الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿فَبَعَثَ الله غُرَاباً﴾ روي : أنه أوّل قتيل قتل على وجه الأرض من بني آدم. ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به، فخاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح وعكفت عليه السباع، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة ﴿قَالَ ياويلتا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب﴾ ويروى أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض، فسأله آدم عن أخيه فقال : ما كنت عليه وكيلاً، فقال : بل قتلته ولذلك اسودِّ جسدك. وروي أن آدم مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك وأنه رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون. وقد صحّ أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر. ﴿لِيُرِيَهُ﴾ ليريه الله. أو ليريه الغراب، أي ليعلمه ؛ لأنه لما كان سبب تعليمه، فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز ﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من جسده. والسوأة : الفضيحة لقبحها. قال :
يَا لَقَوْمِ لِلسَّوْأةِ السَّوْآء ***
أي للفضيحة العظيمة فكنى بها عنها ﴿فَأُوَارِيَ﴾ بالنصب على جواب الاستفهام. وقرئ بالسكون على : فأنا أواري. أو على التسكين في موضع النصب للتخفيف ﴿مِنَ النادمين﴾ على قتله، لما تعب فيه من حمله وتحيره في أمره، وتبين له من عجزه، وتلمذه للغراب، واسوداد لونه وسخط أبيه، ولم يندم ندم التائبين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى