الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿بِالْحَقِّ﴾ : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها : أنه حال من فاعل " اتلُ " أي : اتلُ ذلك حالَ كونِك ملتبساً بالحق أي : بالصدق.
الثاني : أنه حالٌ من مفعولِه وهو " نبأ " أي : اتلُ نبأَهما ملتبساً بالصدق موافقاً لِما في كتب الأولين لتثبتَ عليهم الحجةُ برسالتك. الثالث : أنه صفةٌ لمصدرِ " اتلُ " أي : اتل ذلك تلاوةً ملتبسةً بالحقِّ والصدق، وكأنه اختيار الزمخشري إذ به بدأ، وعلى الأوجهِ الثلاثةِ فالباء للمصاحبة، وهي متعلقةٌ بمحذوفٍ. وقرأ أبو عمرو بسكون الميم من " آدم " قبل باءِ " بالحق "، وكذا كلُّ ميمٍ قبلها متحركٌ وبعدها باءٌ.
قوله :﴿إِذْ قَرَّبَا﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها - وبه بدأ الزمخشري وأبو البقاء - أن يكونَ متعلقاً بنفسِ النبأ، أي : قصتُهما وحديثهما في ذلك الوقتِ، وهذا واضحٌ. الثاني : أنه بدلٌ من " نبأ " على حذف مضافٍ تقديرُه : واتلُ عليهم النبأَ نبأَ ذلك الوقتِ، كذا قَدَّره الزمخشري. قال الشيخ :" ولا يجوزُ ما ذَكَر لأنَّ " إذ " لا يُضافُ إليهما إلا الزمانُ، و " نبأ " ليس بزمان. الثالث : ذكَره أبو البقاء - أنه حالٌ من " نبأ " وعلى هذا فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، لكن هذا الوجهَ غيرُ واضحٍ، قال أبو البقاء :" ولا يكونُ ظرفاً ل " اتلُ " قلت : لأنَّ الفعلَ مستقبل و " إذ " وقتٌ ماضٍ فيكف يتلاقيان ؟
والقُرْبان : فيه احتملان، احدُهما : وبه قال الزمخشري - أنه اسمٌ لِما يُتَقَرَّب به، قال :" كما أنَّ الحُلْوان اسم ما يُحَلِّي أو يُعْطي يقال :" قَرَّبَ صدقةً وتقرَّب بها " لأن " تقرَّب " مطاوعُ " قَرَّب " قال الأصمعي :" تَقَرَّبوا قِرْفَ القِمَع " فيُعَدَّى بالباء حتى يكون بمعنى قَرَّب " أي : فيكونُ قوله :﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً﴾ يَطْلُبُ مطاوعاً له، فالتقدير : إذ قَرَّباه فتقرَّبا به، وفيه بُعْدٌ. قال الشيخ :" وليس " تقرَّب بصدقة " مطاوع " قَرَّب صدقة " لاتحاد فاعلِ الفعلين، والمطاوعةُ يختلف فيها الفاعل يكونُ من أحدِهما فعلٌ ومن الآخر انفِعال نحو : كَسَرْتُه فانكسر وفَلَقْتُه فانقلق، فليس قَرَّب صدقته وتقرَّب بها من هذا الباب، فهو غلط فاحش ". وفيما قاله الشيخ نظرٌ، لأنَّا لا نسَلِّم هذه القاعدة. والاحتمال الثاني : أن يكونَ في الأصلِ مصدراً ثم أُطلق على الشيء المتقرَّب به كقولهم :" نَسْج اليمن " و " ضَرْب الأمير " ويؤيِّد ذلك أنه لم يُثَنَّ والموضعُ موضعُ تثنية ؛ لأنَّ كلاً من قابيل وهابيل له قُرْبان يَخُصُّه، فالأصلُ : إذ قَرَّبا قربانين وإنما لم يُثَنَّ لأنه مصدرٌ في الأصل. وللقائل بانه اسمُ ما يُتَقَرَّب [ به ] لا مصدرٌ أن يقولَ : إنما لم يُثَنَّ، .
لأنَّ المعنى - كما قاله أبو علي الفارسي - إذ قَرَّبَ كلُّ واحدٍ منهما قرباناً كقوله تعالى :﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] أي : كلَّ واحدٍ منهم.
وقوله :﴿قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ﴾ أي : قال الذي لم يُتَقَبَّلْ منه للمقبول منه. وقرأ الجمهور :" لأقتلنَّك " بالنون الشديدة. وهذا جوابُ قسم محذوف، وقرأه زيد بالخفيفة. قال : إنما يتقبَّل الله " مفعولُه محذوفٌ لدلالةِ المعنى عليه أي : قرابينَهم وأعمالَهم، ويجوز ألاَّ يُراد له مفعول كقوله :﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] هذه الجملة قال أبو محمد بن عطية :" قبلها كلامٌ محذوف، تقديره : لِمَ تَقْتُلني وأنا لم أَجْنِ شيئاً ولا ذنبَ لي في تقبُّل الله قرباني دونَ قربانِك ؟ " وذكَر كلاماً كثيراً. وقال غيرُه :" فيه حذْفٌ يَطُول " وذكرَ نحوه، ولا حاجة إلى تقدير ذلك كلِه، إذ المعاني المفهومةُ من فَحْوى الكلام إذا قُدِّرَتْ قصيرةً كان أحسنَ، والمعنى هنا : قال لأقلنك حسداً على تقبُّل قربانك فعرّض له بأنَّ سببَ التقبُّل التقوى. وقال الزمخشري :" فإنْ قلت : كيف كان قولُه :﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ جواباً لقوله :" لأقتلنَّك " ؟ قلت : لَمَّا كان الحَسَدُ لأخيه على تقبُّل قربانه هو الذي حَمَله على توعُّدِه بالقتل، قال : إنما أُتيت مِنْ قِبل نفسك لانسلاخِها من لباس التقوى " انتهى. وهذا ونحوه من تفسير المعنى لا الإِعراب. وقيل : إن هذه الجملةَ اعتراضٌ بين كلام القاتل وبين كلام المقتول. والضمير في " قال " إنما يعود على الله تعالى، أي : قال الله ذلك لرسوِله فيكونُ قد اعترضَ بقوله :﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ﴾ بين كلامِ قابيل وهو :" قال لأقتلنَّك " وبين كلامِ هابيل، وهو " لئن بَسَطْتَ " إلى آخره، وهو في غاية البُعْد لتنافِرِ النظم.
الثاني : أنه حالٌ من مفعولِه وهو " نبأ " أي : اتلُ نبأَهما ملتبساً بالصدق موافقاً لِما في كتب الأولين لتثبتَ عليهم الحجةُ برسالتك. الثالث : أنه صفةٌ لمصدرِ " اتلُ " أي : اتل ذلك تلاوةً ملتبسةً بالحقِّ والصدق، وكأنه اختيار الزمخشري إذ به بدأ، وعلى الأوجهِ الثلاثةِ فالباء للمصاحبة، وهي متعلقةٌ بمحذوفٍ. وقرأ أبو عمرو بسكون الميم من " آدم " قبل باءِ " بالحق "، وكذا كلُّ ميمٍ قبلها متحركٌ وبعدها باءٌ.
