازقين﴾ لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة. ﴿فمن يكفر بعد منكم﴾ بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال ﷺ «يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه» ﴿أأنت قلت للناس﴾ الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته سبحانه أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم ؟ ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾ الغيب ما غاب عن الخلق. ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.