جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَىَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ أَنّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنّمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنّمَا أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالّبَيّنَاتِ ثُمّ إِنّ كَثِيراً مّنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. .
يعني تعالى ذكره بقوله : مِنْ أجْلِ ذَلِكَ من جَرّ ذلك وجريرته وجنايته، يقول : من جرّ القاتل أخاه من ابني آدم اللذَين اقتصصنا قصتهما الجريرة التي جرّها وجنايته التي جناها، كتبنا على بني إسرائيل. يقال منه : أجَلْتُ هذا الأمر : أي جررته إليه وكسبته آجُلُه له أجْلاً، كقولك : أخذته أخذا، ومن ذلك قول الشاعر :
| وأهْلِ خِباءٍ صَالحٍ ذاتُ بَيْنِهِمْ | قَد احْتَرَبوا فِي عاجِلٍ أنا آجِلُهْ |
فمعنى الكلام : من جناية ابن آدم القاتل أخاه ظلما، حكمنا علي بني إسرائيل أنه من قتل منهم نفسا ظلما بغير نفس قَتَلت فُقِتل بها قصاصا أو فَسَادٍ في الأرْضِ يقول : أو قتل منهم نفسا بغير فساد كان منها في الأرض، فاستحقت بذلك قتلها. وفسادها في الأرض إنما يكون بالحرب لله ولرسوله وإخافة السبيل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ، قال : ثني عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا على بَنِي إسْرَائِيلَ يقول : من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلما.
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله جلّ ثناؤه : مَنْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِي الأرْضِ فَكأنمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعا وَمَنْ أحْياها فَكأنّما أحيْا النّاس جَمِيعا فقال بعضهم : معنى ذلك : ومن قتل نبيا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعا، ومن شدّ على عضد نبيّ أو إمام عدل، فكأنما أحيا الناس جميعا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو عمار حسين بن حُرَيْثٍ المَرْوَزِيّ، قال : حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله : مَنْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِي الأرْضِ فَكأنمَا قَتَلَ الناس جَمِيعا وَمَنْ أحْياها فَكأنمَا أحيْا النّاسَ جَمِيعا قال : من شدّ على عضد نبيّ أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعا. ومن قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله : مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا على بَنِي إْسرَائِيلَ أنّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسا بغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِي الأرْضِ فَكأنّما قَتَلَ النّاس جَمِيعا يقول : من قتل نفسا واحدة حرّمتها، فهو مثل من قتل الناس جميعا. وَمَنْ أحْياها يقول : من ترك قتل نفس واحدة حرّمتها مخافتي واستحيا أن يقتلها، فهو مثل استحياء الناس جميعا يعني بذلك الأنبياء.
وقال آخرون : مَنْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِي الأرْضِ فَكأنَمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعا عند المقتول في الإثم وَمَنْ أحيْاها فاستنقذها من هلكة فَكأنمَا أحيْا النّاسَ جَمِيعا عند المستنقذ. ( ذكر من قال ذلك ) :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، فيما ذكر عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني، عن عبد الله، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ، قوله : مَنْ قَتَلَ نَفْسا بغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِي الأرْضِ فَكأنَمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعا عند المقتول، يقول في الإثم : ومن أحياها فاستنقذها من هلكة، فكأنما أحيا الناس جميعا عند المستنقَذ.
وقال آخرون : معنى ذلك : أن قاتل النفس المحرّم قتلها يصلي النار كما يصلاها لو قتل الناس جميعا، من أحياها : من سلم من قتلها فقد سلم من قتل الناس جميعا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن خَصِيف، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال : مَنْ أحْياها فَكأنَمَا أحيْا النّاسَ جَمِيعا قال : من كفّ عن قتلها فقد أحياها، ومن قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا. قال : ومن أوبقها.
حدثني الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا سفيان، عن خصيف، عن مجاهد، قال : من أوبق نفسا فكما لو قتل الناس جميعا، ومن أحياها وسلم من طلبها فلم يقتلها فقد سلم من قتل الناس جميعا، ومن أحياها وسلم من طلبها فلم يقتلها فقد سلم من قتل الناس جميعا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن خصيف، عن مجاهد : فَكأنَمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعا وَمَنْ أحْياها فَكأنَما أحيْا النّاسَ جَمِيعا لم يقتلها، وقد سلم منه الناس جميعا لم يقتل أحدا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن الأوزاعي، قال : أخبرنا عبدة ابن أبي لُبابة، قال : سألت مجاهدا، أو سمعته يُسْأل عن قوله : مَنْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِي الأرْضِ فَكأنَمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعا قال : لو قتل الناس جميعا كان جزاؤه جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه ولعنه، وأعدّ له عذابا عظيما.
حدثني المثنى، قال : ثنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج قراءة، عن الأعرج، عن مجاهد في قوله : فَكأنَما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعا قال : الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدا، جعل الله جزاءه جهنم، وغضب الله عليه ولعنه، وأعدّ له عذابا عظيما يقول : لو قتل الناس جميعا لم يزد على مثل ذلك من العذاب قال ابن جريج، قال مجاهد : وَمَنْ أحْياها فَكأنَما أحيْا النّاسَ جَمِيعا قال : من لم يقتل أحدا فقد استراح الناس منه.
حدثنا سفيان، قال : حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد، قال : أوبق نفسا.
حدثنا سفيان، قال : حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال : في الإثم.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد : مَنْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِي الأرْضِ فَكأنمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعا، وقوله : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ قال : يصير إلى جهنم بقتل المؤمن، كما أنه لو قتل الناس جميعا لصار إلى جهنم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا على بَنِي إسْرَائِيلَ أنّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِي الأرْضِ فَكأنَما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعا قال : هو كما قال. وقال : وَمَنْ أحيْاها فَكأنمَا أحيْا النّاسَ جَمِيعا فإحياؤها لا يقتل نفسا حرّمها الله، فذلك الذي أحيا الناس جميعا، يعني أنه من حرّم قتلها إلا بحقّ حيي الناس منه جميعا.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد : وَمَنْ أحيْاها قال : ومن حرّمها فلم يقتلها.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن العلاء، قال : سمعت مجاهدا يقول : مَنْ أحْياها فَكأنمَا أحيْا النّاسَ جَمِيعا قال : من كفّ عن قتلها فقد أحياها.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ : فَكأنمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعا قال : هي كالتي في النساء : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمّدا فَجَزاؤُهُ جَهَنّمُ في جزائه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : فَكأنمَا قَتَل النّاسَ جَمِيعا كالتي في سورة النساء : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤمِنا مُتَعَمّدا في جزائه وَمَنْ أحْياها ولم يقتل أحدا فقد حيي الناس منه.
حدثنا هناد، قال : حدثنا أبو معاوية، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد في قوله : وَمَنْ أحيْاها فَكأنمَا أحيْا النّاسَ جَمِيعا قال : التفت إلى جلسائه فقال : هو هذا وهذا.
وقال آخرون : معنى ذلك : ومن قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، لأنه يجب عليه من القصاص به والقود بقتله، مثل الذي يجب عليه من القود والقصاص لو قتل الناس جميعا. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا على بَنِي إسْرَائِيلَ أنّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسا بِغيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِي الأرْضِ فَكأنمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعا قال : يجب عليه من القتل مثل لو أنه قتل الناس جميعا. قال : كان أبي يقول ذلك.
وقال آخرون : معنى قوله : وَمَنْ أحيْاها من عفا عمن وجب له القصاص منه فلم يقتله. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : وَمنْ أحيْاها فَكأنمَا أحيْا النّاسَ جَمِيعا يقول : من أحياها أعطاه الله جلّ وعزّ من الأجر مثلَ لو أنه أحيا الناس جميعا. أحياها فلم يقتلها وعفا عنها. قال : وذلك وليّ القتيل، والقتيل نفسه يعفو عنه قبل أن يموت. قال : كان أبي يقول ذلك.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن يوسن، عن الحسن في قوله : وَمَنْ أحيْاها فَكأنمَا أحيْا النّاسَ جَمِيَعا قال : من عفا.
حدثنا سفيان، قال : حدثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن : وَمَنْ أحيْاها فَكأنّمَا أحيْا النّاسَ جَمِيعا قال : من قُتل حميم له فعفا عن دمه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن : وَمَنْ أحيْاها فَكأنمَا أحيْا النّاسَ جَمِيعا قال : العفو بعد القدرة.
وقال آخرون : معنى قوله : وَمَنْ أحيْاها فَكأنمَا أحيْا النّاسَ جَمِيعا ومن أنجاها من غرق أو حرق. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد : وَمَنْ أحيْاها فَكأنَما أحيْا النّاسَ جَمِيعا قال : من أنجاها من غَرَق أو حَرَق أو هلكة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، وحدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاه : وَمَنْ أحيْاها فَكأنمَا أحيْا النّاسع جَمِيعا قال : من غَرَق أو حَرَق أو هَدَم.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا إسرائيل، عن خصيف، عن مجاهد : وَمَنْ أحيْاها قال : أنجاها. وقال الضحاك بما :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أبي عامر، عن الضحاك، قال : مَنْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ قال : من تروّع أو لم يتورّع.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ، قال : ثني عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فكأنمَا أحيْا النّاسَ جَمِيعا يقول : لو لم يقتله لكان قد أحيا الناس، فلم يستحلّ محرّما. وقال قتادة والحسن في ذلك بما :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن :