المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله :﴿إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك﴾ الآية، ليست هذه بإرادة محبة وشهوة، وإنما هو تخير في شرين، كما تقول العرب في الشر خيار، فالمعنى إن قتلتني وسبق بذلك قدر فاختياري أن أكون مظلوماً سيستنصر الله لي في الآخرة، وتبوء معناه تمضي متحملاً. وقوله :﴿بإثمي وإثمك﴾ قيل معناه : بإثم قتلي وسائر آثامك التي أوجبت أن لا يتقبل منك، وقيل المعنى : بإثم قتلي وإثمك في العداء علي إذ هو في العداء وإرادة القتل آثم ولو لم ينفذ القتل، وقيل المعنى : بإثمي إن لو قاتلتك وقتلتك وإثم نفسك في قتالي وقتلي.
قال القاضي أبو محمد : وهذا هو الإثم الذي يقتضيه قول النبي ﷺ «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصاً على قتل صاحبه »(١)، فكأن هابيل أراد : أني لست بحريص على قتلك، فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصاً على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي، وقيل المعنى : بإثمي الذي يختص لي فيما فرط لي أي يؤخذ من سيئاتي فيطرح عليك بسبب ظلمك لي «تبوء بإثمك » في قتلي وهذا تأويل يعضده قول النبي ﷺ يؤتى بالظالم والمظلوم يوم القيامة فيؤخذ من حسنات الظالم فيزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه(٢)، وقوله تعالى :﴿وذلك جزاء الظالمين﴾ يحتمل أن يكون من قول هابيل لأخيه، ويحتمل أن يكون إخباراً من الله تعالى لمحمد ﷺ.
١ - رواه أحمد في مسنده، وأخرجه الشيخان، وأبو داود، والنسائي- عن أبي بكرة، وابن ماجه عن أبي موسى، وهو حديث صحيح كما قال في الجامع الصغير..
٢ - رواه مسلم في صحيحه بلفظه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى