الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ : هذا الجارُّ والمجرور في محل رفعٍ صفةً ل " رجلان "، ومفعولُ " يخافون " محذوفٌ، تقديرُه : يخافون اللَّهَ أو يخافون العدوَّ، ولكن ثَبَّتهما الله تعالى بالإِيمان والثقة به حتى قالوا هذه المقالةَ، ويؤِّيد التقديرَ الأول التصريحُ بالمفعول في قراءة ابن مسعود :﴿يخافون الله﴾، وهذان التأويلانِ بناءً على ما هو المشهور عند الجمهور مِنْ كَوْنِ الرجلين القائلَيْن ذلك مِنْ قومَ موسى وهما يُوشع وكالب، وقيل : الرجلان من الجبارين، ولكن أنعم الله عليهما بالإِيمان حتى قالا هذه المقالة يُحَرِّضهم على قومهم لمعاداتهم لهم في الدين، وعلى هذا القول فيحتمل أن يكونَ مفعولُ " يخافون " كما تقدَّم، أي : يخافون الله أو العدو، والمعنى كما تقدَّم، ويحتمل أن يكون المفعول ضميراً عائداً على الموصول ويكونُ الضميرُ المرفوع في " يخافون " ضميرَ بني اسرائيل، والتقدير : من الذين يخافهم بنو اسرائيل، وأيَّد الزمخشري هذا التأويل بقراءة مَنْ قرأ " يُخافون " مبنياً للمفعول، وبقوله أيضاً :﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ فإنه قال :" وقراءةُ مَنْ قرأ " يُخافون " بالضم شاهدة له، ولذلك أنعم الله عليهما، كأنه قيل : مِنْ المُخَوَّفين " انتهى. والقراءة المذكورة مرويةٌ عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد، وأبدى الزمخشري أيضاً في هذه القراءةِ احتمالاً آخرَ وهو أن تكون من الإِخافة، ومعناه : من الذين يُخَوَّفُون من الله بالتذكرة والموعظةِ أو يُخَوِّفهم وعيدُ الله بالعقاب. وتحتملُ القراءةُ أيضاً وجهاً آخر : وهو أن يكونَ المعنى :" يُخافون " أي : يُهابون ويُوَقَّرون، ويُرْجَعُ إليهم لفضلِهم وخيرِهم، ومع هذين الاحتمالين الأخيرين فلا ترجيحَ في هذه القراءة لكونِ الرجيلن من الجبارين. وأما قوله : وكذلك " أنعم الله عليهما " أي : في كونه مرجِّحاً أيضاً لكونهما من الجبارين فغيرُ ظاهرٍ، لكون هذه الصفةِ مشتركةً بين يوشع وكالب وبين غيرِهما مِمَّن أنعمَ الله عليه.
قوله :﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ في هذه الجملةِ خمسةُ أوجه، أظهرهم : أنها صفةٌ ثانيةٌ فمحلُّها الرفعُ، وجِيء هنا بأفصحِ الاستعمالين من كون قَدَّم الوصفَ بالجارِّ على الوصف بالجملةِ لقُربه من المفرد. والثاني : أنها معترضةٌ، وهو أيضاً ظاهرٌ. الثالث : أنها حالٌ من الضمير في " يَخافون " قاله مكي. الرابع : أنها حالٌ من " رجلان " وجاءت الحالُ من النكرةِ لتخصُّصِها بالوصفِ. الخامس : أنها حالٌ من الضمير المستتر في الجارِّ والمجرورِّ، وهو " مِنَ الذين " لوقوعِه صفةً لموصوف، وإذا جَعَلْتَها حالاً فلا بُدَّ من إضمارِ " قد " مع الماضي على خلافٍ سلف في المسألة.
قوله :﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ في هذه الجملةِ خمسةُ أوجه، أظهرهم : أنها صفةٌ ثانيةٌ فمحلُّها الرفعُ، وجِيء هنا بأفصحِ الاستعمالين من كون قَدَّم الوصفَ بالجارِّ على الوصف بالجملةِ لقُربه من المفرد. والثاني : أنها معترضةٌ، وهو أيضاً ظاهرٌ. الثالث : أنها حالٌ من الضمير في " يَخافون " قاله مكي. الرابع : أنها حالٌ من " رجلان " وجاءت الحالُ من النكرةِ لتخصُّصِها بالوصفِ. الخامس : أنها حالٌ من الضمير المستتر في الجارِّ والمجرورِّ، وهو " مِنَ الذين " لوقوعِه صفةً لموصوف، وإذا جَعَلْتَها حالاً فلا بُدَّ من إضمارِ " قد " مع الماضي على خلافٍ سلف في المسألة.