جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىَ لِقَوْمِهِ يا قوم اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مّلُوكاً وَآتَاكُمْ مّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مّن الْعَالَمِينَ﴾. .
وهذا أيضا من الله تعريف لنبيه محمد ﷺ قديم بتمادي هؤلاء اليهود في الغيّ وبعدهم عن الحقّ وسوء اختبارهم لأنفسهم وشدّة خلافهم لأنبيائهم وبطء إنابتهم إلى الرشاد، مع كثرة نعم الله عندهم وتتابع أياديه وآلائه عليه، مسليا بذلك نبيه محمدا ﷺ عما يحلّ به من علاجهم وينزل به من مقاساتهم في ذات الله. يقول الله له ﷺ : لا تأس على على ما أصابك منهم، فإن الذهاب عن الله والبعد من الحقّ وما فيه لهم الحظّ في الدنيا والآخرة من عاداتهم وعادات أسلافهم وأوائلهم، وتعزّ بما لاقى منهم أخوك موسى ﷺ، واذكر إذ قال موسى لهم : يا قَوْم اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ يقول : اذكروا أياديَ الله عندكم وآلاءه قِبَلكم. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة : اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ قال : أيادي الله عندكم وأيامه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ يقول : عافية الله.
وإنما أخترنا ما قلنا، لأن الله لم يخصص من النعم شيئا، بل عمّ ذلك بذكر النعم، فذلك على العافية وغيرها، إذ كانت العافية أحد معاني النعم.

القول في تأويل قوله تعالى : إذْ جَعَلَ فِيكُمْ أنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكا.


يعني بذلك جلّ ثناؤه، أن موسى ذكّر قومه من بني إسرائيل بأيام الله عندهم وبآلائه قِبَلهم، فحرّضهم بذلك على اتباع أمر الله في قتال الجبارين، فقال لهم : اذكروا نعمة الله عليكم أنْ فَضّلَكم بأن جعل فيكم أنبياء يأتونكم بوحيه ويخبرونكم بآياته الغيب، ولم يعط ذلك غيركم في زمانكم هذا. فقيل إن الأنبياء الذين ذكرهم موسى أنهم جُعِلوا فيهم هم الذين اختارهم موسى، إذ صار إلى الجبل وهم السبعون الذين ذكرهم الله، فقال : واخْتارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا.
وجَعَلَكُمْ مُلُوكا سخر لكم من غيركم خدّ ما يخدمونكم. وقيل : إنما قال ذلك لهم موسى، لأنه لم يكن في ذلك الزمان أحد سواهم يخدمه أحد من بني آدم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَإذْ قال مُوسَى لقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِيكُم أنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكا قال : كنا نحدّث أنهم أوّل من سخر لهم الخدم من بني آدم وملكوا.
وقال آخرون : كلّ من ملك بيتا وخادما وامرأة، فهو مَلِك كائنا من كان من الناس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرنا أبو هانىء، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل، فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين ؟ فقال له عبد الله : ألك امرأة تأوي إليها ؟ نعم. قال : ألك مسكن تسكنه ؟ قال : نعم. قال : فأنت من الأغنياء. فقال : إن لي خادما. قال : فأنت من الملوك.
حدثنا الزبير بن بكار، قال : حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، قال : سمعت زيد بن أسلم، يقول : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاٍ فلا أعلم إلاّ أنه قال : قال رسول الله ﷺ :«مَنْ كانَ لَهُ بَيْتٌ وَخادِمٌ فَهُوَ مَلِكٌ ».
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، أنه تلا هذه الآية : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكا فقال : وهل الملكِ إلاّ مركب وخادم ودار ؟
فقال قائلو هذه المقالة : إنما قال لهم موسى ذلك، لأنهم كانوا يملكون الدور والخدم، ولهم نساء وأزواج. ذكر من قال ذلك :
حدثنا سفيان بن وكيع وابن حميد، قالا : حدثنا جرير، عن منصور، قال : أراه عن الحكم : وَجَعَلَكمْ مُلُوكا قال : كانت بنو إسرائيل إذا كان للرجل منهم بيت وامرأة وخادم، عدّ ملكا.
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان. ح، وحدثنا سفيان، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن الحكم : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكا قال : الدار والمرأة والخادم. قال سفيان : أو اثنتين من الثلاثة.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن ابن عباس في قوله : وَجَعَلكُمْ مُلُوكا قال : البيت والخادم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن منصور، عن الحكم أو غيره، عن ابن عباس، في قوله : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكا قال : الزوجة والخادم والبيت.
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكا قال : جعل لكم أزواجا وخدما وبيوتا.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عليّ بن محمد الطنافسي، قال : حدثنا أبو معاوية، عن حجاج بن تميم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في قول الله : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكا قال : كان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزوجة والخادم والدار يسمى ملكا.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكا قال : ملّكهم الخدم. قال قتادة : كانوا أوّل من ملك الخدم.
حدثني الحرث بن محمد، قال : حدثنا عبد العزيز بن أبان، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكا قال : جعل لكم أزواجا وخدما وبيوتا.
وقال آخرون : إنما عنى بقوله : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكا أنهم يملكون أنفسهم وأهليهم وأموالهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكا يملك الرجل منكم نفسه وأهله وماله.

القول في تأويل قوله تعالى : وآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أحَدا مِنَ العالَمِينَ.


اختلف فيمن عنُوا بهذا الخطاب، فقال بعضهم : عُني به أمة محمد ﷺ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك وسعيد بن جبير : وآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أحَدا مِنَ العالَمِينَ قالا : أمة محمد ﷺ.
وقال آخرون : عُني به قوم موسى ﷺ. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : هم قوم موسى.
حدثني الحارث بن محمد، قال : حدثنا عبد العزيز بن أبان، قال : حدثنا سفيان عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس : وآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أحَدا مِنَ العالَمِينَ قال : هم بين ظهرانيه يومئذٍ.
ثم اختلفوا في الذي آتاهم الله ما لم يؤت أحد من العالمين، فقال بعضهم : هو المنّ والسلوى والحجر والغمام. ذكر من قال ذلك :
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد : وآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أحَدا مِنَ العالَمينَ قال : المنّ والسلوى والحجر والغمام.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أحَدا مِنَ العالَمِينَ يعني أهل ذلك الزمان، المنّ والسلوى والحجر والغمام.
وقال آخرون : هو الدار والخادم والزوجة. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا بشر بن السريّ، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس : وآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أحَدا مِنَ العالَمِينَ قال : الرجل يكون له الدار والخادم والزوجة.
حدثني الحرث. قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس : وآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أحَدا مِنَ العالَمِينَ المنّ والسلوى والحجر والغمام.
وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال : وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين، خطاب لبني إسرائيل، حيث جاء في سياق قوله : اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ ومعطوفا عليه. ولا دلالة في الكلام تدلّ على أن قوله : وآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أحَدا مِنَ العالَمِينَ مصروف عن خطاب الذين ابتدئ بخطابهم في أوّل الاَية. فإذا كان ذلك كذلك، فأن يكون خطابا لهم أولى من أن يقال : هو مصروف عنهم إلى غيرهم. فإن ظنّ ظانّ أن قوله : وآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أحَدا مِنَ العالَمِينَ لا يجوز أن يكون خطابا لبني إسرائيل، إذ كانت أمة محمد قد أوتيت من كرامة الله نبيها عليه الصلاة والسلام محمدا، ما لم يؤت أحدا غيرهم، وهم من العالمين فقد ظنّ غير الصواب، وذلك أن قوله : وآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أحَدا مِنَ العالَمِينَ خطاب من موسى ﷺ لقومه يومئذٍ، وعنى بذلك عالمي زمانه لا عالمي كلّ زمان، ولم يكن أُوتي في ذلك الزمان من نعم الله وكرامته ما أُوتي قومه ﷺ أحد من العالمين، فخرج الكلام منه ﷺ على ذلك لا على جميع كلّ زمان.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى