اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾ الآية.
قد تقدَّم الكلامُ على نَظِيره.
قال القُرْطُبِي(١) : والمعنى : فبنقضهم ميثاقهم، و " مَا " زائدة للتَّوْكيد.
قال قتادةُ وغيرُه(٢) : وذلك أنَّها تؤكِّد الكلام بمعنى تمكنه في النَّفْس من جهة حسن النَّظْم، ومن جهة تَكْثِيرِه [ للتَّوْكِيد ](٣)، كقوله [ الوافر ]
. . . *** لِشَيْءٍ مَّا يُسَوَّدُ مَنْ يَسُودُ(٤)
وقيل : نَقْضُ الميثاق تكْذيبُ الرُّسل، وقيل(٥) : الأنْبِيَاء عليهم الصلاة والسلام، وقيل : كِتْمَانهم صفة مُحَمَّد ﷺ، وقيل : المَجْمُوع.
وقال عطاء :" لَعَنَّاهم " أبعدناهم من رحمتنا، وقال الحسن ومُقاتل : مسَخْنَاهم قِرَدة وخنازير. وقال ابن عبَّاس : ضربنا الجِزْية عَلَيْهِم(٦).
قوله تعالى :﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾.
قرأ الجمهور " قَاسِيَة " اسم فاعل من قَسَا يَقْسُو.
وقرأ(٧) الأخوان وهي قراءة عَبْد الله " قَسِيَّة " بفتح القاف وكَسْرِ السِّين وتشديد اليَاء، واختلف الناس في هذه القراءة.
فقال الفَارِسي : لَيْسَت من ألْفَاظِ العرب [ في الأصل ](٨)، وإنَّما هي كَلِمَةٌ أعْجَمِيَّةٌ معرَّبة، يعني أنها مأخوذَةٌ من قولهم : درهم قَسِيّ، أي : مَغْشُوش، شبَّه قلوبهم في كونها غير صَافِية من الكَدَرِ بالدَّراهم المَغْشوشة غير الخَالِصَة، وأنْشَدُوا قول أبي زُبَيْد :[ البسيط ]
وقول الآخر :[ الطويل ]
وقال الزَّمَخْشَرِي(١١)، وقرأ عبد الله " قسيَّة "، أي : رديئة مغشوشة من قولهم :" درهم قَسيّ "، وهو من القَسْوة ؛ لأن الذَّهَبَ والفضَّةَ الخالِصَيْن فيهما لين، والمغشوش فيه صلابةٌ ويُبْسٌ والقَاسِي والقاسِح بالحاء المهملة أخوان في الدَّلالة على اليُبْس.
وهذا القول سبقه إليه " المُبَرِّد "، فإنه قال :" يسمى الدِّرْهم المَغْشُوش قَسِيًّا لصلابته وشدَّتهِ للغِشِّ الذي فيه "، وهو يرجعُ للمعنى الأوَّل، والقاسِي والقَاسِح بمعنى واحد.
وعلى هذين القَولَيْن تكون اللَّفظة عَرَبيَّةً.
وقيل : بل هذه القِرَاءَةُ توافق قِراءَة الجَمَاعَة في المعنى والاشْتِقَاق ؛ لأنَّه " فَعِيل " للمُبَالغة ك " شاهد "، و " شهيد "، فكذلك قاسٍ وقَسِيّ، وإنما أنِّث على معنى الجماعةِ في المعنى والاشْتِقَاق.
وقرأ الهَيْصَم(١٢) بن شداخ :" قُسِيَّة " بضم القَافِ وتشديد اليَاء.
وقرئ (١٣) " قِسِيَّة " بكسر القاف إتْبَاعاً، وأصْلُ القراءَتَيْن :" قاسِوَة "، و " قَسِيوة " لأن الاشْتِقَاق من القَسْوة.
والمعنى أنَّ قلوبهم ليست بخالصة الإيمان، بل إيمانُهُم مشوبٌ بالكُفْرِ والنِّفَاق، وقيل : نائيةٌ عن قُبُول الحقِّ، مُنْصَرِفة عن الانقيادِ للدَّلائل.
وقالت المُعْتَزِلَة(١٤) : أخْبِرْنا عنها بأنَّها صارت قَاسِيَة، كما يُقَال : فلانٌ جعل فُلاناً قاسِياً وعدْلاً. ثم إنَّه تعالى ذكر بَعْضَ نتائج تلك القَسْوَة، فقال :﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ﴾ وهذا التَّحْرِيفُ هو تَبْدِيلُهم نعت النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم -، وقيل : التَّأويل البَاطل.
والجملة من قوله :" يُحَرِّفُونَ " فيها أرْبَعَةُ أوْجُه :
أحدها : أنَّها مستأنَفَةٌ بيان لِقَسْوة قُلُوبهم ؛ لأنَّه لا قَسْوَةَ أعظم من الافتراء(١٥) على اللَّه تعالى.
والثاني : أنَّها حَالٌ من مَفْعُول " لَعَنَّاهُمْ " أي : لَعَنَّاهم حال اتِّصافهم بالتَّحْريف.
والثالث : قال أبو البقاء(١٦) : أنَّها حال من الضَّمِير المسْتَتِر في " قَاسِيَة ".
وقال : ولا يجُوزُ أن يكون حَالاً من " القُلُوب " ؛ لأنَّ الضَّمير في " يُحَرِّفُون " لا يرجع إلى " القُلُوب "، وفي هذا نَظَرٌ من حيث جواز أن يكون حَالاً من الضَّمِير في " قَاسِيَة "، يَلزَمُهُ أن يُجوِّزَ أن يكون حَالاً من " القُلُوبِ "، لأنَّ الضَّمير المستتر في " قَاسِيَة " يعود على " القُلُوبِ "، فكما يمتَنِعُ أن يكون حالاً من ظاهره(١٧) [ يمتنع أن يكون حالاً من ضميره ](١٨)، وكأنَّ المانع الذي توهمه كون الضَّمير وهو الواو في " يُحَرِّفُون " إنَّما يعُود على اليَهُودِ بِجُمْلَتِهِم لا على قُلُوبهم خاصَّةً، فإن القُلُوب لا تحرَّف، إنما يُحرَّف أصْحَابُ القُلوب، وهذا لازِمٌ له في تجويزه الحالِيَّة من الضَّمِير في " قَاسِيَة ".
ولقائِل أن يَقُول : المراد ب " القُلُوب " نفس الأشْخَاص، وإنما عبَّر عنهم بالقُلُوب ؛ لأن هذه الأعضاء هي محلُّ التَّحْريف، أي : إنَّه صَادِرٌ عَنْها بتَفَكُّرِها فيه، فيجُوزُ على هذا أن يكُون حَالاً من " القُلُوب ".
والرابع : أن يكون حالاً من " هم " في " قُلُوبِهم ".
قال أبو البَقَاء(١٩) : وهو ضعيف يعني : لأنَّ الحال من المُضَاف إليه لا تَجُوزُ، وغيره يجوِّزُ ذلك في مثل هذا الموضع ؛ لأن المُضافَ بَعْضُ المُضَافِ إليه.
وقرأ الجمهور بفتح الكاف(٢٠) وكَسْرِ اللاَّم، وهو جمع " كَلِمَة ".
وقرأ(٢١) أبو رجاء " الكِلْم " بكَسْرِ الكَافِ وسُكُون اللاَّم، وهو تَخْفيفُ قِرَاءة الجَمَاعَة، وأصْلُها أنَّه كَسَرَ الكاف إتْبَاعاً، ثم سكن العَيْنَ تَخْفِيفاً.
وقرأ السُّلمي(٢٢) والنَّخْعي :" الكَلاَم " بالألِف، و " عَنْ مَوَاضِعهِ " وتقدَّم مثله في " النِّسَاء " [النساء: ٤٦].
قوله تعالى :﴿وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾.
قال ابن عباسٍ(٢٣) : تركوا نَصِيباً ممَّا أمِرُوا بِهِ من الإيمَان بِمُحَمَّد - عليه الصلاة والسلام -.
قوله - سبحانه - :﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾.
