غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿لأقتلنك﴾ بالنون الخفيفة. روى المعدّل عن زيد ﴿يدي إليك﴾ بفتح ياء المتكلم : أبو جعفر ونافع. ﴿من أجل﴾ بكسر النون : يزيد وقرأ ورش بفتح النون موصولة ﴿رسلنا﴾ بسكون السين حيث كان : أبو عمرو.
الوقوف :﴿بالحق﴾ م على أن " إذ " معمول اذكر محذوفاً ولو وصل لأوهم أنه معمول ﴿اتل﴾ وهو محال ﴿من الآخر﴾ ط ﴿لأقتلنك﴾ ط ﴿المتقين﴾ ه ﴿لأقتلك﴾ ج لاحتمال إضمار اللام أو الفاء. ﴿العالمين﴾ ه ﴿النار﴾ ج لاختلاف الجملتين. ﴿الظالمين﴾ ه ج لأجل الفاء. ﴿الخاسرين﴾ ه ﴿سوأة أخيه﴾ ط ﴿أخي﴾ ج لطول ما اعترض من المعطوف والمعطوف عليه. ﴿النادمين﴾ ه ج ﴿من أجل ذلك﴾ ج كذلك لأنّ قوله :﴿من أجل﴾ يصلح أن يتعلق بـ ﴿أصبح﴾ وبـ ﴿كتبنا﴾. ﴿جميعاً﴾ في الموضعين ط. ﴿بالبينات﴾ ز لأنّ " ثم " لترتيب الأخبار. ﴿لمسرفون﴾ ه ﴿من الأرض﴾ ط ﴿عظيم﴾ ه ﴿لا عليهم﴾ ج لتناهي الاستثناء مع الجواب أي لا تعذب التائبين. ﴿فإنّ الله غفور رحيم﴾ ه ﴿تفلحون﴾ ه ﴿منهم﴾ ج لتناهي الشرط مع اتحاد المقصود من الكلام. ﴿أليم﴾ ه لاتحاد المقصود مع اختلاف الجملتين ﴿مقيم﴾ ه ﴿من الله﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿يتوب عليه﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ﴿لمن يشاء﴾ ط ﴿قدير﴾ ه.
التفسير : في النظم وجوه منها : أنه راجع إلى قوله :﴿إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾[المائدة: ١١] فكأنه تعالى ذكر لأجل تسلية نبيّه ﷺ قصصاً كثيرة كقصة النقباء وما انجرّ إليه الكلام من إصرار أهل الكتاب وتعنتهم بعد ظهور الدلائل القاطعة، ثم ختمها بقصة ابني آدم وأنّ أحدهما قتل الآخر حسداً وبغياً ليعلم أنّ الفضل كان محسوداً بكل أوان. ومنها أنه عائد إلى قوله :﴿يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب﴾[المائدة: ١٥] فإنّ هذه القصة وكيفية إيجاب القصاص بسببها كانت من أسرار التوراة. ومنها أنه من تمام قوله :﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾[المائدة: ١٨] أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينفع قابيل. والمراد اتل على الناس أو على أهل الكتاب خبر ابني آدم من صلبه - هابيل وقابيل - تلاوة ملتبسة بالحق والصحة من عند الله تعالى، أو ملتبسة بالصدق موافقة لما في التوراة والإنجيل أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد والتحذير من سوء عاقبة الحاسد. أو اتل عليهم وأنت محق صادق لا مبطل هازل كالأقاصيص التي لا غناء فيها ﴿إذ قربا﴾ قال في الكشاف : نصب بالنبا أي قصتهم في ذلك الوقت أبو بدل من النبا أي نبأ ذلك الوقت على حذف المضاف والمقصود إذ قرب كل واحد منهما قرباناً إلاّ أنه جمعهما في الفعل اتكالاً على قرينة الحكاية، أو لأنّ القربان في الأصل مصدر، ثم سمي به ما يتقرب به إلى الله تعالى من ذبيحة أو صدقة.
يروى أنّ آدم عليه السلام كان يولد له في كل سنة بطن غلام وجارية، فكان يزوّج البنت من بطن بالغلام من بطن آخر فولد قابيل وتوأمته إقليما وبعدهما هابيل وتوأمته لبودا. وكانت توأمه قابيل أحسن وأجمل فأراد آدم أن يزوّجها من هابيل فأبى قابيل وقال : أنا أحق بها وليس هذا من الله وإنما هو رأيك. فقال آدم لهما : قرّبا قرباناً فمن أيكما قبل قربانه زوّجتها منه. فقبل الله قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل سخطاً وقتل أخاه حسداً. هذا ما عليه أكثر المفسرين وأصحاب الأخبار. وقال الحسن والضحاك : إنهما ما كانا ابني آدم لصلبه وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل لقوله عزّ من قائل :﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل﴾ ومن البين أنّ صدور الذنب من أحد ابني آدم لا يصلح أن يكون سبباً لإيجاب القصاص على بني إسرائيل، وزيف بأنّ الآية تدل على أنّ القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب ولو كان من بني إسرائيل لم يخف عليه. قال مجاهد : أكل النار علامة الرد. وجمهور المفسرين على أنّ ذلك علامة القبول. وقيل : ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرّب إلى الله فكانت النار تنزل من السماء فتأكله. وإنما صار أحد القربانين مقبولاً والآخر مردوداً لأنّ حصول التقوى شرط في قبول الأعمال ولهذا قال تعالى حكاية عن المحق في جواب المبطل :﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ وذلك لأنه لما كان الحسد هو الذي حمله على توعده بالقتل فكأنه قال له : ما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على طاعة الله تعالى التي هي السبب في القبول ؟ قيل في هذه القصة : إنّ أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه وكان صاحب غنم، والآخر جعله أردأ ما كان معه وكان صاحب زرع. وقيل : إنه أضمر حين قرب أنه لا يزوّج أخته من هابيل سواء قبل أو لم يقبل. وقيل : لم يكن قابيل من أهل التقوى وفي الكلام حذف فكأن هابيل قال في جواب المتوعد : لم تقتلني ؟ قال : لأنّ قربانك صار مقبولاً. فقال هابيل : وما ذنبي إنما يتقبل الله من المتقين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : إن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية الحسن في نظر النفس فبه تميل إلى الدنيا ولذاتها.
وكان في نظر القلب أيضاً في غاية الحسن فبه يميل إلى طلب المولى، وكان العقل في نظر النفس في غاية القبح لأنها به تنزجر عن طلب الدنيا، وكذا في نظر القلب لأنه بالعقل يمتنع عن طلب الحق والفناء في الله ولهذا قيل : العقل عقيله الرجال، فحرم الله تعالى الازدواج بين التوأمين لأن الهوى إذا كان قرين النفس أنزلها أسفل سافلين الطبيعة، وإذا كان قرين القلب كان عشقاً فيوصله إلى أعلى فراديس القرب، وإذا كان العقل قرين القلب صار عقالاً له، وإذا كان قرين النفس حرضها على العبودية فرضي هابيل القلب وسخط قابيل النفس وكان صاحب زرع أي مدبر النفس النامية وهي القوّة النباتية، فقرب طعاماً من إردإ زرعه وهي القوّة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعياً لمواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية فقرب الصفة البهيمية وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية والشيطانية. فوضعا قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت فحملت الصفة البهيمية لأنها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان قابيل النفس شيئاً لأنها ليست من حطبها بل هي حطب نار الحيوانية ﴿فتبوء بإثمي وإثمك﴾ أي إثم وجودي وإثم وجودك، فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي. فقتل قابيل النفس هابيل القلب والنفس أعدى عدو القلب ﴿فأصبح من الخاسرين﴾ أما في الدنيا فبالحرمان عن الواردات والكشوف، وأما في الآخرة فبالبعد عن جنات الوصول ﴿فبعث الله غراباً﴾ هو الحرص في الدنيا ليشغل بذلك عن فعلتها. وفي تعليم الغراب إشارة إلى أنه تعالى قادر على تعليم العباد بأي طريق شاء فيزول تعجب الملائكة والرسل باختصاصهم بتعليم الخلق ﴿في الأرض لمسرفون﴾ أي في أرض البشرية ﴿إنما جزاء الذين يحاربون﴾ أولياء الله ﴿أن يقتلوا﴾ بسكين الخذلان ﴿أو يصلبوا﴾ بحبل الهجران على جذع الحرمان ﴿أو تقطع أيديهم﴾ عن أذيال الوصال ﴿وأرجلهم من خلاف﴾ عن الاختلاف ﴿أو ينفوا﴾ من أرض القربة والائتلاف ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾ جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء : في الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدو الخلقة وبه يخلص العبد من ظلمة الكفر، وفي التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية وبه الخلاص عن ظلمة المعاصي، وفي ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية وبه يخلص من ظلمه أوصاف الوجود، وفي الجهاد في سبيله وهو محو الأنانية في إثبات الهوية وبه يخلص من ظلمة أوصاف الوجود ويظفر بنور الشهود ﴿وما هم بخارجين منها﴾ لأنهم خلقوا مظاهر القهر ﴿السارق والسارقة﴾ كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور فكان تطاول أيديهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما عن قبول تلك السعادة. ﴿جزاء بما كسبا﴾ الآن في عالم الصورة ﴿نكالاً من الله﴾ تقديراً منه في الأزل.
القراءات :﴿لأقتلنك﴾ بالنون الخفيفة. روى المعدّل عن زيد ﴿يدي إليك﴾ بفتح ياء المتكلم : أبو جعفر ونافع. ﴿من أجل﴾ بكسر النون : يزيد وقرأ ورش بفتح النون موصولة ﴿رسلنا﴾ بسكون السين حيث كان : أبو عمرو.
الوقوف :﴿بالحق﴾ م على أن " إذ " معمول اذكر محذوفاً ولو وصل لأوهم أنه معمول ﴿اتل﴾ وهو محال ﴿من الآخر﴾ ط ﴿لأقتلنك﴾ ط ﴿المتقين﴾ ه ﴿لأقتلك﴾ ج لاحتمال إضمار اللام أو الفاء. ﴿العالمين﴾ ه ﴿النار﴾ ج لاختلاف الجملتين. ﴿الظالمين﴾ ه ج لأجل الفاء. ﴿الخاسرين﴾ ه ﴿سوأة أخيه﴾ ط ﴿أخي﴾ ج لطول ما اعترض من المعطوف والمعطوف عليه. ﴿النادمين﴾ ه ج ﴿من أجل ذلك﴾ ج كذلك لأنّ قوله :﴿من أجل﴾ يصلح أن يتعلق بـ ﴿أصبح﴾ وبـ ﴿كتبنا﴾. ﴿جميعاً﴾ في الموضعين ط. ﴿بالبينات﴾ ز لأنّ " ثم " لترتيب الأخبار. ﴿لمسرفون﴾ ه ﴿من الأرض﴾ ط ﴿عظيم﴾ ه ﴿لا عليهم﴾ ج لتناهي الاستثناء مع الجواب أي لا تعذب التائبين. ﴿فإنّ الله غفور رحيم﴾ ه ﴿تفلحون﴾ ه ﴿منهم﴾ ج لتناهي الشرط مع اتحاد المقصود من الكلام. ﴿أليم﴾ ه لاتحاد المقصود مع اختلاف الجملتين ﴿مقيم﴾ ه ﴿من الله﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿يتوب عليه﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ﴿لمن يشاء﴾ ط ﴿قدير﴾ ه.
الوقوف :﴿بالحق﴾ م على أن " إذ " معمول اذكر محذوفاً ولو وصل لأوهم أنه معمول ﴿اتل﴾ وهو محال ﴿من الآخر﴾ ط ﴿لأقتلنك﴾ ط ﴿المتقين﴾ ه ﴿لأقتلك﴾ ج لاحتمال إضمار اللام أو الفاء. ﴿العالمين﴾ ه ﴿النار﴾ ج لاختلاف الجملتين. ﴿الظالمين﴾ ه ج لأجل الفاء. ﴿الخاسرين﴾ ه ﴿سوأة أخيه﴾ ط ﴿أخي﴾ ج لطول ما اعترض من المعطوف والمعطوف عليه. ﴿النادمين﴾ ه ج ﴿من أجل ذلك﴾ ج كذلك لأنّ قوله :﴿من أجل﴾ يصلح أن يتعلق بـ ﴿أصبح﴾ وبـ ﴿كتبنا﴾. ﴿جميعاً﴾ في الموضعين ط. ﴿بالبينات﴾ ز لأنّ " ثم " لترتيب الأخبار. ﴿لمسرفون﴾ ه ﴿من الأرض﴾ ط ﴿عظيم﴾ ه ﴿لا عليهم﴾ ج لتناهي الاستثناء مع الجواب أي لا تعذب التائبين. ﴿فإنّ الله غفور رحيم﴾ ه ﴿تفلحون﴾ ه ﴿منهم﴾ ج لتناهي الشرط مع اتحاد المقصود من الكلام. ﴿أليم﴾ ه لاتحاد المقصود مع اختلاف الجملتين ﴿مقيم﴾ ه ﴿من الله﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿يتوب عليه﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ﴿لمن يشاء﴾ ط ﴿قدير﴾ ه.
التفسير : في النظم وجوه منها : أنه راجع إلى قوله :﴿إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾[المائدة: ١١] فكأنه تعالى ذكر لأجل تسلية نبيّه ﷺ قصصاً كثيرة كقصة النقباء وما انجرّ إليه الكلام من إصرار أهل الكتاب وتعنتهم بعد ظهور الدلائل القاطعة، ثم ختمها بقصة ابني آدم وأنّ أحدهما قتل الآخر حسداً وبغياً ليعلم أنّ الفضل كان محسوداً بكل أوان. ومنها أنه عائد إلى قوله :﴿يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب﴾[المائدة: ١٥] فإنّ هذه القصة وكيفية إيجاب القصاص بسببها كانت من أسرار التوراة. ومنها أنه من تمام قوله :﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾[المائدة: ١٨] أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينفع قابيل. والمراد اتل على الناس أو على أهل الكتاب خبر ابني آدم من صلبه - هابيل وقابيل - تلاوة ملتبسة بالحق والصحة من عند الله تعالى، أو ملتبسة بالصدق موافقة لما في التوراة والإنجيل أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد والتحذير من سوء عاقبة الحاسد. أو اتل عليهم وأنت محق صادق لا مبطل هازل كالأقاصيص التي لا غناء فيها ﴿إذ قربا﴾ قال في الكشاف : نصب بالنبا أي قصتهم في ذلك الوقت أبو بدل من النبا أي نبأ ذلك الوقت على حذف المضاف والمقصود إذ قرب كل واحد منهما قرباناً إلاّ أنه جمعهما في الفعل اتكالاً على قرينة الحكاية، أو لأنّ القربان في الأصل مصدر، ثم سمي به ما يتقرب به إلى الله تعالى من ذبيحة أو صدقة.
يروى أنّ آدم عليه السلام كان يولد له في كل سنة بطن غلام وجارية، فكان يزوّج البنت من بطن بالغلام من بطن آخر فولد قابيل وتوأمته إقليما وبعدهما هابيل وتوأمته لبودا. وكانت توأمه قابيل أحسن وأجمل فأراد آدم أن يزوّجها من هابيل فأبى قابيل وقال : أنا أحق بها وليس هذا من الله وإنما هو رأيك. فقال آدم لهما : قرّبا قرباناً فمن أيكما قبل قربانه زوّجتها منه. فقبل الله قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل سخطاً وقتل أخاه حسداً. هذا ما عليه أكثر المفسرين وأصحاب الأخبار. وقال الحسن والضحاك : إنهما ما كانا ابني آدم لصلبه وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل لقوله عزّ من قائل :﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل﴾ ومن البين أنّ صدور الذنب من أحد ابني آدم لا يصلح أن يكون سبباً لإيجاب القصاص على بني إسرائيل، وزيف بأنّ الآية تدل على أنّ القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب ولو كان من بني إسرائيل لم يخف عليه. قال مجاهد : أكل النار علامة الرد. وجمهور المفسرين على أنّ ذلك علامة القبول. وقيل : ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرّب إلى الله فكانت النار تنزل من السماء فتأكله. وإنما صار أحد القربانين مقبولاً والآخر مردوداً لأنّ حصول التقوى شرط في قبول الأعمال ولهذا قال تعالى حكاية عن المحق في جواب المبطل :﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ وذلك لأنه لما كان الحسد هو الذي حمله على توعده بالقتل فكأنه قال له : ما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على طاعة الله تعالى التي هي السبب في القبول ؟ قيل في هذه القصة : إنّ أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه وكان صاحب غنم، والآخر جعله أردأ ما كان معه وكان صاحب زرع. وقيل : إنه أضمر حين قرب أنه لا يزوّج أخته من هابيل سواء قبل أو لم يقبل. وقيل : لم يكن قابيل من أهل التقوى وفي الكلام حذف فكأن هابيل قال في جواب المتوعد : لم تقتلني ؟ قال : لأنّ قربانك صار مقبولاً. فقال هابيل : وما ذنبي إنما يتقبل الله من المتقين.
وكان في نظر القلب أيضاً في غاية الحسن فبه يميل إلى طلب المولى، وكان العقل في نظر النفس في غاية القبح لأنها به تنزجر عن طلب الدنيا، وكذا في نظر القلب لأنه بالعقل يمتنع عن طلب الحق والفناء في الله ولهذا قيل : العقل عقيله الرجال، فحرم الله تعالى الازدواج بين التوأمين لأن الهوى إذا كان قرين النفس أنزلها أسفل سافلين الطبيعة، وإذا كان قرين القلب كان عشقاً فيوصله إلى أعلى فراديس القرب، وإذا كان العقل قرين القلب صار عقالاً له، وإذا كان قرين النفس حرضها على العبودية فرضي هابيل القلب وسخط قابيل النفس وكان صاحب زرع أي مدبر النفس النامية وهي القوّة النباتية، فقرب طعاماً من إردإ زرعه وهي القوّة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعياً لمواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية فقرب الصفة البهيمية وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية والشيطانية. فوضعا قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت فحملت الصفة البهيمية لأنها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان قابيل النفس شيئاً لأنها ليست من حطبها بل هي حطب نار الحيوانية ﴿فتبوء بإثمي وإثمك﴾ أي إثم وجودي وإثم وجودك، فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي. فقتل قابيل النفس هابيل القلب والنفس أعدى عدو القلب ﴿فأصبح من الخاسرين﴾ أما في الدنيا فبالحرمان عن الواردات والكشوف، وأما في الآخرة فبالبعد عن جنات الوصول ﴿فبعث الله غراباً﴾ هو الحرص في الدنيا ليشغل بذلك عن فعلتها. وفي تعليم الغراب إشارة إلى أنه تعالى قادر على تعليم العباد بأي طريق شاء فيزول تعجب الملائكة والرسل باختصاصهم بتعليم الخلق ﴿في الأرض لمسرفون﴾ أي في أرض البشرية ﴿إنما جزاء الذين يحاربون﴾ أولياء الله ﴿أن يقتلوا﴾ بسكين الخذلان ﴿أو يصلبوا﴾ بحبل الهجران على جذع الحرمان ﴿أو تقطع أيديهم﴾ عن أذيال الوصال ﴿وأرجلهم من خلاف﴾ عن الاختلاف ﴿أو ينفوا﴾ من أرض القربة والائتلاف ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾ جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء : في الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدو الخلقة وبه يخلص العبد من ظلمة الكفر، وفي التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية وبه الخلاص عن ظلمة المعاصي، وفي ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية وبه يخلص من ظلمه أوصاف الوجود، وفي الجهاد في سبيله وهو محو الأنانية في إثبات الهوية وبه يخلص من ظلمة أوصاف الوجود ويظفر بنور الشهود ﴿وما هم بخارجين منها﴾ لأنهم خلقوا مظاهر القهر ﴿السارق والسارقة﴾ كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور فكان تطاول أيديهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما عن قبول تلك السعادة. ﴿جزاء بما كسبا﴾ الآن في عالم الصورة ﴿نكالاً من الله﴾ تقديراً منه في الأزل.
القراءات :﴿لأقتلنك﴾ بالنون الخفيفة. روى المعدّل عن زيد ﴿يدي إليك﴾ بفتح ياء المتكلم : أبو جعفر ونافع. ﴿من أجل﴾ بكسر النون : يزيد وقرأ ورش بفتح النون موصولة ﴿رسلنا﴾ بسكون السين حيث كان : أبو عمرو.
الوقوف :﴿بالحق﴾ م على أن " إذ " معمول اذكر محذوفاً ولو وصل لأوهم أنه معمول ﴿اتل﴾ وهو محال ﴿من الآخر﴾ ط ﴿لأقتلنك﴾ ط ﴿المتقين﴾ ه ﴿لأقتلك﴾ ج لاحتمال إضمار اللام أو الفاء. ﴿العالمين﴾ ه ﴿النار﴾ ج لاختلاف الجملتين. ﴿الظالمين﴾ ه ج لأجل الفاء. ﴿الخاسرين﴾ ه ﴿سوأة أخيه﴾ ط ﴿أخي﴾ ج لطول ما اعترض من المعطوف والمعطوف عليه. ﴿النادمين﴾ ه ج ﴿من أجل ذلك﴾ ج كذلك لأنّ قوله :﴿من أجل﴾ يصلح أن يتعلق بـ ﴿أصبح﴾ وبـ ﴿كتبنا﴾. ﴿جميعاً﴾ في الموضعين ط. ﴿بالبينات﴾ ز لأنّ " ثم " لترتيب الأخبار. ﴿لمسرفون﴾ ه ﴿من الأرض﴾ ط ﴿عظيم﴾ ه ﴿لا عليهم﴾ ج لتناهي الاستثناء مع الجواب أي لا تعذب التائبين. ﴿فإنّ الله غفور رحيم﴾ ه ﴿تفلحون﴾ ه ﴿منهم﴾ ج لتناهي الشرط مع اتحاد المقصود من الكلام. ﴿أليم﴾ ه لاتحاد المقصود مع اختلاف الجملتين ﴿مقيم﴾ ه ﴿من الله﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿يتوب عليه﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ﴿لمن يشاء﴾ ط ﴿قدير﴾ ه.