قوله :﴿إِذْ قَرَّبَا﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها - وبه بدأ الزمخشري وأبو البقاء - أن يكونَ متعلقاً بنفسِ النبأ، أي : قصتُهما وحديثهما في ذلك الوقتِ، وهذا واضحٌ. الثاني : أنه بدلٌ من " نبأ " على حذف مضافٍ تقديرُه : واتلُ عليهم النبأَ نبأَ ذلك الوقتِ، كذا قَدَّره الزمخشري. قال الشيخ :" ولا يجوزُ ما ذَكَر لأنَّ " إذ " لا يُضافُ إليهما إلا الزمانُ، و " نبأ " ليس بزمان. الثالث : ذكَره أبو البقاء - أنه حالٌ من " نبأ " وعلى هذا فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، لكن هذا الوجهَ غيرُ واضحٍ، قال أبو البقاء :" ولا يكونُ ظرفاً ل " اتلُ " قلت : لأنَّ الفعلَ مستقبل و " إذ " وقتٌ ماضٍ فيكف يتلاقيان ؟
والقُرْبان : فيه احتملان، احدُهما : وبه قال الزمخشري - أنه اسمٌ لِما يُتَقَرَّب به، قال :" كما أنَّ الحُلْوان اسم ما يُحَلِّي أو يُعْطي يقال :" قَرَّبَ صدقةً وتقرَّب بها " لأن " تقرَّب " مطاوعُ " قَرَّب " قال الأصمعي :" تَقَرَّبوا قِرْفَ القِمَع " فيُعَدَّى بالباء حتى يكون بمعنى قَرَّب " أي : فيكونُ قوله :﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً﴾ يَطْلُبُ مطاوعاً له، فالتقدير : إذ قَرَّباه فتقرَّبا به، وفيه بُعْدٌ. قال الشيخ :" وليس " تقرَّب بصدقة " مطاوع " قَرَّب صدقة " لاتحاد فاعلِ الفعلين، والمطاوعةُ يختلف فيها الفاعل يكونُ من أحدِهما فعلٌ ومن الآخر انفِعال نحو : كَسَرْتُه فانكسر وفَلَقْتُه فانقلق، فليس قَرَّب صدقته وتقرَّب بها من هذا الباب، فهو غلط فاحش ". وفيما قاله الشيخ نظرٌ، لأنَّا لا نسَلِّم هذه القاعدة. والاحتمال الثاني : أن يكونَ في الأصلِ مصدراً ثم أُطلق على الشيء المتقرَّب به كقولهم :" نَسْج اليمن " و " ضَرْب الأمير " ويؤيِّد ذلك أنه لم يُثَنَّ والموضعُ موضعُ تثنية ؛ لأنَّ كلاً من قابيل وهابيل له قُرْبان يَخُصُّه، فالأصلُ : إذ قَرَّبا قربانين وإنما لم يُثَنَّ لأنه مصدرٌ في الأصل. وللقائل بانه اسمُ ما يُتَقَرَّب [ به ] لا مصدرٌ أن يقولَ : إنما لم يُثَنَّ، .
لأنَّ المعنى - كما قاله أبو علي الفارسي - إذ قَرَّبَ كلُّ واحدٍ منهما قرباناً كقوله تعالى :﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] أي : كلَّ واحدٍ منهم.
وقوله :﴿قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ﴾ أي : قال الذي لم يُتَقَبَّلْ منه للمقبول منه. وقرأ الجمهور :" لأقتلنَّك " بالنون الشديدة. وهذا جوابُ قسم محذوف، وقرأه زيد بالخفيفة. قال : إنما يتقبَّل الله " مفعولُه محذوفٌ لدلالةِ المعنى عليه أي : قرابينَهم وأعمالَهم، ويجوز ألاَّ يُراد له مفعول كقوله :﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] هذه الجملة قال أبو محمد بن عطية :" قبلها كلامٌ محذوف، تقديره : لِمَ تَقْتُلني وأنا لم أَجْنِ شيئاً ولا ذنبَ لي في تقبُّل الله قرباني دونَ قربانِك ؟ " وذكَر كلاماً كثيراً. وقال غيرُه :" فيه حذْفٌ يَطُول " وذكرَ نحوه، ولا حاجة إلى تقدير ذلك كلِه، إذ المعاني المفهومةُ من فَحْوى الكلام إذا قُدِّرَتْ قصيرةً كان أحسنَ، والمعنى هنا : قال لأقلنك حسداً على تقبُّل قربانك فعرّض له بأنَّ سببَ التقبُّل التقوى. وقال الزمخشري :" فإنْ قلت : كيف كان قولُه :﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ جواباً لقوله :" لأقتلنَّك " ؟ قلت : لَمَّا كان الحَسَدُ لأخيه على تقبُّل قربانه هو الذي حَمَله على توعُّدِه بالقتل، قال : إنما أُتيت مِنْ قِبل نفسك لانسلاخِها من لباس التقوى " انتهى. وهذا ونحوه من تفسير المعنى لا الإِعراب. وقيل : إن هذه الجملةَ اعتراضٌ بين كلام القاتل وبين كلام المقتول. والضمير في " قال " إنما يعود على الله تعالى، أي : قال الله ذلك لرسوِله فيكونُ قد اعترضَ بقوله :﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ﴾ بين كلامِ قابيل وهو :" قال لأقتلنَّك " وبين كلامِ هابيل، وهو " لئن بَسَطْتَ " إلى آخره، وهو في غاية البُعْد لتنافِرِ النظم.