في " خَائِنَةٍ " [ ثَلاثةُ أوْجُه ](٢٤) :
أحدها : أنَّها اسم فاعل، والهاء لِلْمُبَالغة ك " راوية وعلاَّمة [ ونسَّابة ](٢٥) "، أي : على شخص خائن.
قال الشَّاعر :[ الكامل ]
الثاني : أن التَّاء للتَّأنيث، وأنِّث على معنى : طائفة أو فرقة أو نفس أو فَعْلة خائنة.
قال ابن عبَّاسٍ :" على خَائِنَةٍ "، أي : على مَعْصِية، وكانت خِيَانَتُهُم نقض العَهْدِ، ومظاهرتُهمْ المُشْرِكين على حَرْبِ رسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - وهَمّهم بِقَتْلِهِ وسمه ونحوها من الخِيَانَاتِ الَّتي ظَهَرَتْ منهم.
الثالث : أنها بمعنى المَصْدَرِ ك " العافِيَة والعَاقِبَة(٢٧) والكاذِبَة واللاغية والواقِيَة "، قال تعالى :﴿فَأُهْلِكُواْ بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] أي : بالطُّغيان، وقال :﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] أي كذب، وقال :﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] أي : لغواً.
وتقول العرب : سمعت رَاغِيَة الإبل، وثاغية الشاء، يعنون رُغَاءَها وثُغَاءَها.
قال الزَّجَّاج(٢٨) :[ ويقال ](٢٩) عافاه اللَّهُ عافِيَةً، ويؤيِّد هذا الوجْهُ قراءة الأعمش(٣٠) " على خِيَانَة " وأصل " خَائِنة " خاوِنَة وخِيَانة وخوانة [ لقولهم : تَخوَّنَ، وخَوَّان ](٣١) وهو [ أخْوَن، وإنما أُعِلاَّ إعلال " قائمة "، و " قيام " ](٣٢).
و " مِنْهُم " صفة ل " خَائِنة " إن أُرِيد بها الصِّفَة، وإن أُرِيد بها المَصْدر قُدِّر مضَاف، أي : من بَعْض خيَانَاتِهِم.
قوله تعالى :" إلاَّ قَلِيلاً " منصُوب على الاسْتِثْنَاء، وفي المُسْتَثْنَى منه أربَعَةُ أقْوال :
أظهرُهَا، أنَّه لفظ " خَائِنة "، وهُمَ الأشخاص المَذْكورُون في الجُمْلَةِ قَبْلَه، أي : لا تَزالُ تطَّلِع على مَنْ يَخُون منهم إلاَّ القليل، فإنَّه لا يَخُون فلا تَطلعْ عليه، وهم الذين أسْلَمُوا من أهْلِ الكِتَاب كعَبْدِ الله بن سلام وأصْحَابه.
قال أبُو البَقَاء(٣٣) :" ولو قُرئ بالجَرِّ على البَدَلِ لكان مُسْتَقِيماً "، يعني على البَدَل من " خَائِنَة "، فإنَّهُ في حيز(٣٤) كلامٍ غير مُوجب.
والثاني ذكره ابْنُ عطيَّة(٣٥) : أنَّهُ الفعل أي : لا تَزَالُ تَطَّلِعُ على فِعْلِ الخيانة إلا فَعْلاً قَلِيلاً، وهذا واضِحٌ إن أُريد بالخِيَانَة أنَّها صِفَةٌ لِلْفَعْلَةِ المقدَّرَة كما تقدَّم، ولكن يبْعد ما قاله ابنُ عطيَّة قوله بعده :" مِنْهُم "، وقد تقدَّم لَنَا نَظِيرُ ذلك في قوله :﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] من حَيْث جَوَّز الزَّمَخْشَرِيّ فيه أنْ يكون صِفَةً لمَصْدرٍ مَحْذُوفٍ.
الثالث : أنَّه " قُلُوبهُم " في قوله تعالى :﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، قال صاحب هذا القول : والمُرادُ بِهِمْ :" المُؤمِنُون ؛ لأنَّ القَسْوَة زالت عن قُلُوبِهِم "، وهذا بَعِيدٌ جدًّا ؛ لقوله :" لَعَنَّاهُمْ ".
الرابع : أنَّهُ الضَّمِير في " مِنْهُم " من(٣٦) قوله :﴿عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ قال مَكيّ(٣٧).
قوله [ تعالى ] :﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾.
قيل :" العَفْوُ " نُسِخَ بآية السَّيْف، وقيل : لَمْ يُنْسَخُ، وعلى هذا فيه وجهان :
أحدهما : معناه : فاعْفُ عن مُؤمنيهم، ولا تُؤاخِذْهُم بما سلَفَ منهم.
الثاني : أنَّا إن حملنا القَلِيل على الكُفَّار [ منهم الذين بَقُوا على الكُفْر ]، فالمعنى : أنَّ الله تعالى أمر رسوله بالعَفْوِ عنهم في صَغَائِر زَلاَّتِهِم ما داموا بَاقِين على العهد، وهو قَوْل أبِي مُسْلِم(٣٨).
ثم قال تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
قال ابنُ عبَّاسٍ : إذا عَفَوْت فأنْتَ مُحْسِنٌ، وإذا كنْتَ مُحْسناً فقد أحبَّك اللَّه(٣٩).
وقيل : المراد بهؤلاء المُحْسنين : هم المَعْنيّون بقوله تعالى :﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ وهمُ الذين ما نَقَضُوا الْعَهْد.
قد تقدَّم الكلامُ على نَظِيره.
قال القُرْطُبِي(١) : والمعنى : فبنقضهم ميثاقهم، و " مَا " زائدة للتَّوْكيد.
قال قتادةُ وغيرُه(٢) : وذلك أنَّها تؤكِّد الكلام بمعنى تمكنه في النَّفْس من جهة حسن النَّظْم، ومن جهة تَكْثِيرِه [ للتَّوْكِيد ](٣)، كقوله [ الوافر ]
. . . *** لِشَيْءٍ مَّا يُسَوَّدُ مَنْ يَسُودُ(٤)
وقيل : نَقْضُ الميثاق تكْذيبُ الرُّسل، وقيل(٥) : الأنْبِيَاء عليهم الصلاة والسلام، وقيل : كِتْمَانهم صفة مُحَمَّد ﷺ، وقيل : المَجْمُوع.
وقال عطاء :" لَعَنَّاهم " أبعدناهم من رحمتنا، وقال الحسن ومُقاتل : مسَخْنَاهم قِرَدة وخنازير. وقال ابن عبَّاس : ضربنا الجِزْية عَلَيْهِم(٦).
قوله تعالى :﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾.
قرأ الجمهور " قَاسِيَة " اسم فاعل من قَسَا يَقْسُو.
وقرأ(٧) الأخوان وهي قراءة عَبْد الله " قَسِيَّة " بفتح القاف وكَسْرِ السِّين وتشديد اليَاء، واختلف الناس في هذه القراءة.
فقال الفَارِسي : لَيْسَت من ألْفَاظِ العرب [ في الأصل ](٨)، وإنَّما هي كَلِمَةٌ أعْجَمِيَّةٌ معرَّبة، يعني أنها مأخوذَةٌ من قولهم : درهم قَسِيّ، أي : مَغْشُوش، شبَّه قلوبهم في كونها غير صَافِية من الكَدَرِ بالدَّراهم المَغْشوشة غير الخَالِصَة، وأنْشَدُوا قول أبي زُبَيْد :[ البسيط ]
| لها صَوَاهِلُ فِي صُمِّ السِّلامِ كَمَا | صَاحَ القَسِيَّاتُ في أيْدِي الصَّيَارِيفِ(٩) |
| وَمَا زَوَّدُونِي غَيْرَ سَحْقِ عمَامَةٍ | وَخَمْسِ مِىءٍ مِنْهَا قَسِيٌّ وَزَائِفُ(١٠) |
وهذا القول سبقه إليه " المُبَرِّد "، فإنه قال :" يسمى الدِّرْهم المَغْشُوش قَسِيًّا لصلابته وشدَّتهِ للغِشِّ الذي فيه "، وهو يرجعُ للمعنى الأوَّل، والقاسِي والقَاسِح بمعنى واحد.
وعلى هذين القَولَيْن تكون اللَّفظة عَرَبيَّةً.
وقيل : بل هذه القِرَاءَةُ توافق قِراءَة الجَمَاعَة في المعنى والاشْتِقَاق ؛ لأنَّه " فَعِيل " للمُبَالغة ك " شاهد "، و " شهيد "، فكذلك قاسٍ وقَسِيّ، وإنما أنِّث على معنى الجماعةِ في المعنى والاشْتِقَاق.
وقرأ الهَيْصَم(١٢) بن شداخ :" قُسِيَّة " بضم القَافِ وتشديد اليَاء.
وقرئ (١٣) " قِسِيَّة " بكسر القاف إتْبَاعاً، وأصْلُ القراءَتَيْن :" قاسِوَة "، و " قَسِيوة " لأن الاشْتِقَاق من القَسْوة.
فصل
والمعنى أنَّ قلوبهم ليست بخالصة الإيمان، بل إيمانُهُم مشوبٌ بالكُفْرِ والنِّفَاق، وقيل : نائيةٌ عن قُبُول الحقِّ، مُنْصَرِفة عن الانقيادِ للدَّلائل.
وقالت المُعْتَزِلَة(١٤) : أخْبِرْنا عنها بأنَّها صارت قَاسِيَة، كما يُقَال : فلانٌ جعل فُلاناً قاسِياً وعدْلاً. ثم إنَّه تعالى ذكر بَعْضَ نتائج تلك القَسْوَة، فقال :﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ﴾ وهذا التَّحْرِيفُ هو تَبْدِيلُهم نعت النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم -، وقيل : التَّأويل البَاطل.
والجملة من قوله :" يُحَرِّفُونَ " فيها أرْبَعَةُ أوْجُه :
أحدها : أنَّها مستأنَفَةٌ بيان لِقَسْوة قُلُوبهم ؛ لأنَّه لا قَسْوَةَ أعظم من الافتراء(١٥) على اللَّه تعالى.
والثاني : أنَّها حَالٌ من مَفْعُول " لَعَنَّاهُمْ " أي : لَعَنَّاهم حال اتِّصافهم بالتَّحْريف.
والثالث : قال أبو البقاء(١٦) : أنَّها حال من الضَّمِير المسْتَتِر في " قَاسِيَة ".
وقال : ولا يجُوزُ أن يكون حَالاً من " القُلُوب " ؛ لأنَّ الضَّمير في " يُحَرِّفُون " لا يرجع إلى " القُلُوب "، وفي هذا نَظَرٌ من حيث جواز أن يكون حَالاً من الضَّمِير في " قَاسِيَة "، يَلزَمُهُ أن يُجوِّزَ أن يكون حَالاً من " القُلُوبِ "، لأنَّ الضَّمير المستتر في " قَاسِيَة " يعود على " القُلُوبِ "، فكما يمتَنِعُ أن يكون حالاً من ظاهره(١٧) [ يمتنع أن يكون حالاً من ضميره ](١٨)، وكأنَّ المانع الذي توهمه كون الضَّمير وهو الواو في " يُحَرِّفُون " إنَّما يعُود على اليَهُودِ بِجُمْلَتِهِم لا على قُلُوبهم خاصَّةً، فإن القُلُوب لا تحرَّف، إنما يُحرَّف أصْحَابُ القُلوب، وهذا لازِمٌ له في تجويزه الحالِيَّة من الضَّمِير في " قَاسِيَة ".
ولقائِل أن يَقُول : المراد ب " القُلُوب " نفس الأشْخَاص، وإنما عبَّر عنهم بالقُلُوب ؛ لأن هذه الأعضاء هي محلُّ التَّحْريف، أي : إنَّه صَادِرٌ عَنْها بتَفَكُّرِها فيه، فيجُوزُ على هذا أن يكُون حَالاً من " القُلُوب ".
والرابع : أن يكون حالاً من " هم " في " قُلُوبِهم ".
قال أبو البَقَاء(١٩) : وهو ضعيف يعني : لأنَّ الحال من المُضَاف إليه لا تَجُوزُ، وغيره يجوِّزُ ذلك في مثل هذا الموضع ؛ لأن المُضافَ بَعْضُ المُضَافِ إليه.
وقرأ الجمهور بفتح الكاف(٢٠) وكَسْرِ اللاَّم، وهو جمع " كَلِمَة ".
وقرأ(٢١) أبو رجاء " الكِلْم " بكَسْرِ الكَافِ وسُكُون اللاَّم، وهو تَخْفيفُ قِرَاءة الجَمَاعَة، وأصْلُها أنَّه كَسَرَ الكاف إتْبَاعاً، ثم سكن العَيْنَ تَخْفِيفاً.
وقرأ السُّلمي(٢٢) والنَّخْعي :" الكَلاَم " بالألِف، و " عَنْ مَوَاضِعهِ " وتقدَّم مثله في " النِّسَاء " [النساء: ٤٦].
قوله تعالى :﴿وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾.
قال ابن عباسٍ(٢٣) : تركوا نَصِيباً ممَّا أمِرُوا بِهِ من الإيمَان بِمُحَمَّد - عليه الصلاة والسلام -.
قوله - سبحانه - :﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾.
في " خَائِنَةٍ " [ ثَلاثةُ أوْجُه ](٢٤) :
أحدها : أنَّها اسم فاعل، والهاء لِلْمُبَالغة ك " راوية وعلاَّمة [ ونسَّابة ](٢٥) "، أي : على شخص خائن.
قال الشَّاعر :[ الكامل ]
| حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالْوَفَاءِ وَلَمْ تَكُنْ | لِلْغَدْرِ خَائِنَةً مُغِلَّ الإصْبَعِ(٢٦) |
قال ابن عبَّاسٍ :" على خَائِنَةٍ "، أي : على مَعْصِية، وكانت خِيَانَتُهُم نقض العَهْدِ، ومظاهرتُهمْ المُشْرِكين على حَرْبِ رسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - وهَمّهم بِقَتْلِهِ وسمه ونحوها من الخِيَانَاتِ الَّتي ظَهَرَتْ منهم.
الثالث : أنها بمعنى المَصْدَرِ ك " العافِيَة والعَاقِبَة(٢٧) والكاذِبَة واللاغية والواقِيَة "، قال تعالى :﴿فَأُهْلِكُواْ بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] أي : بالطُّغيان، وقال :﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] أي كذب، وقال :﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] أي : لغواً.
وتقول العرب : سمعت رَاغِيَة الإبل، وثاغية الشاء، يعنون رُغَاءَها وثُغَاءَها.
قال الزَّجَّاج(٢٨) :[ ويقال ](٢٩) عافاه اللَّهُ عافِيَةً، ويؤيِّد هذا الوجْهُ قراءة الأعمش(٣٠) " على خِيَانَة " وأصل " خَائِنة " خاوِنَة وخِيَانة وخوانة [ لقولهم : تَخوَّنَ، وخَوَّان ](٣١) وهو [ أخْوَن، وإنما أُعِلاَّ إعلال " قائمة "، و " قيام " ](٣٢).
و " مِنْهُم " صفة ل " خَائِنة " إن أُرِيد بها الصِّفَة، وإن أُرِيد بها المَصْدر قُدِّر مضَاف، أي : من بَعْض خيَانَاتِهِم.
قوله تعالى :" إلاَّ قَلِيلاً " منصُوب على الاسْتِثْنَاء، وفي المُسْتَثْنَى منه أربَعَةُ أقْوال :
أظهرُهَا، أنَّه لفظ " خَائِنة "، وهُمَ الأشخاص المَذْكورُون في الجُمْلَةِ قَبْلَه، أي : لا تَزالُ تطَّلِع على مَنْ يَخُون منهم إلاَّ القليل، فإنَّه لا يَخُون فلا تَطلعْ عليه، وهم الذين أسْلَمُوا من أهْلِ الكِتَاب كعَبْدِ الله بن سلام وأصْحَابه.
قال أبُو البَقَاء(٣٣) :" ولو قُرئ بالجَرِّ على البَدَلِ لكان مُسْتَقِيماً "، يعني على البَدَل من " خَائِنَة "، فإنَّهُ في حيز(٣٤) كلامٍ غير مُوجب.
والثاني ذكره ابْنُ عطيَّة(٣٥) : أنَّهُ الفعل أي : لا تَزَالُ تَطَّلِعُ على فِعْلِ الخيانة إلا فَعْلاً قَلِيلاً، وهذا واضِحٌ إن أُريد بالخِيَانَة أنَّها صِفَةٌ لِلْفَعْلَةِ المقدَّرَة كما تقدَّم، ولكن يبْعد ما قاله ابنُ عطيَّة قوله بعده :" مِنْهُم "، وقد تقدَّم لَنَا نَظِيرُ ذلك في قوله :﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] من حَيْث جَوَّز الزَّمَخْشَرِيّ فيه أنْ يكون صِفَةً لمَصْدرٍ مَحْذُوفٍ.
الثالث : أنَّه " قُلُوبهُم " في قوله تعالى :﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، قال صاحب هذا القول : والمُرادُ بِهِمْ :" المُؤمِنُون ؛ لأنَّ القَسْوَة زالت عن قُلُوبِهِم "، وهذا بَعِيدٌ جدًّا ؛ لقوله :" لَعَنَّاهُمْ ".
الرابع : أنَّهُ الضَّمِير في " مِنْهُم " من(٣٦) قوله :﴿عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ قال مَكيّ(٣٧).
قوله [ تعالى ] :﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾.
قيل :" العَفْوُ " نُسِخَ بآية السَّيْف، وقيل : لَمْ يُنْسَخُ، وعلى هذا فيه وجهان :
أحدهما : معناه : فاعْفُ عن مُؤمنيهم، ولا تُؤاخِذْهُم بما سلَفَ منهم.
الثاني : أنَّا إن حملنا القَلِيل على الكُفَّار [ منهم الذين بَقُوا على الكُفْر ]، فالمعنى : أنَّ الله تعالى أمر رسوله بالعَفْوِ عنهم في صَغَائِر زَلاَّتِهِم ما داموا بَاقِين على العهد، وهو قَوْل أبِي مُسْلِم(٣٨).
ثم قال تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
قال ابنُ عبَّاسٍ : إذا عَفَوْت فأنْتَ مُحْسِنٌ، وإذا كنْتَ مُحْسناً فقد أحبَّك اللَّه(٣٩).
وقيل : المراد بهؤلاء المُحْسنين : هم المَعْنيّون بقوله تعالى :﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ وهمُ الذين ما نَقَضُوا الْعَهْد.
١ ينظر: تفسير القرطبي ٦/٧٦..
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ سقط في أ..
٤ ينظر: القرطبي ٦/٧٦..
٥ في ب: قتل..
٦ تقدمت هذه الآثار في سورة النساء وآل عمران..
٧ ينظر: الحجة ٣/٢١٦، وحجة القراءات ٢٢٣، وإعراب القراءات ١/١٤٤، والعنوان ٨٧، وشرج شعلة ٣٤٨، وشرح الطيبة ٤/٢٢٦، وإتحاف ١/٥٣١..
٨ سقط في أ..
٩ ينظر: المقرب (٣٠٦) وأمالي القالي(١/٢٨)، اللسان (صهل) الدر المصون ٢/٥٠٠..
١٠ البيت لمزرد بن ضرار. ينظر: ديوانه ص ٥٣، إصلاح المنطق ص ٣٠٠، تذكرة النحاة ص ١١٤ جمهرة اللغة ص ٨٢٢، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٣٦٤، الدر المصون ٢/٥٠٠..
١١ ينظر: الكشاف ١/٦١٥، والبحر المحيط ٣/٤٦١، والدر المصون ٢/٥٠١..
١٢ ينظر: البحر المحيط ٣/٤٦١. والدر المصون ٢/٥٠١..
١٣ ينظر: القراءة السابقة..
١٤ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٤٨..
١٥ في أ: الافتراض..
١٦ ينظر: الإملاء ١/٢١١..
١٧ في أ: ضميره..
١٨ سقط في أ..
١٩ ينظر: الإملاء ١/٢١١..
٢٠ في أ: السين..
٢١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٦٩، والبحر المحيط ٣/٤٦١، والدر المصون ٢/٥٠١..
٢٢ ينظر: القراءة السابقة..
٢٣ ينظر: الرازي ١١/١٤٨..
٢٤ سقط في أ..
٢٥ في ب: وتشابه..
٢٦ ينظر: اللسان(صبع)، الطبري ١٠/١٣٢، إصلاح المنطق ٢٩٥، الكشاف ١/٦١٦، الدر المصون ٢/٥٠١..
٢٧ في أ: الغائبة..
٢٨ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٤٨..
٢٩ سقط في أ..
٣٠ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٧٠، والبحر المحيط ٣/٤٦٢، والدر المصون ٢/٥٠١..
٣١ في أ: كقولهم: يجوز وجواز..
٣٢ في أ: أجوزه وأهل الإعلال قائمة وقيام..
٣٣ ينظر: الإملاء ١/٢١١..
٣٤ في أ: جره..
٣٥ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٦٩..
٣٦ في أ: في..
٣٧ ينظر: المشكل ١/٢٢٣..
٣٨ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٤٨..
٣٩ ذكره الرازي في "التفسير الكبير"(١١/١٤٨-١٤٩) عن ابن عباس..
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ سقط في أ..
٤ ينظر: القرطبي ٦/٧٦..
٥ في ب: قتل..
٦ تقدمت هذه الآثار في سورة النساء وآل عمران..
٧ ينظر: الحجة ٣/٢١٦، وحجة القراءات ٢٢٣، وإعراب القراءات ١/١٤٤، والعنوان ٨٧، وشرج شعلة ٣٤٨، وشرح الطيبة ٤/٢٢٦، وإتحاف ١/٥٣١..
٨ سقط في أ..
٩ ينظر: المقرب (٣٠٦) وأمالي القالي(١/٢٨)، اللسان (صهل) الدر المصون ٢/٥٠٠..
١٠ البيت لمزرد بن ضرار. ينظر: ديوانه ص ٥٣، إصلاح المنطق ص ٣٠٠، تذكرة النحاة ص ١١٤ جمهرة اللغة ص ٨٢٢، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٣٦٤، الدر المصون ٢/٥٠٠..
١١ ينظر: الكشاف ١/٦١٥، والبحر المحيط ٣/٤٦١، والدر المصون ٢/٥٠١..
١٢ ينظر: البحر المحيط ٣/٤٦١. والدر المصون ٢/٥٠١..
١٣ ينظر: القراءة السابقة..
١٤ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٤٨..
١٥ في أ: الافتراض..
١٦ ينظر: الإملاء ١/٢١١..
١٧ في أ: ضميره..
١٨ سقط في أ..
١٩ ينظر: الإملاء ١/٢١١..
٢٠ في أ: السين..
٢١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٦٩، والبحر المحيط ٣/٤٦١، والدر المصون ٢/٥٠١..
٢٢ ينظر: القراءة السابقة..
٢٣ ينظر: الرازي ١١/١٤٨..
٢٤ سقط في أ..
٢٥ في ب: وتشابه..
٢٦ ينظر: اللسان(صبع)، الطبري ١٠/١٣٢، إصلاح المنطق ٢٩٥، الكشاف ١/٦١٦، الدر المصون ٢/٥٠١..
٢٧ في أ: الغائبة..
٢٨ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٤٨..
٢٩ سقط في أ..
٣٠ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٧٠، والبحر المحيط ٣/٤٦٢، والدر المصون ٢/٥٠١..
٣١ في أ: كقولهم: يجوز وجواز..
٣٢ في أ: أجوزه وأهل الإعلال قائمة وقيام..
٣٣ ينظر: الإملاء ١/٢١١..
٣٤ في أ: جره..
٣٥ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٦٩..
٣٦ في أ: في..
٣٧ ينظر: المشكل ١/٢٢٣..
٣٨ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٤٨..
٣٩ ذكره الرازي في "التفسير الكبير"(١١/١٤٨-١٤٩) عن ابن عباس..