جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿إِنّمَا جَزَآءُ الّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتّلُوَاْ أَوْ يُصَلّبُوَاْ أَوْ تُقَطّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. .
وهذا بيان من الله عزّ ذكره عن حكم الفساد في الأرض الذي ذكره في قوله : مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا على بَنِي إسْرَائِيلَ أنّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِي الأرْضِ أعلم عباده ما الذي يستحقّ المفسد في الأرض من العقوبة والنكال، فقال تبارك وتعالى : لا جزاء له في الدنيا إلا القتل والصلب وقطع اليد والرجل من خلاف أو النفي من الأرض، خزيا لهم وأما في الاَخرة إن لم يتب في الدنيا فعذاب عظيم.
ثم اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية. فقال بعضهم : نزلت في قوم من أهل الكتاب، كانوا أهل موادعة لرسول الله ﷺ، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فعرّف الله نبيه ﷺ الحكم فيها. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : إنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسادا قال : كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبيّ ﷺ عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض فخير الله رسوله، إن شاء أن يقتل وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قال : كان قوم بينهم وبين رسول الله ﷺ ميثاق، فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض فخير الله جلّ وعزّ نبيه ﷺ فيهم، فإن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ، قال : ثني عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول، فذكر نحوه.
وقال آخرون : نزلت في قوم من المشركين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصريّ، قالا : قال : إنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ. . . إلى : إنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ نزلت هذه الاَية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه لم يكن عليه سبيل وليست تَحْرز هذه الاَية الرجل المسلم من الحدّ إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله ثم لحق بالكفار قبل أن يُقَدَر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحدّ الذي أصاب.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن أشعث، عن الحسن : إنّما جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ قال : نزلت في أهل الشرك.
وقال آخرون :( ذكر من قال ذلك ) : بل نزلت في قوم من عُرَينة وعُكْل ارتدّوا عن الإسلام، وحاربوا الله ورسوله.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا روح بن عبادة، قال : حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أنس : أن رهطا من عُكل وعرينة أتوا النبيّ ﷺ، فقالوا : يا رسول الله أنا أهل ضَرْع ولم نكن أهل ريف، وإنا استوخمنا المدينة. فأمر لهم النبيّ ﷺ بَذوْد وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها. فقتلوا راعي رسول الله ﷺ، واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم. فأتِيَ بهم النبيّ ﷺ، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرّة حتى ماتوا. فذكر لنا أن هذه الاَية نزلت فيهم : إنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا روح، قال : حدثنا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ بمثل هذه القصة.
حدثنا محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق، قال : سمعت أبي يقول : أخبرنا أبو حمزة، عن عبد الكريم وسئل عن أبوال الإبل، فقال : حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين، فقال : كان ناس أتوا النبيّ ﷺ فقالوا : نبايعك عن الإسلام فبايعوه وهم كذبة، وليس الإسلامَ يريدون. ثم قالوا : نا نجتَوي المدينة. فقال النبيّ ﷺ :«هَذِهِ اللّقاحُ تَغْدُو عَلَيْكُمْ وَتَرُوحُ، فاشْرَبُوا مِنْ أبْوَالِهَا وألْبانِها ». قال : فبينا هم كذلك إذ جاء الصريخ، فصرخ إلى رسول الله ﷺ، فقال : قتلوا الراعي، وساقوا النعم فأمر نبيّ الله فنُودي في الناس، أن : يا خيل الله اركبي. قال : فركبوا لا ينتظر فارس فارسا. قال : فركب رسول الله ﷺ على أثرهم، فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم، فرجع صحابة رسول الله ﷺ وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبيّ ﷺ، فأنزل الله : إنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ. . . الاَية، قال : فكان نفيهم أن نفوهم، حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم، ونفوهم من أرض المسلمين، وقتل نبيّ الله منهم وصلب وقطع وسمل الأعين. قال : فما مثّل رسول الله ﷺ قبل ولا بعد. قال : ونهى عن المُثْلة، وقال :«لا تُمَثّلوا بشَيْءٍ » قال : فكان أنس بن مالك يقول ذلك، غير أنه قال : أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم.
قال : وبعضهم يقول : هم ناس من بني سليم، ومنهم من عرينة وناس من بجيلة.
حدثني محمد بن خلف، قال : حدثنا الحسن بن هناد، عن عمرو بن هاشم، عن موسى بن عبيد، عن محمد بن إبراهيم، عن جرير، قال : قدم على النبيّ ﷺ قوم من عينة حفاة مضطرين، فأمر بهم رسول الله ﷺ فلما صحّوا واشتدوا قتلوا رعاء اللقاح، ثم خرجوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم. قال جرير : فبعثني رسول الله ﷺ في نفر من المسلمين حتى أدركناهم بعد ما أشرفوا على بلاد قومهم، فقدمنا بهم على رسول الله ﷺ، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم، وجعلوا يقولون : الماء ورسول الله ﷺ يقول :«النّار » حتى هلكوا. قال : وكره الله سمل الأعين، فأنزل هذه الاَية : إنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ. . . إلى آخر الاَية.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني ابن لهيعة، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة بن الزبير ( ح ). وحدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم، وسعيد بن عبد الرحمن، وابن سمعان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال : أغار ناس من عرينة على لقاح رسول الله ﷺ، فاستاقوها وقتلوا غلاما له فيها، فبعث في آثارهم فأُخِذوا، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر أو عمرو، شكّ يونس عن رسول الله ﷺ بذلك، ونزلت فيهم آية المحاربة.
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، قال : حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أنس، قال : قدم ثمانية نفر من عكل على رسول الله ﷺ، فأسلموا، ثم اجتووا المدينة، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا، فقتلوا رعاتها، واستاقوا الإبل. فأرسل رسول الله ﷺ في أثرهم قافة، فأُتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وتركهم فلم يحسمهم حتى ماتوا.
حدثنا عليّ، قال : حدثنا الوليد، قال : ثني سعيد، عن قتادة، عن أنس، قال : كانوا أربعة نفر من عرينة وثلاثة من عكل، فلما أُوتي بهم قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينِهم ولم يحسمهم، وتركهم يتلقمون الحجارة بالحرّة، فأنزل الله جلّ وعزّ في ذلك : إنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ. . . الاَية،
حدثني عليّ، قال : حدثنا الوليد، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الاَية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الاَية نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة، قال أنس : فارتدّوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفَرْج الحرام.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : إنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعُوْنَ فِي الأرْضِ فَسادا قال : أنزلت في سُودان عرينة، قال : أتوا رسول الله ﷺ وبهم الماء الأصفر، فشكوا ذلك إليه، فأمرهم فخرجوا إلى إبل رسول الله ﷺ من الصدقة، فقال :«اشْرَبُوا منْ ألْبانِها وأبْوَالِهَا ». فشربوا من ألبانها وأبوالها، حتى إذا صحّوا وبرئوا، قتلوا الرعاة واستاقوا الإبل.
وأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال : أنزل الله هذه الاَية على نبيه ﷺ معرّفة حكمه على من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا، بعد الذي كان من فعل رسول الله ﷺ بالعرنيين ما فعل.
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك، لأن القصص التي قصها الله جلّ وعزّ قبل هذه الاَية وبعدها من قصص بني إسرائيل وأنبائهم، فأن يكون ذلك متوسطا منه يعرف الحكم فيهم وفي نظرائهم، أولى وأحقّ. وقلنا : كان نزول ذلك بعد الذي كان من فعل رسول الله ﷺ بالعرنيين ما فعل لتظاهر الأخبار عن أصحاب رسول الله ﷺ بذلك. وإذ كان ذلك أولى بالآية لما وصفنا، فتأويلها : من أجل كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو سَعَى بفساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات، ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون، يقول : لساعون في الأرض بالفساد، وقاتلو النفوس بغير نفس وغير سعي في الأرض بالفساد حربا لله ولرسوله، فمن فعل ذلك منهم يا محمد، فإنما جزاؤه أن يقتلوا أو يصلّبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض.
فإن قال لنا قائل : وكيف يجوز أن تكون الاَية نزلت في الحال التي ذكرت من حال نقض كافر من بني إسرائيل عهده، ومن قولك إن حكم هذه الاَية حكم من الله في أهل الإسلام دون أهل الحرب من المشركين ؟ قيل : جاز أن يكون ذلك كذلك، لأن حكم من حارب الله ورسوله وسَعَى في الأرض فسادا من أهل ذمتنا وملتنا واحد، والذين عُنُوا بالاَية كانوا أهل عهد وذمة، وإن كان داخلاً في حكمها كل ذمي ومليَ، وليس يبطل بدخول من دخل في حكم الاَية من الناس أن يكون صحيحا نزولها ف

تفسير هذه الآية من كتب أخرى