المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد «يُخافون » بضم الياء، وقرأ الجمهور «يَخافون » بفتح الياء، وقال أكثر المفسرين : الرجلان يوشع بن نوف وهو ابن أخت موسى وكالب بن يوفنا، ويقال فيه كلاب، ويقال كالوث بثاء مثلثة ويقال في اسم أبيه يوفيا، وهو صهر «موسى » على أخته، قال الطبري : اسم زوجته مريم بنت عمران، ومعنى ﴿يخافون﴾ أي الله، وأنعم عليهما بالإيمان الصحيح وربط الجأش والثبوت في الحق، وقال قوم المعنى يخافون العدو لكن ﴿أنعم الله عليهما﴾ بالإيمان والثبوت مع خوفهما، ويقوي التأويل الأول أن في قراءة ابن مسعود :«قال رجلان من الذين يخافون الله أنعم عليهما ». وأما من قرأ بضم الياء فلقراءته ثلاثة معان، أحدها ما روي من أن الرجلين كانا من الجبارين آمنا بموسى واتبعاه، فكانا من القوم الذين يخافون لكن ﴿أنعم الله عليهما﴾ بالإيمان بموسى فقالا نحن أعلم بقومنا، والمعنى الثاني أنهما يوشع وكالوث لكنهما من الذين يوقرون ويسمع كلامهم ويهابون لتقواهم وفضلهم، فهم «يخافون » بهذا الوجه. والمعنى الثالث أن يكون الفعل من أخاف والمعنى من الذين ُيخافون بأوامر الله ونواهيه ووعيده وزجره، فيكون ذلك مدحاً لهم على نحو المدح في قوله تعالى :﴿أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى﴾(١) وقوله تعالى :﴿أنعم الله عليهما﴾ صفة للرجلين، والباب هو باب مدينة الجبارين فيما ذكر المفسرون والمعنى اجتهدوا وكافحوا حتى تدخلوا الباب، وقوله :﴿فإنكم غالبون﴾ ظن منهما ورجاء وقياس إنكم بذلك تفتون في أعضادهم ويقع الرعب في قلوبهم فتغلبونهم، وفي قراءة ابن مسعود «عليهما ويلكم ادخلوا » وقولهما :﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ يقتضي أنهما استرابا بإيمانهم حين رأياهم يعصون الرسول ويجبنون مع وعد الله تعالى لهم بالنصر.
١ - من الآية رقم (٣) من سورة (الحجرات)..