محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٣٣ من سورة المائدة في ١٢٤ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٧٩ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٣٣ من سورة المائدة

١٢٤ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿إِنّمَا جَزَآءُ الّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتّلُوَاْ أَوْ يُصَلّبُوَاْ أَوْ تُقَطّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. .
وهذا بيان من الله عزّ ذكره عن حكم الفساد في الأرض الذي ذكره في قوله : مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا على بَنِي إسْرَائِيلَ أنّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِي الأرْضِ أعلم عباده ما الذي يستحقّ المفسد في الأرض من العقوبة والنكال، فقال تبارك وتعالى : لا جزاء له في الدنيا إلا القتل والصلب وقطع اليد والرجل من خلاف أو النفي من الأرض، خزيا لهم وأما في الاَخرة إن لم يتب في الدنيا فعذاب عظيم.
ثم اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية. فقال بعضهم : نزلت في قوم من أهل الكتاب، كانوا أهل موادعة لرسول الله ﷺ، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فعرّف الله نبيه ﷺ الحكم فيها. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : إنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسادا قال : كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبيّ ﷺ عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض فخير الله رسوله، إن شاء أن يقتل وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قال : كان قوم بينهم وبين رسول الله ﷺ ميثاق، فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض فخير الله جلّ وعزّ نبيه ﷺ فيهم، فإن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ، قال : ثني عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول، فذكر نحوه.
وقال آخرون : نزلت في قوم من المشركين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصريّ، قالا : قال : إنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ. . . إلى : إنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ نزلت هذه الاَية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه لم يكن عليه سبيل وليست تَحْرز هذه الاَية الرجل المسلم من الحدّ إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله ثم لحق بالكفار قبل أن يُقَدَر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحدّ الذي أصاب.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن أشعث، عن الحسن : إنّما جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ قال : نزلت في أهل الشرك.
وقال آخرون :( ذكر من قال ذلك ) : بل نزلت في قوم من عُرَينة وعُكْل ارتدّوا عن الإسلام، وحاربوا الله ورسوله.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا روح بن عبادة، قال : حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أنس : أن رهطا من عُكل وعرينة أتوا النبيّ ﷺ، فقالوا : يا رسول الله أنا أهل ضَرْع ولم نكن أهل ريف، وإنا استوخمنا المدينة. فأمر لهم النبيّ ﷺ بَذوْد وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها. فقتلوا راعي رسول الله ﷺ، واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم. فأتِيَ بهم النبيّ ﷺ، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرّة حتى ماتوا. فذكر لنا أن هذه الاَية نزلت فيهم : إنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا روح، قال : حدثنا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ بمثل هذه القصة.
حدثنا محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق، قال : سمعت أبي يقول : أخبرنا أبو حمزة، عن عبد الكريم وسئل عن أبوال الإبل، فقال : حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين، فقال : كان ناس أتوا النبيّ ﷺ فقالوا : نبايعك عن الإسلام فبايعوه وهم كذبة، وليس الإسلامَ يريدون. ثم قالوا : نا نجتَوي المدينة. فقال النبيّ ﷺ :«هَذِهِ اللّقاحُ تَغْدُو عَلَيْكُمْ وَتَرُوحُ، فاشْرَبُوا مِنْ أبْوَالِهَا وألْبانِها ». قال : فبينا هم كذلك إذ جاء الصريخ، فصرخ إلى رسول الله ﷺ، فقال : قتلوا الراعي، وساقوا النعم فأمر نبيّ الله فنُودي في الناس، أن : يا خيل الله اركبي. قال : فركبوا لا ينتظر فارس فارسا. قال : فركب رسول الله ﷺ على أثرهم، فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم، فرجع صحابة رسول الله ﷺ وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبيّ ﷺ، فأنزل الله : إنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ. . . الاَية، قال : فكان نفيهم أن نفوهم، حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم، ونفوهم من أرض المسلمين، وقتل نبيّ الله منهم وصلب وقطع وسمل الأعين. قال : فما مثّل رسول الله ﷺ قبل ولا بعد. قال : ونهى عن المُثْلة، وقال :«لا تُمَثّلوا بشَيْءٍ » قال : فكان أنس بن مالك يقول ذلك، غير أنه قال : أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم.
قال : وبعضهم يقول : هم ناس من بني سليم، ومنهم من عرينة وناس من بجيلة.
حدثني محمد بن خلف، قال : حدثنا الحسن بن هناد، عن عمرو بن هاشم، عن موسى بن عبيد، عن محمد بن إبراهيم، عن جرير، قال : قدم على النبيّ ﷺ قوم من عينة حفاة مضطرين، فأمر بهم رسول الله ﷺ فلما صحّوا واشتدوا قتلوا رعاء اللقاح، ثم خرجوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم. قال جرير : فبعثني رسول الله ﷺ في نفر من المسلمين حتى أدركناهم بعد ما أشرفوا على بلاد قومهم، فقدمنا بهم على رسول الله ﷺ، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم، وجعلوا يقولون : الماء ورسول الله ﷺ يقول :«النّار » حتى هلكوا. قال : وكره الله سمل الأعين، فأنزل هذه الاَية : إنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ. . . إلى آخر الاَية.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني ابن لهيعة، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة بن الزبير ( ح ). وحدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم، وسعيد بن عبد الرحمن، وابن سمعان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال : أغار ناس من عرينة على لقاح رسول الله ﷺ، فاستاقوها وقتلوا غلاما له فيها، فبعث في آثارهم فأُخِذوا، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر أو عمرو، شكّ يونس عن رسول الله ﷺ بذلك، ونزلت فيهم آية المحاربة.
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، قال : حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أنس، قال : قدم ثمانية نفر من عكل على رسول الله ﷺ، فأسلموا، ثم اجتووا المدينة، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا، فقتلوا رعاتها، واستاقوا الإبل. فأرسل رسول الله ﷺ في أثرهم قافة، فأُتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وتركهم فلم يحسمهم حتى ماتوا.
حدثنا عليّ، قال : حدثنا الوليد، قال : ثني سعيد، عن قتادة، عن أنس، قال : كانوا أربعة نفر من عرينة وثلاثة من عكل، فلما أُوتي بهم قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينِهم ولم يحسمهم، وتركهم يتلقمون الحجارة بالحرّة، فأنزل الله جلّ وعزّ في ذلك : إنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ. . . الاَية،
حدثني عليّ، قال : حدثنا الوليد، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الاَية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الاَية نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة، قال أنس : فارتدّوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفَرْج الحرام.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : إنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعُوْنَ فِي الأرْضِ فَسادا قال : أنزلت في سُودان عرينة، قال : أتوا رسول الله ﷺ وبهم الماء الأصفر، فشكوا ذلك إليه، فأمرهم فخرجوا إلى إبل رسول الله ﷺ من الصدقة، فقال :«اشْرَبُوا منْ ألْبانِها وأبْوَالِهَا ». فشربوا من ألبانها وأبوالها، حتى إذا صحّوا وبرئوا، قتلوا الرعاة واستاقوا الإبل.
وأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال : أنزل الله هذه الاَية على نبيه ﷺ معرّفة حكمه على من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا، بعد الذي كان من فعل رسول الله ﷺ بالعرنيين ما فعل.
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك، لأن القصص التي قصها الله جلّ وعزّ قبل هذه الاَية وبعدها من قصص بني إسرائيل وأنبائهم، فأن يكون ذلك متوسطا منه يعرف الحكم فيهم وفي نظرائهم، أولى وأحقّ. وقلنا : كان نزول ذلك بعد الذي كان من فعل رسول الله ﷺ بالعرنيين ما فعل لتظاهر الأخبار عن أصحاب رسول الله ﷺ بذلك. وإذ كان ذلك أولى بالآية لما وصفنا، فتأويلها : من أجل كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو سَعَى بفساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات، ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون، يقول : لساعون في الأرض بالفساد، وقاتلو النفوس بغير نفس وغير سعي في الأرض بالفساد حربا لله ولرسوله، فمن فعل ذلك منهم يا محمد، فإنما جزاؤه أن يقتلوا أو يصلّبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض.
فإن قال لنا قائل : وكيف يجوز أن تكون الاَية نزلت في الحال التي ذكرت من حال نقض كافر من بني إسرائيل عهده، ومن قولك إن حكم هذه الاَية حكم من الله في أهل الإسلام دون أهل الحرب من المشركين ؟ قيل : جاز أن يكون ذلك كذلك، لأن حكم من حارب الله ورسوله وسَعَى في الأرض فسادا من أهل ذمتنا وملتنا واحد، والذين عُنُوا بالاَية كانوا أهل عهد وذمة، وإن كان داخلاً في حكمها كل ذمي ومليَ، وليس يبطل بدخول من دخل في حكم الاَية من الناس أن يكون صحيحا نزولها ف
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا﴾


قال أبو جعفر: وهذا بيان من الله عز ذكره عن حكم"الفساد في الأرض"، الذي ذكره في قوله:"من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض"= أعلم عباده: ما الذي يستحق المفسدُ في الأرض من العقوبة والنكال، فقال تبارك وتعالى: لا جزاء له في الدنيا إلا القتلُ، والصلب، وقطعُ اليد والرِّجل من خلافٍ، أو النفي من الأرضِ، خزيًا لهم. وأما في الآخرة إن لم يتبْ في الدنيا، فعذاب عظيم.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية.
فقال بعضهم: نزلت في قوم مِن أهل الكتاب كانوا أهل مودعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فعرَّف الله نبيَّه ﷺ الحكمَ فيهم.
ذكر من قال ذلك:
١١٨٠٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا"، قال: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي ﷺ عهدٌ وميثاق، فنقضوا العهدَ وأفسدوا في الأرض، فخيَّرَ الله رسوله: إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خِلافٍ.
١١٨٠٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك قال: كان قوم بينهم وبين رسول الله ﷺ ميثاقٌ، فنقضوا العهد وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض، فخيَّر الله جل
وعز نبيَّه ﷺ فيهم، فإن شاء قتل، وإن شاء صَلَب، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.
١١٨٠٥ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول، فذكر نحوه.
* * *
وقال آخرون: نزلت في قوم من المشركين.
ذكر من قال ذلك:
١١٨٠٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصري قالا قال:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" إلى "أن الله غفور رحيم"، نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدِروا عليه لم يكن عليه سبيل. وليست تُحْرِزُ هذه الآية الرجلَ المسلم من الحدِّ. إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يُقْدَر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحدُّ الذي أصاب. (١)
١١٨٠٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن أشعث، عن الحسن:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله"، قال: نزلت في أهل الشرك.
* * *
وقال آخرون: بل نزلت في قوم من عُرَيْنه وعُكْل، ارتدُّوا عن الإسلام، وحارَبوا الله ورسوله.
[ذكر من قال ذلك] :
١١٨٠٨ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا روح بن عبادة قال، حدثنا سعيد
(١) الأثر: ١١٨٠٦-"يزيد" هو"يزيد النحوي"، "يزيد بن أبي سعيد النحوي المروزي" مضى برقم: ٦٣١١. وكان في المطبوعة هنا: "زيد"، وهو خطأ، صوابه في المخطوطة. وأخرجه النسائي في سننه ٧: ١٠١ بمثله. وأبو داود في سننه ٤: ١٨٧، رقم ٤٣٧٢، وسيأتي برقم: ١١٨٧٢.
بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس: أن رهطًا من عُكْلٍ وعُرَينة، أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا أهل ضَرْع، ولم نكن أهل ريفٍ، (١) وإنا استوخمنا المدينة، (٢) فأمر لهم النبي ﷺ بِذَوْدٍ وراعٍ، (٣) وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا راعيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم. فأتيَ بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وَسَمل أعينهم، (٤) وتركهم في الحرَّة حتى ماتوا (٥) = فذُكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله". (٦)
١١٨٠٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا روح قال، حدثنا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمثل هذه القصة. (٧)
١١٨١٠ - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال، سمعت أبى يقول:
(١) "أهل ضرع": أهل إبل وشاء. و"الضرع"، ثدي كل ذات خف أو ظلف، يعني أنهم أهل بادية= و"أهل ريف": أهل زرع وحرث، وهم الحضر. و"الريف"، ما قارب الماء من أرض العرب وغيرها.
(٢) "استوخموا المدينة": استثقلوها، ولم يوافق هواؤها أبدانهم، فمرضوا.
(٣) "الذود": القطيع من الإبل، من الثلاث إلى التسع.
(٤) "سمل عينه": فقأها بحديدة محماة، أو بشوك، أو ما شابه ذلك. وإنما فعل بهم ذلك، لأنهم فعلوا بالرعاة مثله، فجازاهم على صنيعه بمثله.
(٥) "الحرة" (بفتح الحاء) : أرض ذات حجارة سود نخرات، كأنها أحرقت بالنار. ومدينة رسول الله ﷺ بين حرتين.
(٦) الأثران: ١١٨٠٨، ١١٨٠٩-"روح بن عباة القيسي"، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. مضى برقم: ٣٠١٥، ٣٣٥٥، ٣٩١٢.
و"هشام بن أبي عبد الله" في الأثر الثاني هو"الدستوائي".
وهذا حديث صحيح، رواه أحمد من طرق في مسنده ٣: ١٦٣، من طريق معمر، عن قتادة/ و١٧٠، من طريق سعيد عن قتادة/ و٢٣٣، من طريق سعيد أيضا/ و٢٨٧ من طريق حماد، عن قتادة/ و٢٩٠ من طريق عفان عن قتادة. ورواه البخاري في صحيحه (الفتح ٧: ٣٥١) من طريق عبد الأعلى بن حماد، عن يزيد بن زريع، عن سعيد، بمثله. وأشار إليه مسلم في صحيحه ١١: ١٥٧. وأبو داود في سننه ٤: ١٨٦، رقم ٤٣٦٨، من طريق هشام، عن قتادة، والنسائي في سننه من طرق ٧: ٩٧، والبيهقي في السنن ٨: ٦٢.
(٧) الأثران: ١١٨٠٨، ١١٨٠٩-"روح بن عباة القيسي"، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. مضى برقم: ٣٠١٥، ٣٣٥٥، ٣٩١٢.
و"هشام بن أبي عبد الله" في الأثر الثاني هو"الدستوائي".
وهذا حديث صحيح، رواه أحمد من طرق في مسنده ٣: ١٦٣، من طريق معمر، عن قتادة/ و١٧٠، من طريق سعيد عن قتادة/ و٢٣٣، من طريق سعيد أيضا/ و٢٨٧ من طريق حماد، عن قتادة/ و٢٩٠ من طريق عفان عن قتادة. ورواه البخاري في صحيحه (الفتح ٧: ٣٥١) من طريق عبد الأعلى بن حماد، عن يزيد بن زريع، عن سعيد، بمثله. وأشار إليه مسلم في صحيحه ١١: ١٥٧. وأبو داود في سننه ٤: ١٨٦، رقم ٤٣٦٨، من طريق هشام، عن قتادة، والنسائي في سننه من طرق ٧: ٩٧، والبيهقي في السنن ٨: ٦٢.
أخبرنا أبو حمزة، عن عبد الكريم= وسئل عن أبوال الإبل= فقال: حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين فقال: كان ناس أتوا النبي ﷺ فقالوا: نبايعك على الإسلام! فبايعوه وهم كَذَبة، وليس الإسلامَ يريدون. ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة! (١) فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"هذه اللَّقاح تغدو عليكم وتروح، (٢) فاشربوا من أبوالها وألبانها. قال: فبينا هم كذلك، إذ جاء الصريخُ، فصرخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، (٣) فقال: قتلوا الراعي، وساقوا النَّعَم! فأمر نبي الله فنودي في الناس: أنْ"يا خيل الله اركبي"! (٤) قال: فركبوا، لا ينتظر فارسٌ فارسًا. قال: فركب رسول الله ﷺ على أثرهم، فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنَهم، فرجع صحابة رسول الله ﷺ وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" الآية. قال: فكان نفيُهم: أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنَهم وأرضهم، ونفوهم من أرض المسلمين. وقتل نبي الله منهم، وصلب وقَطَع، وَسَمل الأعين. قال: فما مثَّل رسول الله ﷺ قبلُ ولا بعدُ. قال: ونهَى عن المُثْلة، وقال: لا تمثِّلوا بشيء. قال: فكان أنس بن مالك يقول ذلك، غير أنه قال: أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم. (٥)
* * *
(١) "اجتوى الأرض والبلد": إذا كره المقام فيه، وإن كانت موافقة له في بدنه. ويقال: "الاجتواء": أن لا تستمرئ الطعام بالأرض والشراب، غير أنك إذ أحببت المقام بها ولم يوافقك طعامها، فأنت"مستوبل"، ولست بمجتو. ويقال في شرح حديث العرنيين: أصابهم"الجوى"، وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول.
(٢) "اللقاح" (بكسر اللام) جمع"لقحة" (بكسر فسكون)، وهي ذوات الألبان من النوق.
(٣) "الصريخ" و"الصارخ": المستغيث. وقوله: "صرخ إلى رسول الله"، كأنه يعني: انتهى باستغاثته إلى رسول الله. وهو تعبير قلما تظفر به في المراجع فقيده.
(٤) قال ابن الأثير: "هذا على حذف المضاف، أراد: يا فرسان خيل الله اركبي، وهذا من أحسن المحازات وألطفها"، وهي في التنزيل: "وأجلب عليهم بخيلك ورجلك"، أي بفرسانك ورجالتك.
(٥) الأثر: ١١٨١٠-"أبو حمزة"، هو"ميمون، أبو حمزة الأعور القصاب"، ضعيف جدا، مضى برقم: ٦١٩٠.
و"عبد الكريم"، هو"عبد الكريم بن مالك الجزري: " أبو سعيد، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ٨٩٢.
قال: وبعضهم يقول: هم ناس من بني سليم، ومنهم من عرينة، وناس من بَجيلة
[ذكر من قال ذلك] :
١١٨١١ - حدثني محمد بن خلف قال، حدثنا الحسن بن حماد، عن عمرو بن هاشم، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم، عن جرير قال: قَدِم على النبي ﷺ قوم من عرينة، حفاةً مضرورين، (١) فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. (٢) فلما صَحُّوا واشتدُّوا، قتلوا رِعاءَ اللقاح، (٣) ثم خرجوا باللِّقاح عامدين بها إلى أرض قومهم. قال جرير: فبعثني رسولُ الله ﷺ في نفر من المسلمين حتى أدركناهم بعد ما أشرَفُوا على بلاد قومهم، فقدِمنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقطع أيديهم وأرجلَهم من خلاف، وسملَ أعينهم، وجعلوا يقولون:"الماء"! ورسول الله ﷺ يقول:"النار"! حتى هلكوا. قال: وكره الله عز وجلَ سَمْل الأعين، فأنزل هذه الآية:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" إلى آخر الآية. (٤)
(١) "المضرور" و"الضرير": المريض المهزول الذي أصابه الضر.
(٢) يعني بقوله: "فأمر بهم"، يعني: أمر ان يمرضوا ويعتني بأمرهم.
(٣) "الرعاء" و"الرعاة" جمع"راع".
(٤) الأثر: ١١٨١١-"محمد بن خلف بن عمار العسقلاني"، شيخ الطبري، مضى برقم: ١٢٦، ٦٥٣٤.
و"الحسن بن حماد بن كسيب الحضرمي"، وهو"سجادة". روي عن حفص بن غياث ويحيى بن سعيد الأموي، وأبي خالد الأحمر، وأبي مالك الجنبي، ووكيع، وغيرهم. روى عنه أبو داود، وابن ماجه وغيرهم. ثقة. قال أحمد: "صاحب سنة، ما بلغني عنه إلا خيرًا". توفى سنة ٢٤١. وكان في المطبوعة: "الحسن بن هناد"، خطأ، صوابه في المخطوطة. وتفسير ابن كثير.
و"عمرو بن هاشم"، هو"أبو مالك الجنبي"، صدوق يخطئ، لينوه. مضى برقم: ١٥٣٠
و"موسى عبيدة بن نشيط الربذي" ضعيف نمرة، قال أحمد: "لا تحل الرواية عندي عن موسى بن عبيدة". مضى برقم: ١٨٧٥، ٣٢٩١، ٨٣٦١، ١١١٣٤= وكان في المطبوعة والمخطوطة: "موسى بن عبيد"، وهو خطأ، صوابه من تفسير ابن كثير.
وأما "محمد بن إبراهيم"، فكأنه"محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي"، رأى سعد بن أبي وقاص، وأبا سعيد الخدري، وأرسل عن ابن عمر وابن عباس. فلا أدري أسمع من جرير بن عبد الله، أم لا. وجرير مات سنة ٥١.
وهذا الخبر ضعيف جدا، وهو أيضا لا يصح، لأن جرير بن عبد الله البجلي صاحب رسول الله ﷺ وفد على النبي ﷺ في العام الذي توفى فيه، وخبر العرنيين كان في شوال سنة ست، في رواية الواقدي (ابن سعد٢/١/٦٧)، وكان أمير السرية كرز بن جابر الفهري. وذلك قبل وفاة رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول سنة ١١ من الهجرة، بأعوام.
وهذا الخبر، ذكره الحافظ ابن حجر، في ترجمة"جرير بن عبد الله البجلي"، وضعفه جدا. أما ابن كثير، فذكره في تفسيره ٣: ١٣٩، وقال: "هذا حديث غريب، وفي إسناده الربذي، وهو ضعيف. وفي إسناده فائدة: وهو ذكر أمير هذه السرية. وهو جرير بن عبد الله البجلي. وتقدم في صحيح مسلم أن هذه السرية كانوا عشرين فارسًا من الأنصار. وأما قوله: فكره الله سمل الأعين، فإنه منكر. وقد تقدم في صحيح مسلم أنهم سملوا أعين الرعاء، فكان ما فعل بهم قصاصًا، والله أعلم".
والعجب لابن كثير، يظن فائدة فيما لا فائدة فيه، فإن أمير هذه السرية، كان، ولا شك، كرز ابن جابر الفهري، ولم يرو أحد أن أميرها كان جرير بن عبد الله البجلي، إلا في هذا الخبر المنكر.
١١٨١٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة بن الزبير= ح، وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم، وسعيد بن عبد الرحمن وابن سمعان، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أغار ناس من عرينة على لِقَاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستاقوها وقتلوا غلامًا له فيها، فبعث في آثارهم، فأخِذوا، فقطع أيديهم وأرجلهم وَسَمل أعينهم. (١)
(١) الأثر: ١١٨١٢-"أبو الأسود"، "محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي"، هو"يتيم عروة" ثقة. سلف برقم: ٢٨٩١، ١١٥١٠.
"يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب"، ثقة، مستقيم الحديث. مترجم في التهذيب.
و"سعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حميل الجمحي"، قاضي بغداد. ثقة، قال أحمد: "ليس به بأس، وحديثه مقارب". وقال ابن أبي عدي: "له غرائب حسان، وأرجو أنها مستقيمة، وإنما يهم في الشيء بعد الشيء، فيرفع موقوفًا، ويصل مرسلا، لا عن تعمد". مترجم في التهذيب.
و"ابن سمعان"، هو"عبد الله بن سليمان بن سمعان المخزومي"، وهو ضعيف كذاب. سئل مالك عنه فقال: "كذاب". وقال هشام بن عروة (الذي روى عنه هذا الأثر هنا) :"حدث عني بأحاديث، والله ما حدثته بها، ولقد كذب علي". وقد أجمعوا على أنه لا يكتب حديثه، كما قال النسائي.
قال ابن عدي: "أروى الناس عنه ابن وهب، والضعف على حديثه ورواياته بين". أما ابن وهب الراوي عنه هنا، فقد سأله عنه أحمد بن صالح فقال: "ما كان مالك يقول في ابن سمعان؟ "، قال: "لا يقبل قول بعضهم في بعض".
وهذا الخبر الذي رواه الطبري بهذا الإسناد، صحيح، إلا ما كان من ضعف ابن سمعان وتركه، ولذلك رواه النسائي في سننه ٧: ٩٩، ١٠٠، فساق إسناد الطبري ولكنه أغفل ذكر ابن سمعان فقال: "أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح قال، أنبأنا ابن وهب قال. وأخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم وسعيد بن عبد الرحمن، وذكر آخر، عن هشام بن عروة، عن عروة بن الزبير"، فنكر ذكر"ابن سمعان"، لأنه متروك عنده.
وهذا الخبر روي بأسانيد صحاح أخرى مرفوعا إلى عائشة. انظر السنن للنسائي ٧: ٩٩.
١١٨١٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر= أو: عمرو، شك يونس=، عن رسول الله ﷺ بذلك، ونزلت فيهم آية المحاربة. (١)
١١٨١٤ - حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قدم ثمانية نفَرٍ من عُكْلٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلموا، ثم اجتووا المدينة، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها.
(١) الأثر: ١١٨١٣-"عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري"، ثقة حافظ، مضى برقم: ١٣٨٧، ٥٩٧٣، ٦٨٨٩.
و"سعيد بن أبي هلال الليثي المصري"، ثقة، من أتباع التابعين. مضى برقم: ١٤٩٥، ٥٤٦٥. و"أبو الزناد" هو: "عبد الله بن ذكوان القرشي"، قيل إن أباه كان أخا أبي لؤلؤة، قاتل عمر بن الخطاب. ثقة، لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم منه.
و"عبد الله بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب". روى عن عمه عبد الله، وروى عنه أبو الزناد. ثقة. روى له أبو داود والنسائي حديثًا واحدًا، هو هذا الحديث.
وكان في المخطوطة والمطبوعة: "عبد الله بن عبد الله"، وهو خطأ محض.
وأما ما شك فيه يونس من أنه"عبد الله بن عمر بن الخطاب "أو"عبد الله بن عمرو بن العاص"، فشك لا مكان له. والصحيح أنه"عبد الله بن عمر بن الخطاب".
وهذا الحديث رواه أبو داود في سننه ٤: ١٨٦- ١٨٧، رقم ٤٣٦٩، مطولا. ورواه النسائي في سننه ٧: ١٠٠ بمثل رواية أبي جعفر.
ففعلوا، فقتلوا رعاتها، واستاقوا الإبل. فأرسل رسول الله ﷺ في أثرهم قَافَة، (١) فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، (٢) وتركهم فلم يحسِمْهُم حتى ماتوا. (٣)
١١٨١٥ - حدثنا علي قال، حدثنا الوليد قال، حدثني سعيد، عن قتادة، عن أنس قال: كانوا أربعة نفرٍ من عرينة، وثلاثةً من عكل. فلما أتي بهم، قطع أيديهم وأرجلهم، وَسَمل أعينهم، ولم يحسمهم، وتركهم يتلقَّمون الحجارة بالحرَّة، (٤) فأنزل الله جل وعز في ذلك:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله"، الآية. (٥)
١١٨١٦ - حدثني علي قال، حدثنا الوليد، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب: أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة. قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام. (٦)
(١) "القافة" جمع"قائف": وهو الذي يعرف آثار الأقدام ويتبعها."قاف الأثر يقوفه قيافة، واقتافه اقتيافا".
(٢) "حسمه الدم يحسمه حسمًا": أي قطعة بالكي بالنار.
(٣) الأثر: ١١٨١٤- هذا الخبر رواه أحمد في مسند أنس من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة الجرمي ٣: ١٩٨، من طريق أبي جعفر نفسها، وفيه"قتلوا رعاتها- أو رعاءها"، وفيه زيادة"ولم يحسمهم حتى ماتوا، وسمل أعينهم".
ورواه البخاري في صحيحه من طريق أيوب، عن أبي قلابة (الفتح ١: ٢٨٩/٦: ١٠٨/٧: ٣٥٢/١٢: ٩٩)، ورواه أيضا من طريق أبي رجاء مولى أبي قلابة، عن أنس (الفتح ٨: ٢٠٦) واستوفى الحافظ الكلام في شرحه وبيانه.
ورواه مسلم في صحيحه من طرق ١١: ١٥٣- ١٥٧.
ورواه أبو داود في سننه ١: ١٨٥، ١٨٦ من طرق.
ورواه النسائي في سننه من طرق ٧: ٩٣- ٩٥.
(٤) "يتلقمون الحجارة": أي يضعون الحجارة في أفواههم من العطش، كي تستدر الريق. وجاء مفسرًا في ألفاظ الحديث الأخرى. قال أنس: "فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشًا". يقال: "لقم الطعام وتلقمته والتقمه".
(٥) الأثر: ١١٨١٥- انظر الأثرين السالفين رقم: ١١٨٠٨، ١١٨٠٩.
(٦) الأثر: ١١٨١٦- انظر سنن النسائي ٧: ٩٨، وقول أمير المؤمنين عبد الملك لأنس وهو يحدثه حديث العرنيين: "بكفر أو بذنب؟ "، فقال أنس: "بكفر". وسيأتي هذا الخبر مطولا، وقول أبي جعفر فيه، وتخريجه هناك برقم: ١١٨٥٤.
١١٨١٧ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا"، قال: أنزلت في سُودان عرينة. قال: أتوا رسول الله ﷺ وبهم الماءُ الأصفر، فشكوا ذلك إليه، فأمرهم فخرجوا إلى إبل رسول الله ﷺ من الصدقة، فقال: اشربوا من ألبانها وأبوالها! فشربوا من ألبانها وأبوالها، حتى إذا صَحُّوا وبرأوا، قتلوا الرعاة واستاقوا الإبل.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال: أنزل الله هذه الآية على نبيِّه صلى الله عليه وسلم، معرِّفَه حكمه على من حارب الله ورسوله، (١) وسعى في الأرض فسادًا، بعد الذي كان من فعل رسول الله ﷺ بالعرنيِّين ما فعل.
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك، لأن القِصَص التي قصّها الله جل وعزّ قبلَ هذه الآية وبعدَها، من قَصَص بنى إسرائيل وأنبائهم، فأن يكون ذلك متوسِّطًا، (٢) من تعريف الحكم فيهم وفي نظرائهم، (٣) أولى وأحقّ.
وقلنا: كان نزول ذلك بعد الذي كان من فعلِ رسول الله ﷺ بالعرنيِّين ما فعل، لتظاهر الأخبار عن أصحاب رسول الله ﷺ بذلك.
* * *
وإذ كان ذلك أولى بالآية لما وصفنا، فتأويلها: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل، أنه من قتل نفسًا بغير نفس، أو سعى بفسادٍ في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيي الناس جميعًا= ولقد جاءتهم رُسُلنا
(١) في المطبوعة: "معرفة حكمه"، وهو خطأ.
(٢) "متوسطًا"، منصوب على الحال.
(٣) في المطبوعة: "من يعرف الحكم"، ومثلها في المخطوطة، ولكنها غير منقوطة، ورجحت أن يكون صوابها ما أثبت.
بالبينات ثُمَّ إن كثيًرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون- يقول: لساعون في الأرض بالفساد، وقاتلوا النفوس بغير نفس، وغير سعي في الأرض بالفسادِ حربًا لله ولرسوله= فمن فعل ذلك منهم، يا محمد، فإنما جزاؤه: أن يقتَّلوا، أو يصلَّبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض.
* * *
فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن تكون الآية نزلت في الحال التي ذكرتَ: من حال نقض كافرٍ من بني إسرائيل عهدَه= ومن قولك إن حكم هذه الآية حكم من الله في أهل الإسلام، (١) دون أهل الحرب من المشركين؟
قيل: جازَ أن يكون ذلك كذلك، لأن حكم من حارب الله ورسوله وسَعى في الأرض فسادًا من أهل ذمَّتنا وملَّتنا واحد. والذين عنوا بالآية، كانوا أهل عهد وذِمَّة، وإن كان داخلا في حكمها كل ذمِّي وملِّي، وليس يَبْطُل بدخول من دخل في حكم الآية من الناس، أن يكون صحيحًا نزولها فيمن نزلت فيه.
* * *
وقد اختلف أهل العلم في نسخ حكم النبي ﷺ في العرنيين.
فقال بعضهم: ذلك حكم منسوخ، نسخَه نهيُه عن المثلة بهذه الآية= أعني بقوله:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا" الآية. وقالوا: أنزلت هذه الآية عِتابًا لرسول الله ﷺ فيما فعل بالعُرَنيين.
* * *
وقال بعضهم: بل فِعْلُ النبيِّ ﷺ بالعرنيين، حكمٌ ثابت في نظرائهم أبدًا، لم ينسخ ولم يبدّل. وقوله:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" الآية، حكمٌ من الله فيمن حارب وسَعى في الأرض فسادًا بالحِرَابة. (٢)
قالوا:
(١) قوله: "ومن قولك"، الواو واو الحال، يعني: كيف يجوز ذلك، وأنت تقول كذا وكذا.
(٢) "الحرابة" (بكسر الحاء) مصدر مثل"العبادة" و"الرعاية" و"التجارة"، يراد به معنى: "المحاربة لله ورسوله، والسعي في الأرض فسادًا". وهو مصدر من قولهم: "حربه" أي سلبه وأخذ ماله وتركه بلا شيء. وليس مصدر"حارب"، فإن مصدر ذلك"محاربة وحرابًا"مثل"قاتل مقاتلة وقتالا". وهذا اللفظ على كثرة دورانه في كتب الأئمة لم يرد له ذكر في كتب اللغة، كأنهم عدوه مما استعمله الفقهاء، ولم تأت به رواية اللغة. وهو، إن شاء الله، عربي صحيح البناء.
والعرنيون ارتدُّوا، وقتلوا، وسرقوا، وحاربوا الله ورسوله، فحكمهم غير حكم المحارب الساعي في الأرض بالفساد من أهل الإسلام أو الذمة. (١)
* * *
وقال آخرون: لم يسمُل النبي ﷺ أعين العرنيِّين، ولكنه كان أراد أن يسمُل، فأنزل الله جل وعز هذه الآية على نبيه، يعرِّفه الحكم فيهم، ونهاه عن سمل أعينهم.
ذكر القائلين ما وصفنا:
١١٨١٨ - حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال: ذاكرت اللَّيث بن سعد ما كان من سَمْل رسول الله ﷺ أعيُنهم، وتركه حَسْمهم حتى ماتوا، فقال: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ معاتبةً في ذلك، وعلَّمه عقوبة مثلهم: من القطع والقتل والنفي، ولم يسمل بعدَهم غيرَهم. قال: وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو، (٢) فأنكر أن تكون نزلت معاتبة، وقال: بَلَى، (٣) كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، فرفع عنهم السمل.
١١٨١٩ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتي بهم= يعني العرنيين= فأراد أن يسمُل أعينهم، فنهاه الله عن ذلك، وأمره أن يقيم فيهم الحدود، كما أنزلها الله عليه. (٤)
* * *
(١) في المطبوعة: "الإسلام والذمة"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) "أبو عمرو" يعني الأوزاعي.
(٣) "بلى" استعملها هنا جوابًا في غير جحد سبقها. وقد سلفت قبل ذلك، انظر ما سلف ص ٩٨: تعليق: ٤.
(٤) انظر الاختلاف في نسخ هذه الآية في"الناسخ والمنسوخ" لأبي جعفر النحاس: ١٢٣- ١٢٨، فهو فصل مهم.
واختلف أهل العلم في المستحق اسم"المحارب لله ورسوله"، الذي يلزمه حكمُ هذه. فقال بعضهم: هو اللص الذي يقطَع الطريق.
ذكر من قال ذلك:
١١٨٢٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة وعطاء الخراساني في قوله:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا" الآية، قالا هذا، اللص الذي يقطع الطريق، (١) فهو محارب.
* * *
وقال آخرون: هو اللص المجاهر بلصوصيته، المكابرُ في المصر وغيره. (٢)
وممن قال ذلك الأوزاعي.
١١٨٢١ - حدثنا بذلك العباس، عن أبيه عنه. (٣)
* * *
=وعنه، وعن مالك، والليث بن سعد، وابن لهيعة.
(١) في المطبوعة: "هذا هو اللص"، زيادة لا خير فيها، زادها من نفسه.
(٢) في المخطوطة: "المكاثر" بالثاء المثلثة. والذي في المطبوعة هو الصواب: "كابره على حقه" جاحده وغالبه عليه. و"إنه لمكابر عليه"، إذا أخذ منه عنوة وقهرًا. وهي كثيرة في كتاب الأم للشافعي في هذا الموضع من باب الفقه. انظر الأم ٦: ١٤٠، وغيرها.
(٣) الأثر: ١١٨٢١-"العباس"، يعني"العباس بن الوليد بن مزيد العذري الآملي البيروتي"، شيخ أبي جعفر، مضى برقم: ٨٩١.
وأبوه: "الوليد بن مزيد العذري البيروتي". روى عن الأوزاعي، وروى عنه ابنه العباس. ويروى عن الأوزاعي أنه قال: "ما عرض علي كتاب أصح من كتب الوليد بن مزيد". مترجم في التهذيب.
وكان في المخطوطة هنا: "حدثنا بذلك العباس، عن أبيه وعنه عن مالك والليث... "، وهو خطأ لا شك. فإن"الوليد بن مزيد" لم تذكر له رواية عن مالك أو الليث أو ابن لهيعة. والذي رواه عنهم هو: "الوليد بن مسلم" الآتي في الآثار التالية. فمن أجل ذلك صح بعض ما في المطبوعة، وصححت ما تركه. ففي المطبوعة: "... عن أبيه، عنه وعن مالك... "، فجعلته: "وعنه وعن مالك... " لأنه سيروي في ذلك قول الأوزاعي أيضا من طريق الوليد بن مسلم برقم: ١١٨٢٤، كما سيأتي. واستقام بذلك الكلام.
١١٨٢٢ - حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس: تكونُ محاربةٌ في المصر؟ قال: نعم، والمحارب عندنا من حمل السلاح على المسلمين في مصرٍ أو خلاء، فكان ذلك منه على غير نائرة كانت بينهم ولا ذَحْل ولا عداوة، (١) قاطعًا للسبيل والطريق والديار، مخيفًا لهم بسلاحه، فقتل أحدًا منهم، قتله الإمام كقِتْلة المحارب، (٢) ليس لوليّ المقتول فيه عَفْوٌ ولا قَوَد.
١١٨٢٣ - حدثني علي قال، حدثنا الوليد قال: وسألت عن ذلك الليث بن سعد وابن لهيعة، قلت تكون المحاربة في دُور المصر والمدائن والقُرى؟ فقالا نعم، إذا هم دخَلوا عليهم بالسيوف عَلانيةً، أو ليلا بالنيران. (٣) قلت: فقتلوا أو أخذُوا المال ولم يقتلوا؟ فقال: نعم هم المحاربون، فإن قَتَلوا قُتِلوا، وإن لم يَقْتُلوا وأخذوا المال، قُطِعوا من خلاف إذا هم خرجوا به من الدّار، ليس من حارب المسلمين في الخَلاء والسبيل، بأعظم محاربةً مِمَن حاربهم في حَرِيمهم ودورهم!
١١٨٢٤ - حدثني علي قال، حدثنا الوليد قال، قال أبو عمرو: (٤) وتكون المحاربة في المصر، شَهَر على أهله بسلاحه ليلا أو نهارًا= قال علي، قال الوليد: وأخبرني مالك: أن قتل الغِيلة عنده بمنزلة المحاربة. قلت: وما قتل الغِيلَة؟ قال: هو الرجل يخدَع الرَّجل والصبيَّ، فيدخِلُه بيتًا أو يخلُو به، فيقتله، ويأخذ ماله. فالإمام وليّ قتل هذا، وليس لولي الدم والجرح قَوَد ولا قصاص.
* * *
=وهو قول الشافعي.
١١٨٢٥- حدثنا بذلك عنه الربيع.
* * *
(١) "النائرة": الفتنة الحادثة في عداوة وشحناء، و"نار الحرب" و"نائرتها": شرها وهيجها. و"الذحل": الثأر.
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "كقتله المحارب"، والمخطوطة غير منقوطة، فهذا صواب قراءتها. و"القتلة": هيأة القتل.
(٣) قوله"قلت" هنا، ليست في المخطوطة، وزادها الناشر الأول، وأحسن في فعله.
(٤) "الوليد بن مسلم"، و"أبو عمرو" هو: الأوزاعي، انظر التعليق السالف ص: ٢٥٤، رقم: ٣.
وقال آخرون:"المحارب"، هو قاطع الطريق. فأما"المكابر في الأمصار"، (١) فليس بالمحارب الذي له حكم المحاربين. وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه.
١١٨٢٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا بشر بن المفضل، عن داود بن أبي هند، قال: تذاكرنا المحاربَ ونحن عند ابن هبيرة، في أناس من أهل البصرة، فاجتمع رأيهم: أن المحارب ما كان خارجًا من المصر.
* * *
وقال مجاهد بما:-
١١٨٢٧ - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا" قال: الزنا، والسرقة، وقتل الناس، وإهلاك الحرث والنسل.
١١٨٢٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد:"ويسعون في الأرض فسادًا" قال:"الفساد"، القتل، والزنا، والسرقة.
وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال:"المحارب لله ورسوله"، من حارب في سابلة المسلمين وذِمَّتهم، والمغير عليهم في أمصارهم وقراهم حِرَابة. (٢)
وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال بالصواب، لأنه لا خلاف بين الحجة أن من نصب حربًا للمسلمين على الظلم منه لهم، أنه لهم محارب، ولا خلاف فيه. فالذي وصفنا صفته، لا شك فيه أنه لهم نَاصبٌ حربًا ظلمًا. وإذ كان ذلك كذلك، فسواء كان نصبه الحربَ لهم في مصرهم وقُراهم، أو في سُبلهم وطرقهم: في أنه لله ولرسوله محارب، بحربه من نَهَاه الله ورسوله عن حربه.
* * *
(١) انظر تفسير"المكابر" فيما سلف قريبًا ص: ٢٥٤، تعليق: ٢.
(٢) انظر ما قلته في"الحرابة" فيما سلف ص: ٢٥٢، تعليق: ٢.
وأما قوله:"ويسعون في الأرض فسادًا"، فإنه يعني: ويعملون في أرض الله بالمعاصي: من إخافة سُبُل عباده المؤمنين به، أو سُبُل ذمتهم، وقطعِ طرقهم، وأخذ أموالهم ظلمًا وعدوانًا، والتوثُّب على حرمهم فجورًا وفُسُوقًا. (١)
* * *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما للذي حاربَ الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، من أهل ملة الإسلام أو ذمتهم- إلا بعض هذه الخلال التي ذكرها جل ثناؤه.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في هذه الخلال، أتلزم المحاربَ باستحقاقه اسم"المحاربة"، أم يلزمه ما لزمه من ذلك على قدر جُرْمه، مختلفًا باختلاف أجرامه؟
[فقال بعضهم: تجب على المحارب العقوبة على قدر استحقاقه، ويلزمه ما لزمه من ذلك على قدر جُرْمه، مختلفًا باختلاف أجرامه]. (٢)
ذكر من قال ذلك:
١١٨٢٩ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"إنما جزاء الذين يحاربون الله
(١) انظر تفسير"الفساد في الأرض" فيما سلف ص: ٢٣٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) هذه الزيادة بين القوسين، لا بد منها، فإن أبا جعفر سيذكر هذا القول، والقول الآخر، فيما اختلفوا فيه. ومن دأبه أن يصدر كل قول قاله العلماء بترجمة قولهم. فسقط من هذا الموضع ترجمة هذا الباب، فاستظهرتها من سؤاله السالف، ومن معنى الآثار التالية، ومن ترجيح أبي جعفر بين هذين التأويلين فيما سيأتي ص: ٢٦٤، والظاهر أن الناسخ سها، واختلط عليه ختام جملة بختام جملة أخرى، فأسقط الترجمة.
ورسوله" إلى قوله:"أو ينفوا من الأرض"، قال: إذا حارب فقتَل، فعليه القتل إذا ظُهِر عليه قبْلَ توبته. (١) وإذا حارب وأخذ المال وقتل، فعليه الصَّلب إن ظُهِر عليه قبل توبته. وإذا حارب وأخذ ولم يقتل، فعليه قطعُ اليدِ والرجل من خلافٍ إن ظُهِر عليه قبل توبته. وإذا حارب وأخاف السبيل، فإنما عليه النّفي.
١١٨٣٠ - حدثنا ابن وكيع وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن حماد، عن إبراهيم:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" قال: إذا خرج فأخاف السبيل وأخذ المال، قُطعت يده ورجله من خِلافٍ. وإذا أخاف السبيلَ، ولم يأخذ المال وقتل، صُلب.
١١٨٣١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم -فيما أرى - في الرجل يخرج محاربًا، قال: إن قطع الطريق وأخذ المال، قطعت يدُه ورجله. وإن أخذ المال وقَتل، قُتل، وإن أخذ المال وقَتَل ومثَّل، صُلب.
١١٨٣٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" الآية، قال: إذا قتل وأخذ المال وأخاف السبيل، صُلب. وإذا قتل لم يعدُ ذلك، قُتل. إذا أخذ المالَ لم يعدُ ذلك، قُطِع. وإذا كان يُفْسد نُفي.
١١٨٣٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سماك، عن الحسن:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" إلى قوله:"أو ينفوا من الأرض" قال: إذا أخافَ الطريق ولم يَقتُل ولم يأخذ المال، نُفي.
١١٨٣٤ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن حصين قال: كان يقال: من حارب فأخاف السبيل وأخذ المال ولم يقتُل،
(١) "ظهر عليه" (بالبناء للمجهول) : أي غلب فأخذ.
قطِعت يده ورجله من خلاف. وإذا أخذ المال وقَتَل، صُلب.
١١٨٣٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: أنه كان يقول في قوله:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" إلى قوله:"أو ينفوا من الأرض"، حدودٌ أربعة أنزلها الله. فأما من أصاب الدم والمال جميعًا، صلب. وأما من أصاب الدم وكفّ عن المال، قُتل. ومن أصاب المال وكفَّ عن الدم، قُطع. ومن لم يصب شيئًا من هذا، نفي.
١١٨٣٦ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: نهى الله نبيَّه عليه السلام عن أن يسمل أعينَ العرنيين الذين أغاروا على لِقَاحه، وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنزلها الله عليه. فنظر إلى من أخذ المال ولم يقتل، فقطَع يدَه ورجلَه من خلاف، يدَه اليمنى ورجلَه اليسرى. ونظر إلى من قتل ولم يأخذ مالا فقَتَله. ونظر إلى من أخذ المال وقتل، فصلبه. وكذلك ينبغي لكل من أخاف طريقَ المسلمين وقَطَع، أن يصنع به إن أخِذ وقد أخَذ مالا قطعت يده بأخذِه المال، ورجلُه بإخافة الطريق. وإن قَتَل ولم يأخذ مالا قُتِل، وإن قتل وأخذ المال، صُلِب.
١١٨٣٧ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا فضيل بن مرزوق قال: سمعت السدي يسأل عطيّة العوفيّ، عن رجل محاربٍ، خرج فأخذ ولم يصبْ مالا ولم يهرق دمًا. قال: النفي بالسيف، (١) وإن أخذ مالا فيده بالمال، ورجلُه بما أخاف المسلمين. وإن هو قتل ولم يأخذ مالا قتل. وإن هو قتل وأخذ المال، صُلب= وأكبر ظني أنه قال: تقطع يده ورجله.
١١٨٣٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن عطاء الخراساني وقتادة في قوله:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" الآية،
(١) قوله: "النفي بالسيف"، يعني أن يطارد حتى يخرج من الأرض، حتى يدخلوا مأمنهم وأرضهم، كما سلف في الأثر رقم: ١١٨١٠.
قال: هذا، اللصُّ الذي يقطع الطريقَ، فهو محارب. فإن قتل وأخذ مالا صُلب. وإن قتل ولم يأخذ مالا قُتِل. وإن أخذ مالا ولم يقتل، قطعت يده ورجله. (١) وإن أخِذ قبل أن يفعل شيئا، من ذلك، نفي.
١١٨٣٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن قيس بن سعد، عن سعيد بن جبير قال: من خرج في الإسلام محاربًا لله ورسوله فقتل وأصاب مالا فإنه يقتل ويُصْلَب. ومن قتل ولم يصب مالا فإنه يقتل كما قَتَل. ومن أصاب مالا ولم يقتل، فإنه يُقْطَع من خلاف. وإن أخاف سبيل المسلمين، نُفي من بلده إلى غيره، لقول الله جل وعز:"أو ينفَوا من الأرض".
١١٨٤٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله"، قال: كان ناس يسعون في الأرض فسادًا، وقَتَلوا وقَطَعوا السبيل، فصُلِب أولئك. وكان آخرون حاربُوا واستحلُّوا المال ولم يعدُوا ذلك، فقطعت أيديهم وأرجلهم. وآخرون حارَبوا واعتزَلوا ولم يعدوا ذلك، فأولئك أخْرجوا من الأرض.
١١٨٤١ - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبي هلال. قال، حدثنا قتادة، عن مورِّق العجلي في المحارب قال: إن كان خرج فقتَل وأخذ المال، صُلب. وإن كان قتل ولم يأخذ المالَ، قُتل. وإن كان أخذ المال ولم يقتل، قُطع. وإن كان خرج مُشَاقًا للمسلمين: نُفي.
١١٨٤٢ - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن عطية العوفي، عن ابن عباس قال: إذا خرج المحاربُ وأخاف الطريق وأخذ المال، قطعت يده
(١) في المخطوطة: "وإن قتل ولم يأخذ مالا ولم يقتل قطعت يده ورجله"، وهو خطأ محض، صوابه ما في المطبوعة بلا شك.
ورجله من خلاف. فإن هو خرج فقَتَل وأخذ المال، قطعت يده ورجله من خِلافٍ ثم صُلب. وإن خرج فقَتَل ولم يأخذ المال، قُتِل. وإن أخاف السبيل ولم يقْتُل ولم يأخذ المال، نفي.
١١٨٤٣ - حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، أخبرنا نافع بن يزيد قال، حدثني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي= وعن أبي معاوية، عن سعيد بن جبير في هذه الآية:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا" قالا إن أخاف المسلمين فقَطَع المال ولم يسفك، قُطِع. (١) وإذا سفك دمًا: قتل وصُلب. وإن جمعهما فاقتطع مالا وسفك دمًا، قُطع ثُمّ قتل ثم صلب، كأن الصلب مُثْلَةٌ، وكأن القطع:"السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما"، (٢) وكأن القتل:"النفس بالنفس". وإن امتنع، فإن من الحقّ على الإمام وعلى المسلمين أن يطلُبوه حتى يأخذوه، فيقيموا عليه حكم كتاب الله:"أو ينفوا من الأرض"، من أرض الإسلام إلى أرضِ الكفر.
قال أبو جعفر: واعتلَّ قائلو هذه المقالة لقولهم هذا، بأن قالوا: إن الله أوجبَ على القاتل القوَد، وعلى السارق القَطع. وقالوا: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يحل دَمُ امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خِلال: رجل قتل فقتل، ورجل زنى بعد إحصان فرُجم، ورجل كفر بعد إسلامه". (٣) قالوا: فحظر النبيُ ﷺ قتل رجل مسلم إلا بإحدى هذه الخلال الثلاث. فأما أن يقتل من أجل إخافته السبيل من غير أن يقتل أو يأخذ مالا فذلك تقدُّمٌ على الله ورسوله بالخلافِ عليهما في الحكم. قالوا: ومعنى قول من قال:"الإمام فيه بالخيار، إذا قَتَل وأخاف السبيل وأخذ المال"، فهنالك خيار الإمام في قولهم بين القتل، أو
(١) في المطبوعة: "فاقتطع المال"، وأثبت ما في المخطوطة، وهما بمعنى واحد.
(٢) في المخطوطة: "وكان السارق والسارقة... "، والصواب ما في المطبوعة. وهذا والذي بعده تضمين لآيتي الحكمين: في السرقة وقتل النفس.
(٣) هذا حديث صحيح متفق على معناه، رواه بغير إسناده. انظر مسلم ١١: ١٦٤، ١٦٥.
القتل والصلب، أو قطع اليد والرجل من خلاف. وأما صلبه باسم المحاربة، من غير أن يفعل شيئًا من قتل أو أخذ مال، فذلك ما لم يقله عالم.
* * *
وقال آخرون: الإمام فيه بالخيار: أن يفعل أيَّ هذه الأشياء التي ذكرَها الله في كتابه.
ذكر من قال ذلك:
١١٨٤٤ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن عطاء= وعن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في المحارب: أن الإمام مخير فيه، أيَّ ذلك شاءَ فعل.
١١٨٤٥ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن عبيدة، عن إبراهيم: الإمام مخير في المحارب، أيَّ ذلك شاء فعل. إن شاء قتل، وإن شاء قطع، وإن شاء نفى، وإن شاء صلب.
١١٨٤٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عاصم، عن الحسن في قوله:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله"، إلى قوله:"أو ينفوا من الأرض"، قال: يأخذ الإمام بأيِّها أحب.
١١٨٤٧ - حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم، عن الحسن:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" قال: الإمام مخيَّرٌ فيها.
١١٨٤٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، مثله.
١١٨٤٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن قيس بن سعد قال، قال عطاء: يصنع الإمام في ذلك ما شاء. إن شاء قتل، أو قطع، أو نَفَى، لقول الله:"أن يقتَّلوا أو يصلبوا أو تقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض"، فذلك إلى الإمام الحاكم، يصنع فيه ما شاء.
١١٨٥٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" الآية، قال: من شَهَر السلاح في قُبّة الإسلام، (١) وأخاف السبيل، ثم ظُفِر به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجلَه.
١١٨٥١ - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو أسامة قال، أخبرنا أبو هلال قال، أخبرنا قتادة، عن سعيد بن المسيب: أنه قال في المحارب: ذلك إلى الإمام، إذا أخذه يصنع به ما شاء.
١١٨٥٢ - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبي هلال قال، حدثنا هارون، عن الحسن في المحارب قال: ذاك إلى الإمام، يصنع به ما شاء.
١١٨٥٣ - حدثنا هناد قال، حدثنا حفص بن غياث، عن عاصم، عن الحسن:"إنما جزاءُ الذين يحاربون الله ورسوله"، قال: ذلك إلى الإمام.
* * *
قال أبو جعفر: واعتلّ قائلو هذه المقالة بأن قالوا: وجدنا العطوف التي بـ"أو" في القرآن بمعنى التخيير، في كل ما أوجب الله به فرضًا منها، وذلك كقوله في كفارة اليمين: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [سورة المائدة: ٨٩]، وكقوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) [سورة البقرة: ١٩٦]،
(١) في المطبوعة: "في فئة الإسلام"، ولا معنى لها، ولم يحسن قراءة المخطوطة، لأنها غير منقوطة والصواب ما قرأت. و"قبة الإسلام" يعني في ظله، وحيث مستقر سلطانه. ولذلك سموا"البصرة": قبة الإسلام، قال الشاعر:
بَنَتْ قُبَّةَ الإِسْلامِ قَيْسٌ لأَهْلِهَاوَلَوْ لَمْ يُقِيمُوهَا لَطَالَ الْتِوَاؤُهَا
وأصل"القبة": خيمة من أدم مستديرة. وذلك كقولهم أيضا: "دار الإسلام" بهذا المعنى الذي بينته.
وكقوله: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) [سورة المائدة: ٩٥]. قالوا: فإذا كانت العُطوفُ التي بـ"أو" في القرآن، في كل ما أوجب الله به فرضًا منها في سائر القرآن، بمعنى التخيير، فكذلك ذلك في آية المحاربين= الإمام مخير فيما رأى الحكم به على المحارب إذا قَدَر عليه قبل التوبة.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا، تأويلُ من أوجب على المحارب من العقوبة على قدر استحقاقه، وجعل الحكم على المحاربين مختلِفًا باختلاف أفعالهم. فأوجب على مُخيف السبيل منهم= إذا قُدِر عليه قبل التوبة، وقبل أخذ مالٍ أو قتل= النفيَ من الأرض. وإذا قُدر عليه بعد أخذ المال وقتل النفس المحرم قتلُها= الصلب، لما ذكرت من العلة قبل لقائلي هذه المقالة.
* * *
فأما ما اعتلّ به القائلون: إنّ الإمام فيه بالخيار، من أن"أو" في العطف تأتي بمعنى التخيير في الفرض، فقولٌ لا معنى له، (١) لأن"أو" في كلام العرب قد تأتي بضروب من المعاني، لولا كراهة إطالة الكتاب بذكرها لذكرتها، وقد بينت كثيرًا من معانيها فيما مضى، وسنأتي على باقيها فيما يستقبل في أماكنها إن شاء الله. (٢)
=فأما في هذا الموضع، فإن معناها التعقيب، وذلك نظير قول القائل:"إن
(١) في المطبوعة: "فنقول: لا معنى له". وهو كلام متهالك، صوابه ما في المخطوطة.
(٢) انظر ما سلف ١: ٣٣٦، ٣٣٧/٢: ٢٣٥- ٢٣٧/٤: ٧٥، ٧٦/٦: ٥١٣/٧: ١٩٤.
جزاء المؤمنين عند الله يوم القيامة أن يدخلهم الجنة، أو يرفع منازلهم في علِّيين، أو يسكنهم مع الأنبياء والصديقين"، فمعلوم أن قائل ذلك غير قاصد بقيله إلى أن جزاء كل مؤمن آمن بالله ورسوله، فهو في مرتبة واحدة من هذه المراتب، ومنزلة واحدة من هذه المنازل= بإيمانه، بل المعقول عنه أن معناه: أن جزاء المؤمن لن يخلُو عند الله عز ذكره من بعض هذه المنازل. فالمقتصد منزلته دون منزلة السابق بالخيرات، والسابق بالخيرات أعلى منه منزلة، والظالم لنفسه دونهما، (١)
وكلٌّ في الجنة كما قال جل ثناؤه: (جنات عدن يدخلونها) [سورة فاطر: ٣٣]. فكذلك معنى العطوف بـ"أو" في قوله:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله"، الآية، إنما هو التعقيب.
فتأويله: إن الذي يحارب الله ورسوله ويسعى في الأرض فسادًا، لن يخلو من أن يستحق الجزاءَ بإحدى هذه الخلال الأربع التي ذكرها الله عز ذكره= لا أن الإمام محكم فيه ومخيَّرٌ في أمره= كائنةً ما كانت حالته، عظمت جريرته أو خفَّتْ، (٢) لأن ذلك لو كان كذلك، لكان للإمام قتل من شَهر السلاح مخيفًا السبيلَ وصلْبُه، وإن لم يأخذ مالا ولا قتل أحدًا، وكان له نفيُ من قَتَل وأخذَ المال وأخافَ السبيل. وذلك قولٌ إن قاله قائل، خلافُ ما صحّت به الآثار عن رسول الله ﷺ من قوله:"لا يحل دَمُ امرئ ٍمسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل قتل رجلا فقتل به، أو زنى بعد إحصان فرجم، أو ارتَدّ عن دينه" (٣) =وخلاف قوله:
(١) اقرأ آية"سورة فاطر": ٣٢ ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
(٢) في المطبوعة: "وعظمت" بواو لا مكان لها هنا.
(٣) انظر تخريج هذا الخبر فيما سلف قريبًا ص: ٢٦١، تعليق: ٣.
"القطعُ في رُبْع دينارٍ فصاعدًا"، (١) وغيرُ المعروف من أحكامه. (٢)
* * *
فإن قال قائل: فإن هذه الأحكام التي ذكرتَ، كانت عن رسول الله ﷺ في غير المحارب، وللمحارب حكم غير ذلك منفرد به.
قيل له: فما الحكم الذي انفرد به المحارب في سننه؟
فإن ادَّعى عنه ﷺ حكمًا خلاف الذي ذكرنا، أكذبه جميعُ أهل العلم، لأن ذلك غير موجود بنقلِ واحدٍ ولا جماعة.
وإن زعم أن ذلك الحكم هو ما في ظاهر الكتاب، قيل له: فإن أحسن حالاتك إن سُلِّم لك، (٣) أن ظاهر الآية قد يحتمل ما قلت وما قاله من خالفك =فما برهانك على أنّ تأويلك أولى بتأويل الآية من تأويله؟
وبعد، فإذ كان الإمام مخيَّرًا في الحكم على المحارب، من أجل أنّ"أو" بمعنى التخيير في هذا الموضع عندك، أفله أن يصلبه حيًّا، ويتركه على الخشبة مصلوبًا حتى يموت من غير قتله.
فإن قال:"ذلك له"، خالف في ذلك الأمة.
وإن زعم أنَّ ذلك ليس له، وإنما له قتله ثم صلبه، أو صلبه ثم قتله= ترك علّته من أنّ الإمام إنما كان له الخيار في الحكم على المحارب من أجل أن"أو" تأتي بمعنى التخيير.
وقيل له: فكيف كان له الخيار في القتل أو النفي أو القطع، ولم يكن له الخيار في الصلب وحده، حتى تجمع إليه عقوبة أخرى؟
(١) هذا خبر مجمع عليه في الصحاح، انظر فتح الباري ١٢: ٨٩- ٩١، وسيأتي تخريجه برقم: ١١٩١٢.
(٢) قوله: "وغير المعروف من أحكامه"، معطوف على ما سلف: "وذلك قول إن قاله قائل: خلاف ما صححت به الآثار عن رسول الله... ".
(٣) في المطبوعة: "أن يسلم لك"، غير ما في المخطوطة، وهو محض الصواب.
وقيل له: هل بينك وبين من جعل الخيار حيث أبيت، وأبى ذلك حيث جعلته له= فرقٌ من أصلٍ أو قياس؟ (١) فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم الآخر مثله.
* * *
وقد روي عن رسول الله ﷺ بتصحيح ما قلنا في ذلك، بما في إسناده نظر، وذلك ما"-
١١٨٥٤ - حدثنا به علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب: أنّ عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة. قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابُوا الفرجَ الحرام. قال أنس: فسأل رسول الله ﷺ جبريل عليه السلام عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سَرَق وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته، ورجلَه بإخافته. ومن قتل فاقتله. ومن قتل وأخاف السبيل واستحلَّ الفرج الحرام، فاصلبه. (٢)
* * *
(١) السياق: "هل بينك وبين من جعل الخيار.... فرق من أصل أو قياس".
(٢) الأثر: ١١٨٥٤-"الوليد بن مسلم الدمشقي القرشي"، ثقة حافظ متقن، من شيوخ أحمد سلفت ترجمته مرارًا منها: ٢١٨٤، ٦٦١١.
"ابن لهيعة" هو: "عبد الله بن لهيعة"، تكلموا فيه كثيًرا، ووثقه أخي السيد أحمد فيما سلف رقم: ١٦٠، ٢٩٤١، وبعضهم يقول: "لا يحتج بحديثه".
و"يزيد بن أبي حبيب المصري"، ثقة أخرج له الجماعة، مضى برقم: ٤٣٤٨، ٥٤١٨، ٥٤٩٣.
وعلة هذا الخبر، ضعف ابن لهيعة، عند من يرى ضعفه وترك الاحتجاج بحديثه. ثم إن يزيد بن أبي حبيب لم يدرك أن يسمع من أنس، ولم يذكر أنه سمع منه.
وقد مضى صدر هذا الخبر فيما سلف برقم: ١١٨١٦، فانظر التعليق عليه هناك. وسيأتي في الأثر: ١١٨٨٥، أن رواية يزيد بن أبي حبيب لهذا الخبر، عن كتاب أنس بن مالك إلى عبد الملك بن مروان.
وأما قوله:"أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف"، فإنه يعني به جل ثناؤه: أنه تقطع أيديهم مخالِفًا في قطعها قَطْع أرجلهم. وذلك أن تقطع أيْمُن أيديهم، وأشمُلُ أرجلهم. فذلك"الخلاف" بينهما في القطع.
ولو كان مكان"من" في هذا الموضع"على" أو"الباء"، فقيل:"أو تقطع أيديهم وأرجلهم على خلاف= أو: بخلاف"، لأدَّيا عما أدّت عنه"من" من المعنى.
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى"النفي" الذي ذكر الله في هذا الموضع.
فقال بعضهم: هو أن يطلب حتى يقدر عليه، أو يهرب من دار الإسلام.
ذكر من قال ذلك:
١١٨٥٥ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"أو ينفوا من الأرض"، قال: يطلبهم الإمام بالخيل والرّجال حتى يأخذهم فيقيم فيهم الحكم، أو ينفوا من أرض المسلمين.
١١٨٥٦ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال، نفيُه: أن يطلب.
١١٨٥٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"أو ينفوا من الأرض"، يقول: أو يهربوا حتى يخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب.
١١٨٥٨ - حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرني عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن كتاب أنس بن مالك إلى عبد الملك بن مروان: أنه كتب إليه:"ونفيه، أن يطلبه الإمام حتى يأخذه، فإذا أخذه أقام عليه إحدى هذه المنازل التي ذكر الله جل وعز بما استحل". (١)
(١) الأثر: ١١٨٥٨- انظر التعليق السالف على الأثر: ١١٨٥٤.
١١٨٥٩ - حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد قال: فذكرت ذلك لليث بن سعد فقال: نفيُه، طلبُه من بلد إلى بلد حتى يؤخذ، أو يخرجه طلبُه من دار الإسلام إلى دار الشرك والحرب، إذا كان محاربًا مرتدًّا عن الإسلام= قال الوليد: وسألت مالك بن أنس، فقال مثله.
١١٨٦٠ - حدثني علي قال، حدثنا الوليد قال: قلت لمالك بن أنس والليث بن سعد: وكذلك يطلب المحاربُ المقيم على إسلامه، يضطرّه بطلبه من بلد إلى بلد حتى يصير إلى ثغر من ثغور المسلمين أو أقصى حَوْزِ المسلمين، (١) فإن هم طلبوه دخل دار الشرك؟ قالا لا يُضْطَرّ مسلم إلى ذلك.
١١٨٦١ - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك:"أو ينفوا من الأرض" قال: أن يطلبوه حتى يعجزوا.
١١٨٦٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول، فذكر نحوه.
١١٨٦٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث، عن عاصم، عن الحسن:"أو ينفوا من الأرض"، قال: ينفى حتى لا يُقْدَر عليه.
١١٨٦٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله:"أو ينفوا من الأرض"، قال: أخرجوا من الأرض. أينما أدركوا أخْرجوا حتى يلحقوا بأرض العدّو.
١١٨٦٥ - حدثنا الحسن قال، حدثنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر،
(١) في المطبوعة: "حتى يصير إلى ثغر من ثغور المسلمين أو أقصى جوار المسلمين" وصواب ذلك"حتى"، و"أو أقصى حوز المسلمين"، كما في المخطوطة.
و"الحوز" من الأرض (بفتح فسكون) : أن يتخذها رجل، ويبين حدودها فيستحقها، فلا يكون لأحد حق معه، فذلك"الحوز". ومنه"حوز الدار"، ومنه أيضًا"حوزة الإسلام"، أي حدوده ونواحيه، وفي الحديث: "فحمى حوزة الإسلام".
عن الزهري في قوله:"أو ينفوا من الأرض"، قال: نفيه: أن يُطلب فلا يُقْدر عليه، كلَّما سُمع به في أرض طُلِب.
١١٨٦٦ - حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرني سعيد، عن قتادة:"أو ينفوا من الأرض"، قال: إذا لم يَقْتُل ولم يأخذ مالا طُلب حتى يُعْجِز.
١١٨٦٧ - حدثني ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، أخبرني نافع بن يزيد قال، حدثني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي= وعن أبي معاوية، عن سعيد بن جبير:"أو ينفوا من الأرض"، من أرض الإسلام إلى أرض الكفر.
* * *
وقال آخرون: معنى"النفي" في هذا الموضع: أن الإمام إذا قدر عليه نفاه من بلدته إلى بلدةٍ أخرى غيرها.
ذكر من قال ذلك:
١١٨٦٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد، عن سعيد بن جبير:"أو ينفوا من الأرض"، قال: من أخاف سبيل المسلمين، نُفي من بلده إلى غيره، لقول الله جل وعز:"أو ينفوا من الأرض".
١١٨٦٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني يزيد بن أبي حبيب وغيره، عن حيَّان بن سُرَيج: أنه كتب إلى عمر بن عبدْ العزيز في اللصوص، ووصف له لصوصيتهم، وحبَسهم في السجون، قال: قال الله في كتابه:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خِلاف"، وترك:"أو ينفوا من الأرض". فكتب إليه عمر بن عبد العزيز:"أما بعد، فإنك كتبت إليّ تذكر قول الله جل وعزّ:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا
أن يقتّلوا أو يصِلَّبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ"، وتركت قول الله:"أو ينفوا من الأرض"، فنبيٌّ أنت، يا حيّان!! لا تحرّك الأشياء عن مواضِعها، أتجرَّدت للقتل والصَّلب كأنك عبدُ بني عقيل، (١) من غير ما أُشبِّهك به؟ إذا أتاك كتابي هذا، فانفهم إلى شَغْبٍ".
١١٨٧٠ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني الليث، عن يزيدَ وغيره، بنحو هذا الحديث= غير أن يونس قال في حديثه:"كأنك عبد بني أبي عقال، (٢) من غير أن أشبهك به".
١١٨٧١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن الصَّلت، كاتب حيَّان بن سُرَيج، أخبرهم: أن حيّان كتب إلى عمر بن عبد العزيز:"أن ناسًا من القبط قامت عليهم البيَّنة بأنهم حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادًا، وأن الله يقول:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا" فقرأ حتى بلغ،"وأرجلهم من خلاف"، وسكت عن النفي. وكتب إليه:"فإن رأى أمير المؤمنين أن يُمْضي قضاءَ الله فيهم، فليكتب بذلك". فلما قرأ عمر بن عبد العزيز كتابه قال: لقد اجتزأ حيان! ثم كتب إليه:"إنه قد بلغني كتابك وفهمته، ولقد اجتزأتَ، كأنما كتبتَ بكتاب يزيد بن أبي مسلم، أو عِلْج صاحبِ العراق، (٣) من غير أن أشبهك بهما، فكتبت
(١) "تجرد للأمر": جد فيه جدا بالغًا، وتفرغ له وشمر فيه، كما يتجرد المرء من ثيابه وينضوها عنه لكيلا تعوقه. يقال: "تجرد فلان للعبادة"، وقال الأخطل:وقال ابن قيس الرقيات:
وَأَطْفَأْتُ عَنِّي نَارَ نُعْمَانَ بَعْدَ مَاأَعَدَّ لأَمْرٍ فَاجِرٍ وَتَجَرَّدَا
تَجَرَّدُوا يَضْرِبُونَ بَاطِلَهُمْبِالحقِّ حَتَّى تَبَيَّنَ الْكَذِبُ
و"عبد بني عقيل"، الصواب أن يقال"عبد بني أبي عقيل"، فإن أبا عقيل، هو جد"الحجاج ابن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود الثقفي". وذلك أن ثقيفا جد الحجاج الأعلى، كان فيما يقولون، هو: "قسى (ثقيف) بن منبه بن النبيت بن منصور بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن إياد بن نزار"، وأنه ليس كما جاء في نسب ثقيف أنه من"مضر بن نزار"، وأن ثقيفًا، فيما يروي عن ابن عباس: كان عبدًا لامرأة نبي الله صالح، فوهبته لصالح، وأنه هو"أبو رغال" الذي يرجم قبره. يقول حسان بن ثابت في هجاء ثقيف (ديوانه: ٣٤١، ٣٤٢) : إِذَا الثَّقَفِيُّ فَاخَرَكُمْ فَقُولُوا:... هَلُمَّ نَعُدُّ أُمَّ أَبِي رِغَالِوفي هذا الشعر زعم حسان أن ثقيفًا كان عبدًا للفرز، وهو سعد بن زيد مناة بن تميم، فقال:وأما هجاء الحجاج بأنه"عبد من إياد"، فيقول مالك بن الريب (الكامل ١: ٣٠٢) :
أَبُوكُمْ أَخْبَثُ الآبَاءِ طُرًّاوأَنْتُمْ مُشْبِهُوهُ عَلَى مِثالِ
عَبِيدُ الْفِزْرِ أَوْرَثَهُمْ بَنِيِهوَآلَى لا يَبِيعُهُمُ بِمَالِ
وَمَا لِكَرَامَةٍ حُبِسُوا، وَلَكِنْأَرَادَ هَوَانَهُمْ أُخْرَى اللَّيَالِي
فَمَاذَا تَرَى الحجَّاجَ يَبْلُغُ جُهْدُهُإِذَا نَحْنُ جَاوَزْنَا حَِيرَ زِيادِ
فَلَوْلا بَنُوا مَرْوَانَ كَانَ ابْنُ يُوسُفٍكَمَا كَانَ، عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ إيَادِ
زَمَانَ هُوَ الْعَبْدُ الْمُقِرُّ بِذِلَّةٍيُرَاوِحُ صِبْيَانَ الْقُرَى وَيُغَادِي
فإن الحجاج كان معلمًا بالطائف، وكان يهجى بذلك. فهذا تفسير"عبد بني أبي عقيل". وكان الحجاج، كما تعلم، مسرفًا في القتل، فلذلك قال عمر رضي الله عنه ما قال.
(٢) لم أجد وجها لقوله: "عبد بن أبي عقال"، فإن جده الذي ينسب إليه هو"أبو عقيل" كما سلف في الأثر الماضي.
(٣) "يزيد بن أبي مسلم"، و"يزيد بن دينار"، من موالي ثقيف، وليس مولى عتاقة، وكان أخا الحجاج من الرضاعة. وكان من أصحاب الحجاج وولاته، وكان يتشبه به في سيرته، وولي العراق وإفريقية. قال ابن عبد الحكم في سيرة عمر بن عبد العزيز: ٣٤، ٣٥: "وكان يظهر التأله، والنفاذ لكل ما أمر به السلطان، مما جل أو صغر، من السيرة بالجور، والمخالفة للحق. وكان في هذا يكثر الذكر والتسبيح، ويأمر بالقوم فيكونون بين يديه يعذبون، وهو يقول: سبحان الله والحمد لله، شد يا غلام موضع كذا وكذا -لبعض مواضع العذاب- وهو يقول: لا إله إلا الله والله أكبر، شد يا غلام موضع كذا وكذا. فكانت حالته شر تلك الحالات".
وكان يزيد يوم استخلف عمر بن عبد العزيز، واليًا على إفريقية، فلم يكد عمر يواري جثة سليمان بن عبد الملك، حتى عجل ودعا بقرطاس ودواة، فكتب ثلاثة كتب، لم يسعه فيما بينه وبين الله عز وجل أن يؤخرها، فأمضاها من فوره. فأخذ الناس يهمزون عمر بن عبد العزيز، لما رأوا من عجلته، فقالوا: "ما هذه العجلة؟ أما كان يصبر إلى أن يرجع إلى منزله؟ هذا حب السلطان! هذا الذي يكره ما دخل فيه!!. ولم يكن بعمر عجلة، ولا محبة لما صار إليه، ولكنه حاسب نفسه، ورأى أن تأخير ذلك لا يسعه. فكان أحد هذه الكتب الثلاثة كتابه بعزل يزيد بن أبي مسلم. (سيرة عمر بن عبد العزيز: ٣٤، ٣٥ / والوزراء للجهشياري: ٤٢).
وأما "علج صاحب العراق" = و"العلج" الرجل من كفار العجم وغيرهم = فإنه يعني الحجاج نفسه وكان واليًا على العراق، وجعله"علجًا"، كأنه مولى من الموالي غليظ، كما سماه عبدا في الأثر السالف.
بأول الآية، ثم سكتَّ عن آخرها، وإن الله يقول:"أو ينفوا من الأرض"، فإن كانت قامت عليهم البينة بما كتبتَ به، فاعقد في أعناقهم حديدًا، ثم غيّبهم إلى شَغْبٍ وبَدَا." (١)
* * *
قال أبو جعفر:"شَغْبٌ و"بَدَا"، موضعان. (٢)
* * *
(١) الآثار: ١١٨٦٩-١١٨٧١-"يزيد بن أبي حبيب المصري"، مضى قريبًا في الأثر رقم: ١١٨٥٤.
وأما "الصلت"، فهو: "الصلت بن أبي عاصم"، ولم أعثر له على ترجمة، ورأيت ذكره في كتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم ص: ٩٠.
وأما "حيان بن سريج المصري"، فكان عاملا لعمر بن عبد العزيز على مصر. ترجم له ابن أبي حاتم ١/٢/ ٢٤٧، والكبير للبخاري ٢/١/٥٢. وضبط"سريج" بالسين غير معجمة، والجيم في المؤتلف لعبد الغني بن سعيد الأزدي المصري ص: ٧٦، وقال ناشر التاريخ الكبير في تعليقه: "وكذا ضبطه ابن ماكولا في الإكمال.... ووقع هنا في الأصل: "شريح".
وكذلك يقع في كثير من الكتب"شريح"، وكذلك كان هنا في المطبوعة في سائر المواضع، أما المخطوطة، فهي غير منقوطة. وتبعت ضبط الحافظ عبد الغني، لأنه مصري، وهو أعلم بأنساب المصريين.
وكان في المطبوعة"حبان" بالباء الموحدة، وهو خطأ محض.
(٢) "شغب" (بفتح فسكون) : منهل بين طريق مصر والشام، و"بدا": واد قرب أيلة، من ساحل البحر، وهما من ديار بني عذرة، يقول كثير:ويقول عبد الله بن السائب:فقال ابنه:
وَأَنْتِ الَّتيِ حَبَّبْتِ شَغْبًا إلَى بَدَاإلَيَّ، وَأَوْطَانِي بِلادٌ سِوَاهُمَا
فَلَمَّا عَلَوْا شَغْبًا تَبَيَّنْتُ أَنَّهُتَقَطَّعَ مِنْ أَهْلِ الحِجَازِ عَلائِقِي
فَلا زِلْنَ حَسْرَى ظُلَّعًا، لِمْ حَمَلْنَنَاإلَى بَلَدٍ نَاءٍ قَلِيلِ الأَصَادِقِ!!
فهذا يؤيد أنها منفى بعيد لأهل الحجاز والشام، كما جاء في هذا الخبر.
وقال آخرون: معنى"النفي من الأرض"، في هذا الموضع: الحبس.
ذكر من روى ذلك عنه:
وهو قول أبى حنيفة وأصحابه.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: معنى"النفي من الأرض"، في هذا الموضع، هو نفيه من بلد إلى بلد غيره، وحبْسُه في السجن في البلد الذي نفي إليه، حتى تظهر توبته من فسوقه، ونزوعه عن معصيته ربَّه.
وإنما قلتُ ذلك أولى الأقوال بالصحة، لأن أهل التأويل اختلفوا في معنى ذلك على أحد الأوجه الثلاثة التي ذكرت. وإذْ كان ذلك كذلك= وكان معلومًا أن الله جل ثناؤه إنما جعل جزاء المحارب: القتلَ أو الصلبَ أو قطعَ اليد والرجل من خلافٍ، بعد القدرة عليه، لا في حال امتناعه= كان معلومًا أنّ النفي أيضًا إنما هو جزاؤه بعد القُدرة عليه، لا قبلها. ولو كان هَرَبه من الطلب نفيًا له من الأرض، (١) كان قطع يده ورجله من خلافٍ في حال امتناعه وحربه على وجه القتال، بمعنى إقامة الحدِّ عليه بعد القدرة عليه. وفي إجماع الجميع أن ذلك لا يقوم مقام نفيه الذي جعله الله عز وجل حدًّا له بعد القدرة عليه، [بطل أن يكون نفيُه من الأرض، هربَهُ من الطلب]. (٢)
وإذْ كان كذلك، فمعلوم أنه لم يبق إلا الوجهان الآخران، وهو النفي من بلدة إلى أخرى غيرها، أو السَّجْن. فإذْ كان كذلك، فلا شك أنه إذا
(١) في المطبوعة: "هروبه"، وفي المخطوطة: "هو به"، و"الهروب" ليس مصدرًا عربيًا، وإن كان قد كثر استعماله في زماننا هذا، وإنما المصدر"الهرب" (بفتحتين)، فالصواب"هربه" كما أثبت.
(٢) هذه الزيادة بين القوسين، زيادة لا بد منها حتى يستقيم الكلام. وقد استظهرتها من كلام أبي جعفر فيما سلف، وما سيأتي بعده.
نُفي من بلدةٍ إلى أخرى غيرها، فلم ينف من الأرض، بل إنما نفي من أرض دون أرض. وإذ كان ذلك كذلك= وكان الله جل ثناؤه إنما أمر بنفيه من الأرض= كان معلومًا أنه لا سبيل إلى نفيه من الأرض إلا بحبسه في بُقْعة منها عن سائرها، فيكون منفيًّا حينئذ عن جميعها، إلا مما لا سبيل إلى نفيه منه.
* * *
وأما معنى"النفي"، في كلام العرب، فهو الطرد، ومن ذلك قول أوس بن حجر:
يُنْفَوْنَ عَنْ طْرُقِ الكِرَامِ كَمَاتَنْفِي المَطَارِقُ مَا بَلِي القَرَدُ (١)
ومنه قيل للدراهم الرديئة وغيرها من كل شيء:"النُّفَاية". (٢) وأما المصدر من"نفيت"، فإنه"النفي""والنَّفَاية"، (٣) ويقال:"الدلو ينفي الماء"، ويقال لما تطاير من الماء من الدلو:"النّفِيُّ"، ومنه قول الراجز: (٤)
(١) شرح المفضليات: ٨٢٧، وليس في ديوان أوس، وهو من شعره، من القصيدة الخامسة التي أولها:
أَبَنِي لُبَيْنَي لَسْتُمُ بِيَدٍإِلا يَدٌ لَيْسِتْ لَهَا عَضُدُ
ويهجوهم، ورواية المفضليات"من طرق الكرام". و"المطارق" جمع"مطرقة" و"مطرق" وهو القضيب الذي يضرب به الصوف أو القطن لينتفش، وينفي منه القرد. و"القرد" (بفتحتين) : ما تمعط من الوبر والصوف وتلبد وانعقدت أطرافه، وهو نفاية الصوف، ثم استعمل فيما سواه من الوبر والشعر والكتان. وقوله: "ما يلي القرد"، أي: ما وليه القرد، من قولهم"وليه يليه"، أي: قاربه ودنا منه. يعني: ما قاربه القرد وباشره ولصق به تعقده.
وكان في المطبوعة: "ما يلي الفردا"، وهو خطأ، ومخالفة للمخطوطة، وهي فيها منقوطة، على خلاف العادة في مثلها.
(٢) "النفاية" هنا (بضم النون)، لا شك في ذلك. انظر التعليق التالي.
(٣) و"النفاية" هنا (بكسر النون)، لأنه عدها مصدرًا، مثل: "رعت الماشية رعيًا ورعاية" (بكسر الراء). هكذا استظهرته. وأما كتب اللغة فلم تذكر في مصادر"نفي" إلا"نفيًا" و"نفيانًا" فهذا مصدر يزاد عليها إن صح له شاهد من الشعر أو الآثار.
(٤) هو الأخيل الطائي.
كأَنَّ مَتْنَيِه مِنَ النَّفِيِّمَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ (١)
ومنه قيل:"نَفىَ شَعَرُه"، إذا سقط، يقال:"حَال لونُك، ونَفىَ شعرُك". (٢)
* * *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"ذلك"، هذا الجزاء الذي جازيت به الذين حاربوا الله ورسولَه، وسعوا في الأرض فسادًا في الدنيا، من قتلٍ أو صلبٍ أو قطع يد ورجل من خلاف="لهم"، يعني: لهؤلاء المحاربين="خزي في الدنيا"، يقول: هو لهم شرٌّ وعار وذلةٌ، ونكال وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة.
* * *
يقال منه:"أخزيتُ فلانًا، فَخَزِي هو خِزْيًا". (٣)
* * *
وقوله:"ولهم في الآخرة عذاب عظيم"، يقول عز ذكره: لهؤلاء الذين حاربوا الله ورسولَه وسعوا في الأرض فسادًا، فلم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا= في
(١) سلف البيت وشرحه وتخريجه في ٣: ٢٢٥/ ٥: ٥٢٣، ولم أشر هناك إلى مجيئه في هذا المكان في التفسير، فأثبته هناك.
(٢) هذا في خبر محمد بن كعب القرظي وعمر بن عبد العزيز لما استخلف فرآه شعثًا قال:
"... وكان عهدنا به بالمدينة أميًرا علينا، حسن الجسم، ممتلئ البضعة، فجعلت أنظر إليه نظرًا، لا أكاد أصرف بصري عنه، فقال: يا ابن كعب، مالك تنظر إلي نظرًا ما كنت تنظره إلي قبل؟ قال فقلت: لعجبي! قال: ومما عجبك؟ فقلت: لما نحل من جسمك، ونفى من شعرك، وتغير من لونك؟ قال: وكيف لو رأيتني بعد ثلاث في قبري، حين تقع عيناي على وجنتي، ويسيل منخري وفمي دودًا وصديدًا، لكنت لي أشد نكرة منك اليوم! ".
"نفى الشعر": ثار وذهب وشعث وتساقط.
(٣) انظر تفسير"الخزي" فيما سلف ٢: ٣١٤، ٥٢٥/٧: ٤٧٩.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ الآية. المحاربة : هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة(١) على الكفر، وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر، حتى قال كثير من السلف، منهم سعيد بن المسيب : إن قرض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض، وقد قال الله تعالى :﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
ثم قال بعضهم : نزلت هذه الآية الكريمة في المشركين، كما قال ابن جرير :
حدثنا ابن حُمَيْد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عِكْرِمَة والحسن البصري قالا(٢) [ قال تعالى ](٣) ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى ﴿أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه، لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد، إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله، ثم لحق(٤) بالكفار قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب.
ورواه أبو داود والنسائي، من طريق عكرمة، عن ابن عباس :﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا﴾ نزلت في المشركين، فمن(٥) تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله :﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا﴾ قال : كان قوم من أهل الكتاب، بينهم وبين النبي ﷺ عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخيَّر الله رسوله : إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن تقطع(٦) أيديهم وأرجلهم من خلاف. رواه ابن جرير.
وروى شعبة، عن منصور، عن هلال بن يَسَاف، عن مُصْعَب بن سعد، عن أبيه قال : نزلت في الحرورية :﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا﴾ رواه ابن مردويه.
والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات، كما رواه البخاري ومسلم(٧) من حديث أبي قِلابة - واسمه عبد الله بن زيد الجَرْمي البصري - عن أنس بن مالك : أن نفرًا من عُكْل ثمانية، قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا الأرض(٨) وسَقَمت أجسامهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال :" ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها وألبانها ؟ " فقالوا : بلى. فخرجوا، فشربوا من أبوالها وألبانها، فَصَحُّوا(٩) فقتلوا الراعي وطردوا الإبل. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث في آثارهم، فأُدْرِكُوا، فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسُمرت(١٠) أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا.
لفظ مسلم. وفي لفظ لهما :" من عكل أو عُرَيْنَة "، وفي لفظ :" وألقوا في الحَرَّة فجعلوا يَسْتَسْقُون(١١) فلا يُسْقَون. وفي لفظ لمسلم :" ولم يَحْسمْهم ". وعند البخاري : قال أبو قلابة : فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله. ورواه مسلم من طريق هُشَيْم، عن عبد العزيز بن صُهَيب وحميد، عن أنس، فذكر نحوه، وعنده :" وارتدوا ". وقد أخرجاه من رواية قتادة عن أنس، بنحوه. وقال سعيد عن قتادة :" من عكل وعُرَينة ". ورواه مسلم من طريق سليمان التيمي، عن أنس قال : إنما سَمَلَ النبي ﷺ أعين أولئك ؛ لأنهم سملوا أعين الرعاء. ورواه مسلم، من حديث معاوية بن قرة عن أنس قال : أتى رسول الله ﷺ نفرٌ من عُرَينة، فأسلموا وبايعوه، وقد وقع بالمدينة المُومُ - وهو البرْسام - ثم ذكر نحو حديثهم، وزاد : وعنده شباب من الأنصار، قريب من عشرين فارسًا فأرسلهم، وبعث معهم قائفًا يَقْتَصّ(١٢) أثرهم. وهذه كلها ألفاظ مسلم، رحمه الله. (١٣)
وقال حماد بن سلمة : حدثنا قتادة وثابت البنَاني وحُمَيْد الطويل، عن أنس بن مالك : أن ناسًا من عُرَينة قدموا المدينة، فاجْتَوَوْها، فبعثهم رسول الله ﷺ في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا، فصَحُّوا فارتدوا(١٤) عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسَمَرَ(١٥) أعينهم وألقاهم في الحرة. قال أنس : فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشًا حتى ماتوا، ونزلت :﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية.
وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه - وهذا لفظه - وقال الترمذي :" حسن صحيح ". (١٦)
وقد رواه ابن مردويه من طرق كثيرة، عن أنس بن مالك، منها ما رواه من طريقين، عن سلام بن أبى الصهباء، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال : ما ندمتُ على حديث ما ندمت على حديث سألني عنه الحجاج قال(١٧) أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول الله ﷺ ؟ قال : قلت : قَدم على رسول الله ﷺ قوم من عُرَيْنة، من البحرين، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ما لقوا من(١٨) بطونهم، وقد اصفرت ألوانهم، وضَخُمت بطونهم، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها، حتى إذا رجعت إليهم ألوانهم وانخمصت بطونهم عَدَوا(١٩) على الراعي فقتلوه، واستاقوا الإبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمَر(٢٠) أعينهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا. فكان الحجاج إذا صعد المنبر يقول : إن رسول الله ﷺ قد قطع أيدي قوم وأرجلهم ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا لِحال(٢١) ذَوْدٍ [ من الإبل ](٢٢) وكان يحتج بهذا الحديث على الناس.
وقال ابن جرير : حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد - يعني ابن مسلم - حدثني سعيد، عن قتادة، عن أنس قال : كانوا أربعة نفر من عرينة، وثلاثة نفر من عُكْل، فلما أتي بهم قطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَل أعينهم، ولم يحسمهم، وتركهم يتَلقَّمون الحجارة بالحرة، فأنزل الله في ذلك :﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا أبو مسعود - يعني عبد الرحمن بن الحسن الزجاج - حدثنا أبو سعد - يعني البقال - عن أنس بن مالك قال : كان رهط من عُرَينة أتوا رسول الله ﷺ وبهم جَهْد، مُصْفرّة ألوانهم، عظيمة بطونهم، فأمرهم أن يلحقوا بالإبل فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا، فصفت ألوانهم وخمصت بطونهم، وسمنوا، فقتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فبعث النبي ﷺ في طَلَبهم، فأتي بهم، فقتل بعضهم، وسَمَرَ أعين بعضهم، وقطع أيدي بعضهم وأرجلهم، ونزلت :﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية.
وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العُرنيين، وهم من بَجِيلة(٢٣) قال أنس : فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام.
وقال : حدثني يونس، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر(٢٤) - أو : عمرو، شك يونس - عن رسول الله ﷺ بذلك - يعني بقصة العرَنيين - ونزلت فيهم آية المحاربة. ورواه أبو داود والنسائي من طريق أبي الزناد، وفيه :" عن ابن عمر " من غير شك. (٢٥)
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن خَلَف، حدثنا الحسن بن حماد، عن عمرو(٢٦) بن هاشم، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم، عن جرير قال : قدم على رسول الله ﷺ قومٌ من عُرَيْنَة حُفَاة مضرورين، فأمر بهم رسول الله ﷺ، فلما صحوا واشتدوا قتلوا رعَاء اللقاح، ثم خرجوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم، قال جرير : فبعثني رسول الله ﷺ في نفر من المسلمين حتى أدركناهم بعدما أشرفوا على بلاد قومهم، فقدمنا بهم على رسول الله ﷺ فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسَمَل أعينهم، فجعلوا يقولون : الماء. ورسول الله ﷺ يقول :" النار " ! حتى هلكوا. قال : وكره الله، عز وجل، سَمْل الأعين، فأنزل الله هذه الآية :﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية.
هذا حديث غريب(٢٧) وفي إسناده الرَّبَذيّ وهو ضعيف، وفيه فائدة، وهو ذكر أمير هذه السرية، وهو(٢٨) جرير بن عبد الله البجلي(٢٩) وتقدم في صحيح مسلم أن السرية كانوا عشرين فارسا من الأنصار. وأما قوله :" فكره الله سمل الأعين، فأنزل الله هذه الآية " فإنه منكر، وقد تقدم في صحيح مسلم أنهم سَملوا أعين الرعاء، فكان ما فعل بهم قصاصا، والله أعلم.
وقال عبد الرزاق، عن إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال : قدم على رسول الله ﷺ رجال من بني فَزَارة قد ماتوا هزلا. فأمرهم النبي ﷺ إلى لقاحه، فشربوا منها حتى صحوا، ثم عمدوا إلى لقاحه فسرقوها، فطُلِبوا، فأتي بهم النبي ﷺ، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَر أعينهم. قال أبو هريرة : ففيهم نزلت هذه الآية :﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فترك النبي ﷺ سَمْر الأعين بعدُ.
وروي من وجه آخر عن أبي هريرة.
وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا الحسين بن إسحاق التُسْتَرِيّ، حدثنا أبو القاسم محمد بن الوليد، عن(٣٠) عمرو بن محمد المديني، حدثنا محمد بن طلحة، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن سلمة بن الأكوع قال : كان للنبي ﷺ غلام يقال له :" يَسار " فنظر إليه يُحسن الصلاة فأعتقه، وبعثه(٣١) في لقاح له بالحَرَّة، فكان بها، قال : فأظهر قوم الإسلام من عُرَينة، وجاءوا وهم مرضى موعوكون قد عظمت بطونهم، قال : فبعث بهم النبي ﷺ إلى " يسار " فكانوا يشربون من ألبان الإبل حتى انطوت بطونهم، ثم عدوا على " يسار
١ في ر: "صابرة"..
٢ في أ: "قال"..
٣ زيادة من ر..
٤ في ر: "ألحق"..
٥ في ر: "فيمن"..
٦ في ر: "يقطع"..
٧ صحيح البخاري (٢٣٣) وانظر أطرافه هناك، وصحيح مسلم برقم (١٦٧١)..
٨ في أ: "المدينة"..
٩ في ر: "فنصحوا"..
١٠ في ر: "وسملت"..
١١ في أ: "فيستقون"..
١٢ في ر: "يقص"..
١٣ صحيح مسلم برقم (١٦٧١)..
١٤ في أ: "وارتدوا".
.

١٥ في ر: "وسمل"..
١٦ سنن أبي داود برقم (٤٣٦٧) وسنن الترمذي برقم (٧٢) وسنن النسائي (٧/٩٧)..
١٧ في أ: "فقال"..
١٨ في ر: "في"..
١٩ في أ: "عمدوا"..
٢٠ في ر: "وسمل"..
٢١ في أ: "بحال"..
٢٢ زيادة من أ..
٢٣ في أ: "يجيلة".
.

٢٤ في أ: "عن أبي عبد الله بن عمر"..
٢٥ تفسير الطبري (١٠/٢٤٩) وسنن أبي داود برقم (٤٣٦٩) وسنن النسائي (٧/١٠٠)..
٢٦ في أ: "عمر"..
٢٧ تفسير الطبري (١٠/٢٥٠)..
٢٨ في ر، أ: "وإنه"..
٢٩ قال الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على تفسير الطبري (١٠/٢٤٨): "وهذا الخبر ضعيف جدًا، وهو أيضًا لا يصح؛ لأن جرير بن عبد الله البجلي صاحب رسول الله ﷺ وفد على النبي ﷺ في العام الذي توفي فيه، وخبر العرنيين كان في شوال سنة ست، في رواية الواقدي (ابن سعد ٢/١/٦٧)، وكان أمير السرية كرز بن جابر الفهري. وذلك قبل وفاة رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول سنة ١١ من الهجرة، بأعوام. وهذا الخبر، ذكره الحافظ ابن حجر، في ترجمة "جرير بن عبد الله البجلي"، وضعفه جدا. أما ابن كثير، فذكره في تفسيره (٣/١٣٩) وقال: "هذا حديث غريب، وفي إسناده الربذي، وهو ضعيف. وفي إسناده فائدة: وهو ذكر أمير هذه السرية. وهو جرير ابن عبد الله البجلي. وتقدم في صحيح مسلم أن هذه السرية كانوا عشرين فارسًا من الأنصار. وأما قوله: "فكره الله سمل الأعين" فإنه منكر. وقد تقدم في صحيح مسلم أنهم سملوا أعين الرعاء، فكان ما فعل بهم قصاصا، والله أعلم". والعجب لابن كثير، يظن فائدة فيما لا فائدة له، فإن أمير هذه السرية، كان ولا شك، كرز بن جابر الفهري، ولم يرو أحد أن أميرها كان جرير بن عبد الله البجلي، إلا في هذا الخبر المنكر.
.

٣٠ في ر، أ: "بن"..
٣١ في أ: "فبعثه"..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿٣٣، ٣٤﴾ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
المحاربون لله ولرسوله، هم الذين بارزوه بالعداوة، وأفسدوا في الأرض بالكفر والقتل، وأخذ الأموال، وإخافة السبل.
والمشهور أن هذه الآية الكريمة في أحكام قطاع الطريق، الذين يعرضون للناس في القرى والبوادي، فيغصبونهم أموالهم، ويقتلونهم، ويخيفونهم، فيمتنع الناس من سلوك الطريق التي هم بها، فتنقطع بذلك.
فأخبر الله أن جزاءهم ونكالهم -عند إقامة الحد عليهم- أن يفعل بهم واحد من هذه الأمور.
واختلف المفسرون : هل ذلك على التخيير، وأن كل قاطع طريق يفعل به الإمام أو نائبه ما رآه المصلحة من هذه الأمور المذكورة ؟ وهذا ظاهر اللفظ، أو أن عقوبتهم تكون بحسب جرائمهم، فكل جريمة لها قسط يقابلها، كما تدل عليه الآية بحكمتها وموافقتها لحكمة الله تعالى. وأنهم إن قتلوا وأخذوا مالًا تحتم قتلُهم وصلبهم، حتى يشتهروا ويختزوا ويرتدع غيرهم.
وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا تحتم قتلهم فقط. وإن أخذوا مالا ولم يقتلوا تحتم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، اليد اليمنى والرجل اليسرى. وإن أخافوا الناس ولم يقتلوا، ولا أخذوا مالا، نفوا من الأرض، فلا يتركون يأوون في بلد حتى تظهر توبتهم. وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه وكثير من الأئمة، على اختلاف في بعض التفاصيل.
﴿ذَلِكَ﴾ النكال ﴿لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ أي : فضيحة وعار ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فدل هذا أن قطع الطريق من أعظم الذنوب، موجب لفضيحة الدنيا وعذاب الآخرة، وأن فاعله محارب لله ولرسوله.
وإذا كان هذا شأن عظم هذه الجريمة، علم أن تطهير الأرض من المفسدين، وتأمين السبل والطرق، عن القتل، وأخذ الأموال، وإخافة الناس، من أعظم الحسنات وأجل الطاعات، وأنه إصلاح في الأرض، كما أن ضده إفساد في الأرض.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿٣٣، ٣٤﴾ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
المحاربون لله ولرسوله، هم الذين بارزوه بالعداوة، وأفسدوا في الأرض -[٢٣٠]- بالكفر والقتل، وأخذ الأموال، وإخافة السبل.
والمشهور أن هذه الآية الكريمة في أحكام قطاع الطريق، الذين يعرضون للناس في القرى والبوادي، فيغصبونهم أموالهم، ويقتلونهم، ويخيفونهم، فيمتنع الناس من سلوك الطريق التي هم بها، فتنقطع بذلك.
فأخبر الله أن جزاءهم ونكالهم -عند إقامة الحد عليهم- أن يفعل بهم واحد من هذه الأمور.
واختلف المفسرون: هل ذلك على التخيير، وأن كل قاطع طريق يفعل به الإمام أو نائبه ما رآه المصلحة من هذه الأمور المذكورة؟ وهذا ظاهر اللفظ، أو أن عقوبتهم تكون بحسب جرائمهم، فكل جريمة لها قسط يقابلها، كما تدل عليه الآية بحكمتها وموافقتها لحكمة الله تعالى. وأنهم إن قتلوا وأخذوا مالا تحتم قتلُهم وصلبهم، حتى يشتهروا ويختزوا ويرتدع غيرهم.
وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا تحتم قتلهم فقط. وإن أخذوا مالا ولم يقتلوا تحتم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، اليد اليمنى والرجل اليسرى. وإن أخافوا الناس ولم يقتلوا، ولا أخذوا مالا نفوا من الأرض، فلا يتركون يأوون في بلد حتى تظهر توبتهم. وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه وكثير من الأئمة، على اختلاف في بعض التفاصيل.
﴿ذَلِكَ﴾ النكال ﴿لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: فضيحة وعار ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فدل هذا أن قطع الطريق من أعظم الذنوب، موجب لفضيحة الدنيا وعذاب الآخرة، وأن فاعله محارب لله ولرسوله.
وإذا كان هذا شأن عظم هذه الجريمة، علم أن تطهير الأرض من المفسدين، وتأمين السبل والطرق، عن القتل، وأخذ الأموال، وإخافة الناس، من أعظم الحسنات وأجل الطاعات، وأنه إصلاح في الأرض، كما أن ضده إفساد في الأرض.
﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي: من هؤلاء المحاربين، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: فيسقط عنه ما كان لله، من تحتم القتل والصلب والقطع والنفي، ومن حق الآدمي أيضا، إن كان المحارب كافرا ثم أسلم، فإن كان المحارب مسلما فإن حق الآدمي، لا يسقط عنه من القتل وأخذ المال. ودل مفهوم الآية على أن توبة المحارب -بعد القدرة عليه- أنها لا تسقط عنه شيئا، والحكمة في ذلك ظاهرة.
وإذا كانت التوبة قبل القدرة عليه، تمنع من إقامة الحد في الحرابة، فغيرها من الحدود -إذا تاب من فعلها، قبل القدرة عليه- من باب أولى.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٤ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير ابن خويز منداد — ابن خويزمنداد تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
يُصَلَّبُوا
يُشَدُّوا عَلَى خَشَبَةٍ.

إعراب الآية ٣٣ من سورة المائدة

من كتاب: إعراب القرآن

سيبويه «١» أن النداء إنما يقع في هذه الأشياء على المبالغة إذا قلت: يا عجبا فكأنك قلت: يا عجب احضر فهذا وقتك، فهذا أبلغ من قولك: هذا وقت العجب ويا ويلتا كلمة تدعو بها العرب عند الهلاك هذا قول سيبويه «٢»، وقال الأصمعي: ويل بعد وقرأ الحسن أَعَجَزْتُ «٣» بكسر الجيم. وهذه لغة شاذة إنما يقال: عجزت المرأة إذا عظمت عجيزتها، وعجزت عن الشيء أعجز عجزا ومعجزة ومعجزة. فَأُوارِيَ «٤» عطف على أكون، ويجوز أن يكون جواب الاستفهام.

[سورة المائدة (٥) : آية ٣٢]

مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)
وقرأ يزيد بن القعقاع مِنْ أَجْلِ ذلِكَ «٥».
بكسر النون وإسقاط الهمزة، وهذا على لغة من قال: أجل ثمّ خفّفت الهمزة.
يقال: أجلت الشيء آجله أجلا وإجلا إذا جنيته. أَنَّهُ في موضع نصب أي بأنّه والهاء كناية عن الحديث، ويجوز إنه بالكسر على الحكاية، والجملة خبر «انّ». وقرأ الحسن أو فسادا «٦» أي أو عمل فسادا، ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي أو أفسد فسادا.

[سورة المائدة (٥) : آية ٣٣]

إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣)
جَزاءُ رفع بالابتداء وخبره أَنْ يُقَتَّلُوا والتقدير: الذي يحاربون أولياء الله ومتّبعي رسله، وقرأ الحسن أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ والأصل أيديهم حذفت الضمة من الياء لثقلها، ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ابتداء وخبر.
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ يدلّ على أن الحدّ لا يزيل عقوبة الآخرة عمّن لم يتب.

[سورة المائدة (٥) : آية ٣٤]

إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا في موضع نصب بالاستثناء، ويجوز أن يكون في موضع رفع
(١) انظر الكتاب ٢/ ٢٢٢.
(٢) انظر الكتاب ١/ ٣٩٦.
(٣) وهذه قراءة ابن مسعود وفياض وطلحة وسليمان أيضا. انظر البحر المحيط ٣/ ٤٨١.
(٤) انظر البحر المحيط ٣/ ٤٨١.
(٥) انظر البحر المحيط ٣/ ٤٨٣، والمحتسب ١/ ٢٠٩.
(٦) انظر مختصر ابن خالويه ٣٢، والمحتسب ١/ ٢١٠، والبحر المحيط ٣/ ٤٨٤.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٣٣ من سورة المائدة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...﴾. [٣٣].
أخبرنا أبو نصر أحمد بن عبيد الله المَخْلِدي، قال: حدَّثنا أبو عمرو بن نجيد، قال: أخبرنا مسلم، قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن حماد، قال: حدَّثنا سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن أنس:
أن رهطاً من عُكْل وعُرَيْنَةَ أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا أهل ضرْع، ولم نكن أهل ريف، فاسْتَوْخَمْنَا المدينة. فأمر لهم رسول الله عليه اسلام بِذَوْد [وراع، وأمرهم] أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها. [فلما صحوا، وكانوا بناحية الحرّة]، قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الذَّوْد، فبعث رسول الله عليه السلام في آثارهم، فأتى بهم، فَقَطَّعَ أيديَهم وأرجلهم، وسَمَلَ أعينهم. فتركوا في الحَرَّة حتى ماتوا على حالهم.
قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً﴾ إلى آخر الآية. رواه مسلم [عن محمد بن المثنى] عن عبد الأَعْلَى، عن سعيد، إلى قول قتادة.

القراءات في الآية ٣٣ من سورة المائدة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

أَيْدِيهِمْ

(أيديهُمْ) بضم الهاء وإسكان الميم

روح عن يعقوب رويس عن يعقوب

(أيديهِمْ) بكسر الهاء وإسكان الميم

حفص عن عاصم إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو ورش عن نافع قالون عن نافع

(أيديهمُ) بكسر الهاء وصلة الميم

قالون عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٣٣ من سورة المائدة

١٦ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٧٩ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٥٦ قولًا
١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾، قال: يطلبهم الإمام بالخيل والرجال حتى يأخذهم، فيقيم فيهم الحكم، أو ينفوا من أرض المسلمين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٨٤.
٢
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في الآية، قال: يُخرَجوا من الأرض، أينما أُدرِكوا أُخرِجوا، حتى يَلحَقوا بأرضِ العدو١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٨٦.
٣
عن أبي حنيفة وأصحابه، أنّ معنى النفي من الأرض في هذا الموضع: الحبس١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن جرير ٨‏/‏٣٨٨.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾، يقول: يخرجوا من الأرض -أرض المسلمين-، فيُنفَوا بالطَّرْد١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٧٣.
٥
عن الوليد، قال: قلت لمالك بن أنس، والليث بن سعد: وكذلك يُطلَب المحارب المقيم على إسلامه، يضطره بطلبه من بلد إلى بلد حتى يصير إلى ثغر من ثغور المسلمين، أو أقصى حوز المسلمين، فإن هم طلبوه دخل دار الشرك؟ قالا: لا يُضطَر مسلم إلى ذلك١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨/ ٣٨٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف المفسرون في معنى النفي على ثلاثة أقوال: الأول: هو أن يُطلَب حتى يقدر عليه، أو يهرب من دار الإسلام. والثاني: الحبس. والثالث: المعنى: أنّ الإمام إذا قدر عليه نفاه من بلدته إلى بلدة أخرى غيرها. ورجَّح ابنُ جرير (٨/ ٣٨٩ بتصرف) القول الأخير الذي قال به سعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «لأنّ أهل التأويل اختلفوا في معنى ذلك على أحد الأوجه الثلاثة، وإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أنّ الله -جلَّ ثناؤه- إنما جعل جزاء المحارب القتل أو الصلب أو قطع اليد والرجل من خلاف بعد القدرة عليه لا في حال امتناعه؛ كان معلومًا أنّ النفي أيضًا إنما هو جزاؤه بعد القدرة عليه لا قبلها، ولو كان هروبه من الطلب نفيًا له من الأرض كان قطع يده ورجله من خلاف في حال امتناعه وحربه على وجه القتال بمعنى إقامة الحد عليه بعد القدرة عليه، وفي إجماع الجميع أنّ ذلك لا يقوم مقام نفيه الذي جعله الله - عز وجل - حدًّا له بعد القدرة عليه [ما يُبطل أن يكون نفيه من الأرض: هروبه من الطلب]، وإذ كان كذلك فمعلومٌ أنّه لم يبق إلا الوجهان الآخران، وهو النفي من بلدة إلى أخرى غيرها، أو السجن. فإذ كان كذلك فلا شك أنّه إذا نُفِي من بلدة إلى أخرى غيرها فلم يُنفَ من الأرض، بل إنما نفي من أرض دون أرض، وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله -جل ثناؤه- إنما أمر بنفيه من الأرض؛ كان معلومًا أنّه لا سبيل إلى نفيه من الأرض إلا بحبسه في بقعة منها عن سائرها، فيكون منفيًّا حينئذ عن جميعها، إلا مما لا سبيل إلى نفيه منه». وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٣/ ١٥٧) مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «والظاهر أنّ الأَرْض في هذه الآية هي أرض النازلة، وقد جنب الناس قديمًا الأرض التي أصابوا فيها الذنوب، ومنه حديث الذي ناء بصدره نحو الأرض المقدسة، وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب المنفيُّ مخوفَ الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة وإفساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه، وإن كان غير مخوف الجانب ترك مسرحًا، وهذا هو الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطبري، وهو الراجح؛ لأن نفيه من أرض النازلة أو الإسلام هو نص الآية، وسجنه بعدُ بحسب الخوف منه، فإذا تاب وفُهِم حاله سُرِّح».
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ذَلِكَ﴾ جزاءهم الخزي ﴿لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا﴾ قطع اليد والرجل، والقتل، والصلب في الدنيا، ﴿ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: كثيرًا وافرًا لا انقطاع له١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٧٣.
٧
عن حُصين [بن عبد الرحمن السلمي] -من طريق هشيم- قال: كان يُقال: مَن حارب فأخاف السبيل وأخذ المال ولم يَقتُل قُطِعَت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقَتَل صُلِب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٧٤.
٨
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: فنَهى اللهُ نبيه عليه الصلاة والسلام عن أن يسْمُل أعين العُرَنِيِّين الذين أغاروا على لقاحه، وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنزلها الله عليه، فنظر إلى مَن أخذ المال ولم يقتُل فقَطَع يده ورجله مِن خلاف؛ يده اليمنى ورجله اليسرى، ونظر إلى مَن قتل ولم يأخذ مالًا فقتله، ونظر إلى مَن أخذ المال وقَتَل فصَلَبه، وكذلك ينبغي لكلِّ مَن أخاف طريق المسلمين وقطع أن يُصنَع به إن أُخِذ وقد أخَذ مالًا قُطِعت يده بأخذه المال ورجله بإخافة الطريق، وإن قتل ولم يأخذ مالًا قُتِل، وإن قَتَل وأخذ المال صُلِب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٧٥.
٩
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾، قال: كان ناس يسعون في الأرض فسادًا وقَتَلوا وقَطَعوا السبيل فصُلِب أولئك، وكان آخرون حاربوا واستحَلَّوا المال ولم يَعْدُوا ذلك فقُطِعت أيديهم وأرجلهم، وآخرون حاربوا واعتزلوا ولم يَعْدُوا ذلك فأولئك أُخرِجوا من الأرض١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٧٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف المفسرون في الخِلال الواردة في الآية أتلزم المحارب باستحقاقه اسم المحاربة، أم يلزمه ما لزمه من ذلك على قدر جرمه مختلفًا باختلاف إجرامه؟ على قولين: الأول: يلزمه ما لزمه من ذلك على قدر جرمه، مختلفًا باختلاف إجرامه. والثاني: الإمام فيه بالخيار أن يفعل أي هذه الأشياء التي ذكرها الله. ورجَّح ابنُ جرير (٨/٣٨١) القول الأول الذي قاله ابن عباس من طريق العوفي، وإبراهيم من طريق حماد، وأبي مجلز، والحسن من طريق سماك، وحصين، وقتادة من طريق سعيد، والسدي، وفضيل بن مرزوق، وسعيد بن جبير، والربيع، ومورق العجلي مستندًا إلى دلالة السنّة فيما مضى ذكره في توجيه القول، وقال: «وأولى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا تأويل من أوجب على المحارب من العقوبة على قدر استحقاقه». وقال (٨/٣٨٣): «وقد روي عن رسول الله ﷺ بتصحيح ما قلنا في ذلك خبرٌ في إسناده نظر». وساق رواية يزيد بن أبي حبيب عن أنس التي مرت في نزول الآية. وذكر ابنُ كثير (٣/١٠٠) أنّ الرواية تشهد لهذا القول لو صحَّت. وعلَّق ابنُ عطية (٣/١٥٦) على هذا القول بقوله: «وهو أحْوَط للمفتي، وأَصْوَن لدم المحارب». وانتقد ابنُ جرير (٣٨١-٣٨٢) القول الثاني مستندًا لمخالفته اللغة، والسنة، وذلك أنّ «أو» في لغة العرب تأتي بضروب عدة، وهي في هذا الموطن للتعقيب، كقول القائل: جزاء المؤمنين عند الله أن يدخلهم الجنة، أويرفع منازلهم، أو يسكنهم مع الأنبياء. فليس المقصود أنّ جزاء كل مؤمن هو مرتبة من هذه المراتب، بل أن جزاء المؤمن لن يخلو من بعض هذه المنازل. ثم إنّ ﴿أو﴾ لو كانت للتخيير لجاز للإمام قتلُ مَن شهر السلاح مخيفًا السبيل وصلبه، وإن لم يأخذ مالًا ولا قتل أحدًا، وذلك خلاف الثابت عن النبي ﷺ من أنّ دم المسلم لا يحل إلا بإحدى ثلاث: ارتداد، أو زِنًا بعد إحصان، أو قتل نفس، وأنه لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا. ثم قال: «وبعدُ: فإذا كان الإمام مخيرًا في الحكم على المحارب من أجل أن ﴿أو﴾ بمعنى التخيير في هذا الموضع عندك، أفله أن يصلبه حيًّا ويتركه على الخشبة مصلوبًا حتى يموت من غير قتله؟ فإن قال: ذلك له. خالف في ذلك الأمة. وإن زعم أن ذلك ليس له، وإنما له قتله ثم صلبه أو صلبه ثم قتله، ترك علته من أن الإمام إنما كان له الخيار في الحكم على المحارب من أجل أن ﴿أو﴾ تأتي بمعنى التخيير، وقيل له: فكيف كان له الخيار في القتل أو النفي أو القطع ولم يكن له الخيار في الصلب وحده، حتى تجمع إليه عقوبة أخرى؟ وقيل له: هل بينك وبين مَن جعل الخيار حيث أبيت وأبى ذلك حيث جعلته له فرقٌ من أصل أو قياس؟ فلن يقول في أحدهما قولًا إلا ألزم في الآخر مثله». وذكر ابنُ عطية (٣/١٥٦) أنّ في هذا القول سدًّا للذريعة وحفظًا للناس والطرق.
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُمْ مِن خِلافٍ﴾، يعني: اليد اليمنى والرجل اليسرى، فالإمام في ذلك بالخيار في القتل، والصلب، وقطع الأيدي والأرجل١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٧٣.
١١
قال يحيى بن سلّام: سألت الجهم بن وراد الكوفي عن قوله: ﴿من خلاف﴾. فقال: يده اليمنى ورجله اليسرى١
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٢٦.
١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي-: نفيُه أن يُطْلَبَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٨٤.
١٣
عن عبد الله بن عباس: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾: أن يعجزوا فلا يقدر عليهم١
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٢٦.
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- ﴿أو ينفوا من الأرض﴾: يُهَرَّبوا؛ يُخرَجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٨٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١٥
عن أنس بن مالك -من طريق يزيد بن أبي حبيب- قال: نفيُه أن يطلبَه الإمامُ حتى يأخذه، فإذا أخذه أقام عليه إحدى هذه المنازل التي ذكر الله بما استحَل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٨٤-٣٨٥.
١٦
عن سعيد بن جبير -من طريق قيس بن سعد- في الآية، قال: مَن أخاف سبيلَ المسلمين نُفِيَ من بلده إلى غيره١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٨٧.
١٧
عن سعيد بن جبير -من طريق أبي معاوية-، وعن محمد بن كعب القرظي -من طريق أبي صخر- في قوله: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾: من أرض الإسلام إلى أرض الكفر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨/ ٣٧٧، ٣٨٦.
١٨
عن يزيد بن أبي حبيب: أنّ الصلت كاتب حيان بن سريج أخبرهم أنّ حيان كتب إلى عمر بن عبد العزيز: أنّ ناسًا من القِبط قامت عليهم البيِّنة بأنّهم حاربوا الله ورسوله، وسعوا في الأرض فسادًا، وأن الله يقول: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿وأرجلهم من خلاف﴾. وسكت عن النفي، وكتب إليه: فإن رأى أميرُ المؤمنين أن يُمضِي قضاء الله فيهم فليكتب بذلك. فلما قرأ عمر بن عبد العزيز كتابه قال: لقد اجْتَزَأ حيّان. ثم كتب إليه: إنّه قد بلغني كتابُك، وفهمته، ولقد اجتزأتَ، كأنما كتبت بكتاب يزيد بن أبي مسلم، أو عِلْج صاحب العراق! مِن غير أن أشبهك بهما، فكتبت بأول الآية، ثم سكتَّ عن آخرها، وإنّ الله يقول: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾. فإن كانت قامت عليهم البيِّنة بما كتبتَ به فاعقد في أعناقهم حديدًا، ثم غيِّبْهم إلى شَغْبٍ وبَدا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٨٧-٣٨٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ جرير (٨/٣٨٨) أنّ «شَغْب» و«بَدا» موضعان.
١٩
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جويبر- ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾، قال: أن يُطلبوا حتى يُعجزوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٨٥.
٢٠
عن الحسن البصري، في قوله: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾، قال: من بلد إلى بلد١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢١
عن الحسن البصري -من طريق عاصم- قال: يُنفى حتى لا يُقدَرَ عليه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٨٥-٣٨٦.
٢٢
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ إذا لم يقتل ولم يأخذ مالًا طُلِب حتى يعجز١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٨٦.
٢٣
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق معمر- في قوله: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾، قال: نفيه أن يُطلَبَ فلا يُقدَرَ عليه، كلما سُمِع به في أرض طُلِبَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٨٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٤
عن سعيد بن المسيب -من طريق قتادة- في الآية، قال: الإمام مُخَيَّرٌ في المحاربِ يصنعُ به ما شاء١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٢‏/‏٢٨٦، وابن جرير ٨‏/‏٣٨٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ جرير (٨/٣٨٠-٣٨١) أنّ حجة قائلي هذا القول هي أنّ ما كان في القرآن «أو - أو» فإنه للتخيير، كقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، وكآية كفارة اليمين، وآية جزاء الصيد. وإذا كان ذلك كذلك فهو في هذه الآية كذلك. وبنحوه قال ابن عطية (٣/١٥٥-١٥٦)، وكذا ابن كثير (٥/١٦٤). ونقل ابن عطية (٣/١٥٥) عن مالك أنه استحسن أن يأخذ في الذي لم يَقْتل بأيسر العقوبات. وعلَّق عليه بقوله: «لا سيما إن كانت زلَّةً ولم يكن صاحب شرور معروفة، وأما إن قَتل فلا بد من قتله».
٢٥
عن سعيد بن جبير -من طريق قيس بن سعد- قال: مَن خرج في الإسلام مُحارِبًا لله ورسوله فقَتَل وأصاب مالًا فإنه يُقتَل ويُصلَب، ومَن قَتَل ولم يُصِب مالًا فإنه يُقتَل كما قَتَل، ومَن أصاب مالًا ولم يقتُل فإنّه يُقطَع مِن خلاف، وإن أخاف سبيل المسلمين نُفِي من بلده إلى غيره؛ لقول الله -جل وعز-: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه (ت: سعد آل حميد) ٤‏/‏١٤٥٤-١٤٥٥ (٧٢٩)، وابن جرير ٨‏/‏٣٧٦.
٢٦
عن سعيد بن جبير -من طريق أبي معاوية-، وعن محمد بن كعب القرظي -من طريق أبي صخر- في هذه الآية: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا﴾، قالا: إن أخاف المسلمين فاقتطع المال ولم يسفك قُطِع، وإذا سفك دمًا قُتِل وصُلِب، وإن جمعهما فاقتطع مالًا وسَفَك دمًا قُطِع ثم قُتِل ثم صُلِب، كأنّ الصَّلْب مُثْلَة، وكأنّ القطع﴿السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]، وكأن القتل ﴿النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥]، وإن امتنع فإنّ من الحق على الإمام وعلى المسلمين أن يطلبوه حتى يأخذوه فيقيموا عليه حكم كتاب الله١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨/ ٣٧٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ جرير (٨/ ٣٧٧ - ٣٧٨) أنّ قائلي هذا القول احتجَّوا بأنّ الحِرابة لا تُوجِب القتل بمجردها ما لم يقتُل؛ لأنّ دم المؤمن حرام إلا بإحدى ثلاث: ارتداد، أو زِنًا بعد إحصان، أو قتل نفس. فالمحارب إذا لم يقتل فلا سبيل إلى قتله، وإلا فذلك تقدُّمٌ على الله ورسوله بالخلاف عليهما في الحُكم. وبنحوه قال ابن عطية (٣/ ١٥٥).
٢٧
عن إبراهيم النخعي -من طريق عبيدة-: الإمام مُخَيَّر في المحارب، أيَّ ذلك شاء فعل؛ إن شاء قتل، وإن شاء قطع، وإن شاء نفى، وإن شاء صلب١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه (ت: سعد آل حميد) ٤‏/‏١٤٥٦-١٤٥٩ (٧٣٠-٧٣٤)، وابن جرير ٨‏/‏٣٧٨.
٢٨
عن إبراهيم النخعي -من طريق حمّاد- ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾، قال: إذا خرج فأخاف السبيل وأخذ المال قُطِعَت يده ورجله من خلاف، وإذا أخاف السبيل ولم يأخذ المال نُفِي، وإذا قَتَل قُتِل، وإذا أخاف السبيل وأخذ المال وقَتَل صُلِب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ١٧‏/‏٤٥٢ (٣٣٤٦٤)، وابن جرير ٨‏/‏٣٧٣.
٢٩
عن مجاهد بن جبر -من طريق القاسم بن أبي بزَّة-، وعطاء [بن أبي رباح]-من طريق قيس بن سعد- قالا: الإمامُ في ذلك مُخَيَّرٌ، أيَّ ذلك شاءَ فعَل؛ إن شاء قطع، وإن شاء صلَب، وإن شاء نفى١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه (ت: سعد آل حميد) ٤/ ١٤٥٦ - ١٤٥٩ (٧٣٠ - ٧٣٤) من طريق حجاج، وابن أبي شيبة ١٠/ ١٤٥، ١٢/ ٢٨٥، وابن جرير ٨/ ٣٧٨ - ٣٧٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣٠
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جويبر-، والحسن البصري -من طريق أبي حُرَّة- قال: الإمام مُخَيَّر في المُحارِب، أيَّ ذلك شاء فعل١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه (ت: سعد آل حميد) ٤/ ١٤٥٦ - ١٤٥٩ (٧٣٠ - ٧٣٤). وابن أبي شيبة ١٠/ ١٤٥، ١٢/ ٢٨٥، وابن جرير ٨/ ٣٨٠ عن الحسن من طريق عاصم وغيره.
٣١
عن الحسن البصري -من طريق سماك- ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ إلى قوله: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾، قال: إذا أخاف الطريق ولم يقتُل ولم يأخُذ المال نُفِي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٧٤.
٣٢
عن أبي مجلز لاحق بن حميد -من طريق عمران بن حدير- ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية، قال: إذا قَتَل وأَخَذ المال وأخاف السبيل صُلِب، وإذا قَتَل لم يَعْدُ ذلك قُتِل، وإذا أخذ المال لم يَعْدُ ذلك قُطِع، وإذا كان يفسد نُفِي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ١٧‏/‏٤٥٢ (٣٣٤٦٣)، وابن جرير ٨‏/‏٣٧٤.
٣٣
عن مورق العجلي -من طريق قتادة- في المُحارِب قال: إن كان خرج فقَتَل وأَخَذ المال صُلِب، وإن قَتَل ولم يأخذ المال قُتِل، وإن كان أخَذ المال ولم يقتل قُطِع، وإن كان خرج مُشاقًّا للمسلمين نُفِي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٧٦.
٣٤
عن فضيل بن مرزوق، قال: سمعت السديَّ يسأل عطية العوفي عن رجل مُحارِب خرج فأخذ ولم يُصِب مالًا، ولم يُهْرِق دمًا. قال: النفيُ بالسيف، وإن أخذ مالًا فيَدُه بالمال ورجله بما أخاف المسلمين، وإن هو قَتَل ولم يأخذ مالًا قُتِل، وإن هو قَتَل وأَخَذ المال صُلِب. وأكبر ظني أنّه قال: تُقطَع يده ورجله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٧٥.
٣٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورسولهُ﴾ إلى قوله: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾، قال: حدود أربعة أنزلها الله؛ فأمّا مَن أصاب الدم والمال جميعًا صُلِب، وأمّا مَن أصاب الدم وكَفَّ عن المال قُتِل، ومَن أصاب المالَ وكَفَّ عن الدم قُطِع، ومَن لم يُصِب شيئًا من هذا نُفي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٧٤.
٣٦
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر-، وعطاء الخراساني -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية، قالا: هذا اللصُّ الذي يَقطعُ الطريق فهو محارِبٌ؛ فإن قتَل وأخَذ مالًا صُلِب، وإن قتَل ولم يأخذْ مالًا قُتِل، وإن أخذ مالًا ولم يَقتُل قُطِعت يده ورجله، وإن أُخِذ قبلَ أن يَفعلَ شيئًا من ذلك نُفِي١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٨٨، وفي المصنف (١٨٥٤٢)، وابن جرير ٨/ ٣٧٥.
٣٧
عن محمد بن السائب الكلبي -من طريق مَعْمَر- مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١‏/‏١٨٨، وفي المصنف (١٨٥٤٢).
٣٨
عن أبي الزناد، -من طريق ابنه عبد الرحمن- قال: أُتي عبد الحميد وهو أميرٌ على العراق بثلاثة نفر قد قطعوا الطريق، وخَذَمُوا١ بالسيوف، فأشار عليه ناس بقتلهم، فاستشارني، فقلت له: لا تفعلْ، فنَهَيْتُه أن يقتلهم، لما كنت أعلم من رأي عمر بن عبد العزيز في ذلك أنّه لا يستحل قتل شيء كان على ذلك الحال، فلم يزالوا به حتى قتل أحدهم، ثم أخذ بقلبه بعضُ ما قلت، فكتب بعضهم إلى عمر، فجاءه جوابه جوابًا غليظًا يُقَبِّح له ما صنع، وفي الكتاب: فهلّا إذ تأولتَ هذه الآية ورأيت أنهم أهلها أخذت بأيسر ذلك. قال أبو الزناد: فإنّ رأي الذي ينتهى إلى رأيهم بالمدينة مُدَّعيًا أنه ليس بالمحاربالذي يتلصص ويستخفي من السلطان ويغزو، لكنهم قالوا: إنّ المحارب الذي يفسد نسل المؤمنين، ولا يجيب دعوة السلطان٢
التخريج
  1. ١خَذَمُوا بالسيوف: أي ضربوا الناس بها في الطريق. النهاية (خذم).
  2. ٢أخرجه سعيد بن منصور في سننه (ت: سعد آل حميد) ٤/ ١٤٦٢ - ١٤٦٣ (٧٣٦).
٣٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورسولهُ﴾، يعني بالمحاربة: الشرك. نظيرها في براءة [١٠٧]: ﴿وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورسولهُ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٧٢.
٤٠
عن أبي حنيفة وأصحابه: أنّ المحارب: هو قاطع الطريق، فأما المكابر في الأمصار فليس بالمحارب الذي له حكم المحاربين١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن جرير ٨‏/‏٣٧١.
٤١
عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي -من طريق العباس، عن أبيه- قال: هو اللص المُجاهِر بلُصُوصِيَّته، المُكابِر، في المِصْرِ وغيرِه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٧٠.
٤٢
عن أبي عمرو [الأوزاعي] -من طريق الوليد-: وتكون المحاربة في المِصْر شَهَر على أهله بسلاحه ليلًا أو نهارًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٧١.
٤٣
عن الوليد، قال: سألتُ عن ذلك الليث بن سعد، وابن لهيعة، قلت: تكون المحاربة في دور المصر والمدائن والقرى؟ فقالا: نعم، إذا هم دخلوا عليهم بالسيوف علانية، أو ليلًا بالنيران. قلت: فقتلوا، أو أخذوا المال ولم يقتلوا؟ فقال: نعم، هم المحاربون، فإن قَتَلوا قُتِلوا، وإن لم يقتلوا وأخَذوا المال قُطعوا مِن خِلاف إذا هم خرجوا به من الدار، ليس مَن حارب المسلمين في الخلاء والسبيل بأعظم مِن محاربة مَن حاربهم في حريمهم ودورهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨/ ٣٧١.
٤٤
عن الوليد بن مسلم، قال: قلت لمالك بن أنس: تكون محاربة في المِصر؟ قال: نعم، والمحارب عندنا مَن حمل السلاح على المسلمين في مِصْرٍ أو خلاء، فكان ذلك منه على غير نائِرَة كانت بينهم، ولا ذَحْلٍ١، ولا عداوة، قاطعًا للسبيل والطريق والديار، مخيفًا لهم بسلاحه، فقتل أحدًا منهم؛ قَتَله الإمامُ كقتله المحارب، ليس لولي المقتول فيه عَفْوٌ ولا قَوَد٢
التخريج
  1. ١الذَّحْل: الثأْر. لسان العرب (ذحل).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٧٠.
٤٥
عن الوليد: وأخبرني مالك: أنّ قتل الغِيلَة عنده بمنزلة المحاربة. قلت: وما قتل الغِيلَة؟ قال: هو الرجل يخدع الرجل والصبي، فيدخله بيتًا، أو يخلو به، فيقتله ويأخذ ماله، فالإمام وليُّ قتل هذا، وليس لولي الدم والجرح قَوَد ولا قصاص١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٧١.
٤٦
عن محمد بن إدريس الشافعي -من طريق الربيع- أنّه اللص المجاهر بلصوصيته، المكابر، في المصر وغيره١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٧١.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف أهل العلم في المستحق اسم المحارب لله ورسوله الذي يلزمه حكم هذه على ثلاثة أقوال: الأول: هو اللص الذي يقطع الطريق. والثاني: هو قاطع الطريق؛ فأما المكابر في الأمصار فليس بالمحارب الذي له حكم المحاربين. والثالث: هو اللص المجاهر بلصوصيته، المكابر في المصر وغيره. ورجَّح ابنُ جرير (٨/٣٧٢) القول الأخير الذي قاله الأوزاعي، ومالك، وابن لهيعة، والشافعي، والليث مستندًا إلى دلالة العقل، فقال: «لا خلاف بين الحُجَّة أنّ مَن نَصَب حربًا للمسلمين على الظُّلم منه لهم أنّه لهم محارب، ولا خلاف فيه. فالذي وصفنا صفته لا شكَّ فيه أنّه لهم مناصبٌ حربًا ظلمًا، وإذ كان ذلك كذلك فسواء كان نَصْبُه الحربَ لهم في مصرهم وقراهم أو في سبلهم وطرقهم في أنّه لله ولرسوله محارب بحربه مَن نهاه الله ورسوله عن حربه».
٤٧
عن داود بن أبي هند، قال: تذاكرنا المحارب ونحن عند ابن هبيرة في ناس من أهل البصرة، فاجتمع رأيهم أنّ المُحارب ما كان خارجًا مِن المِصْر١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٧١.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ كثير (٥/١٩٤) أنّ علة مَن قالوا بأنّ المحاربة لا تكون إلا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا: هي أن المرء يلحقه الغَوْثُ إذا استغاث في المِصْر، بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه ويعينه. وعلَّق ابنُ عطية (٣/١٥٥)على هذا القول بقوله: «يريدون أنّ القاطع في المِصر يلزمه حَدُّ ما اجْتَرَح مِن قتل، أو سرقة، أو غصب، ونحو ذلك».
٤٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿ويسعون في الأرض فسادا﴾، قال: الزِّنا، والسرقة، وقتل النفس، وإهلاك الحرث والنسل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٩٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسادًا﴾: القتل، وأخذ الأموال١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٧٣.
٥٠
عن أنس -من طريق يزيد بن أبي حبيب- أنّ رسول الله ﷺ سأل جبريل عن القضاء في مَن حارب، فقال: مَن سرق وأخاف السبيل فاقطَعْ يده لسرقتِه ورجلَه بإخافتِه، ومَن قتلَ فاقْتُلْه، ومَن قتَل وأخاف السبيل واستحَلَّ الفرْجَ الحرامَ فاصلُبْه١٢
التخريج
  1. ١تقدم بتمامه مع تخريجه في نزول الآية.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ عطية (٣/١٥٦)على هذا الأثر بقوله: «وبقي النفي للمخيف فقط».
٥١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية، قال: مَن شهَر السلاحَ في قُبَّةِ الإسلام وأفسَد السبيلَ فظُهِر عليه وقُدِر فإمامُ المسلمين مُخيَّرٌ فيه؛ إن شاء قتَله، وإن شاء صلَبه، وإن شاء قطَع يده ورجله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٧٩، والنحاس في ناسخه ص٣٩٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٥٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية، قال: إذا خرج المحاربُ فأخذ المالَ ولم يَقتُل قُطِع مِن خِلافٍ، وإذا خرَج فقتَل ولم يأخُذ ِالمالَ قُتِل، وإذا خرج وأخذ المال وقتَل قُتِل وصُلِب، وإذا خرج فأخاف السبيل ولم يأخذ المال ولم يَقْتُل نُفِيَ١
التخريج
  1. ١أخرجه الشافعي في الأم ٦‏/‏١٥١-١٥٢، وعبد الرزاق (١٨٥٤٤)، وابن أبي شيبة ١٠‏/‏١٤٧، وابن جرير ٨‏/‏٣٧٦-٣٧٧، والبيهقي ٨‏/‏٢٨٣، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص٣٩٢. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٥٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قوله: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورسولهُ﴾ إلى قوله: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾، قال: إذا حارب فقَتَل فعليه القتل إذا ظُهِر عليه قبل توبته، وإذا حارب وأخذ المال وقَتَل فعليه الصلب إن ظُهِر عليه قبل توبته، وإذا حارب وأخذ ولم يقتل فعليه قطع اليد والرجل مِن خِلاف إن ظُهِر عليه قبل توبته، وإذا حارب وأخاف السبيل فإنما عليه النفي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٧٣.
٥٤
عن سعيد بن جبير، والحسن البصري: المحاربة لله الكفر به١
التخريج
  1. ١عزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٢٧٤ إلى ابن أبي حاتم.
٥٥
عن قتادة بن دعامة، وعطاء الخراساني -من طريق معمر- في قوله: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية، قالا: هذا اللصُّ الذي يَقطعُ الطريق فهو محارِبٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٨٨، وفي المصنف (١٨٥٤٢)، وابن جرير ٨/ ٣٦٩.
٥٦
عن محمد بن السائب الكلبي -من طريق معمر-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١‏/‏١٨٨، وفي المصنف (١٨٥٤٢).

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن عائشة، أنّ النبي ﷺ قال: «لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاثِ خصال: زانٍ مُحصَنٍ يُرجَم، أو رجل قَتَل متعمدًا فيُقتَل، أو رجل خرج من الإسلام فحارب فيُقتَل، أو يُصلُب، أو يُنفى من الأرض»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود ٦‏/‏٤٠٨-٤٠٩ (٤٣٥٣)، والنسائي ٧‏/‏١٠١ (٤٠٤٨)، ٨‏/‏٢٣ (٤٧٤٣)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص٣٩١ واللفظ له. وصححه الحاكم ٤‏/‏٤٠٨ (٨٠٩٥)، وقال: «حديث صحيح الإسناد، على شرط الشيخين». وقال الذهبي في التلخيص: «على شرط البخاري ومسلم». وقال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق ٤‏/‏٤٦١ (٢٨٧٨): «حديث صحيح، على شرط الصحيح». وقال ابن حجر في الدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢‏/‏٢٦٢ (١٠٠٨): «إسناده صحيح».

نزول الآية

١٩ قولًا
١
عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري -من طريق يزيد- قالا: قال: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ إلى ﴿إن الله غفور رحيم﴾ نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه لم يكن عليه سبيل؛ وليست تُحْرِزُ هذه الآية الرجل المسلم من الحدِّ إن قتل، أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصاب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨/ ٣٦١.
٢
عن الحسن البصري -من طريق أشعث- ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾، قال: نزلت في أهل الشرك١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٦١.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَد ابنُ عطية (٣/١٥٣) هذا القول الذي قاله عكرمة والحسن مستندًا إلى دلالة نصوص الشرع بقوله: «وفي هذا ضعف؛ لأن توبة المشرك نافعة بعد القدرة عليه وعلى كل حال». وذكر ابنُ كثير (٥/١٩٦) أنّ هذا القول يتأيد بخاتمة الآية: ﴿لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾؛ لأنّ أهل الإسلام قد ثبت في حقهم ما جاء عند مسلم، عن عبادة بن الصامت، قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء: «ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا يعضه بعضُنا بعضًا، فمَن وفى منكم فأجره على الله، ومَن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له، ومن ستره الله فأمره إلى الله؛ إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له»"".
٣
عن إسماعيل السدي، في قوله: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية، قال: أُنزِلت في سُودانِ عُرَينةَ، أتَوا رسول الله ﷺ وبهم الماء الأصفر، فشكوا ذلك إليه، فأمرهم فخرجوا إلى إبل الصدقة، فقال: «اشربوا من ألبانها وأبوالها». فشربوا، حتى إذا صَحُّوا وبرِئوا قتَلوا الرُّعاة، واستاقوا الإبل، فبعث رسول الله ﷺ فأُتِيَ بهم، فأراد أن يسمُلَ أعينهم فنهاه الله عن ذلك، وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنزلها الله١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٦٦-٣٦٧ مرسلًا.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتقد ابنُ عطية (٣/١٥٤) قول السدي مستندًا لمخالفته ما تظاهرت به الأخبار، فقال: «وهذا قول ضعيف، تخالفه الروايات المتظاهرة». وبنحوه قال ابنُ كثير (٥/١٩٣).
٤
عن محمد بن السائب الكلبي: نزلت في قوم هلال بن عويمر، وذلك أنّ رسول الله ﷺ وادع هلال بن عويمر -وهو أبو بردة الأسلمي- على أن لا يُعينه ولا يُعين عليه، ومَن أتاه مِن المسلمين لم يُهَج١. قال: فمَرَّ قومٌ من بني كنانة يريدون الإسلام بناس من قوم هلال، ولم يكن هلال يومئذ شاهدًا، فنَهدوا٢ إليهم، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ؛ فنزل جبرائيل عليه السلام بالقضية فيهم٣
التخريج
  1. ١أي: لم يُزعَج ولم يُنفَّر. النهاية (هيج).
  2. ٢نَهَدَ القوم لعدوهم: إذا صمدوا له وشَرعوا في قتاله. النهاية (نهد).
  3. ٣تفسير الثعلبي ٤‏/‏٥٥.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورسولهُ﴾... وذلك أنّ تسعة نفر من عُرَيْنة -وهم من بُجَيْلة- أتَوُا النبي ﷺ بالمدينة، فأسلموا، فأصابهم وجع شديد، ووقع الماءُ الأصفرُ في بطونهم، فأمرهم النبي ﷺ أن يخرجوا إلى إبل الصدقة ليشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا ذلك، فلمّا صحُّوا عمدوا إلى الراعي فقتلوه، وأغاروا على الإبل فاستاقوها، وارتدُّوا عن الإسلام، فبعث النبي ﷺ عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه في نفر، فأخذوهم، فلمّا أتوا بهم النبي ﷺ أمر بهم فقُطعت أيديهم وأرجلهم، وسُمِلت أعينهم؛ فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورسولهُ﴾١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٧٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف المفسرون في نزول هذه الآية على ثلاثة أقوال: الأول: أنها في قوم من أهل الكتاب نقضوا عهدهم مع النبي ﷺ، وأفسدوا في الأرض؛ فنزلت الآية مُعَرِّفةً حكمهم. والثاني: أنها في قوم المشركين. والثالث: أنها في قوم من عكل وعرينة الذين ارتدوا وحاربوا الله ورسوله. ورجَّح ابنُ جرير (٨/٣٦٧) نزولها للتعريف بحكم مَن حارب الله ورسوله وأفسد بعد الذي كان مِن أمر العرنيين مستندًا إلى السياق، وأقوال الصحابة، فقال: «لأن القصص التي قصها الله جل وعز قبل هذه الآية وبعدها من قصص بني إسرائيل وأنبائهم، فأن يكون ذلك متوسطًا منه يعرف الحكم فيهم وفي نظرائهم أولى وأحق. وقلنا: كان نزول ذلك بعد الذي كان من فعل رسول الله ﷺ بالعُرَنِيِّين ما فعل لتظاهر الأخبار عن أصحاب رسول الله ﷺ بذلك». ورجَّح ابنُ تيمية (٢/٤٦٧) عموم الآية، فقال بعد ذكره لما ورد في نزولها من أقوال: «والآية تتناول ذلك كله». ولم يذكر مستندًا. ووافقه ابنُ كثير (٥/١٨٥)، فقال: «والصحيح أنّ هذه الآية عامَّةٌ في المشركين وغيرهم مِمَّن فعل هذه الصفات». ولم يذكر مستندًا.
٦
عن أنس بن مالك -من طريق أبي قلابة-: أن نفرًا من عُكْلٍ١ قدِموا على رسول الله ﷺ، فأسلَموا، واجتَوَوُا٢ المدينة، فأمرهم النبي ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها، فقتلوا راعيَها، واستاقوها، فبعث النبي ﷺ في طَلَبهم قافَةً، فأُتِي بهم، فقَطَّع أيديهم وأرجلهم، وسَمَل أعينهم، ولم يَحسِمْهم، وتركهم حتى ماتوا؛ فأنزل الله: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية٣
التخريج
  1. ١قبيلة من الرباب. معجم البلدان ٤‏/‏١٤٣.
  2. ٢اجتووا المدينة: أي أصابهم الجَوى: وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول، وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها واستوخموها. لسان العرب (جوا).
  3. ٣أخرجه النسائي في الكبرى ١٠‏/‏٨١ (١١٠٧٨)، وهو في البخاري ١‏/‏٥٦ (٢٣٣)، ٥‏/‏١٢٩ (٤١٩٢)، ٤‏/‏٦٢ (٣٠١٨)، ٨‏/‏١٦٢ (٦٨٠٢)، ٨‏/‏١٦٣ (٦٨٠٤، ٦٨٠٥)، ومسلم ٣‏/‏١٢٩٦ (١٦٧١) دون ذكر الآية.
٧
عن يزيد بن أبي حبيب: أنّ عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية. فكتب إليه أنس يخبرُه أنّ هذه الآية نزلت في أولئك النفر من العُرَنِيِّين، وهم من بَجِيلَةَ، قال أنس: فارتدُّوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام، فسأل رسول الله ﷺ جبريلَ عن القضاء في مَن حارب. فقال: مَن سرق وأخاف السبيل فاقطَعْ يده لسرقتِه ورجلَه بإخافتِه، ومَن قتلَ فاقْتُلْه، ومَن قتَل وأخاف السبيل واستحَلَّ الفرْجَ الحرامَ فاصلُبْه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٦٦، ٣٨٣، من طريق عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الملك بن مروان، عن أنس بن مالك به. قال ابن جرير ٨‏/‏٣٨٣: «في إسناده نظر». وقال ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏١٠٠: «إن صح سنده». وقال الشوكاني في فتح القدير ٢‏/‏٤٢: «وهذا مع ما فيه من النكارة الشديدة لا يدرى كيف صحته». وقال الألباني في الضعيفة ١١‏/‏١٨٥ (٥١٠٨): «منكر».
٨
عن أنس، عن النبي ﷺ، في قول الله: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾، قال: هم من عُكْلٍ١
التخريج
  1. ١أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣‏/‏١٨٠ (٥٠٠١)، والطبراني في الأوسط ١‏/‏١٨٠ (٥٧٣)، من طريق أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أنس به. وسنده صحيح.
٩
عن أنس -من طريق قتادة- أنّ رهطًا من عُكْلٍ وعُرَينةَ١ أتَوُا النبي - ﷺ -، فقالوا: يا رسول الله، إنّا أهل ضَرْع، ولم نكن أهل ريف٢، وإنّا اسْتَوْخَمْنا٣ المدينة. فأمر لهم النبي - ﷺ - بذَودٍ٤ وراعٍ، وأمرهم أن يخرجوا فيها، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا راعيَ رسول الله - ﷺ -، واستاقوا الذَّوْدَ، وكفروا بعد إسلامهم، فأُتِيَ بهم النبي - ﷺ -، فَقَطَّعَ أيديهم وأرجلهم، وسَمَل أعينَهم، وتركهم في الحَرَّة حتى ماتوا. فذُكِر لنا: أنّ هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾٥
التخريج
  1. ١عُرينة: بطن من بَجِيلة كما تقدم في الأثر السابق. لسان العرب (عرن).
  2. ٢أي: إنا من أهل البادية لا من أهل المدن. النهاية (ريف).
  3. ٣أي: استثقلوها، ولم يوافق هواؤها أبدانهم. النهاية (وخم).
  4. ٤الذود من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع. وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر. النهاية (ذود).
  5. ٥أخرجه البخاري ٥/ ١٢٩ (٤١٩٢)، ٧/ ١٢٩ (٥٧٢٧) دون ذكر الآية، وأخرجه بلفظه ابن جرير ٨/ ٣٦١ - ٣٦٢.
١٠
عن جرير، قال: قدِم على رسول الله ﷺ قومٌ من عُرَيْنَةَ حُفاةً مَضرُورين، فأمر بهم رسول الله ﷺ، فلما صحُّوا واشتدُّوا قتَلوا رِعاءَ اللِّقاح١، ثم خرجوا باللِّقاح عامِدين بها إلى أرض قومهم. قال جرير: فبعثني رسول الله ﷺ في نفر من المسلمين، فقدِمنا بهم، فقطَّع أيديهم وأرجلهم مِن خِلاف، وسَمَل أعينهم، فجعلوا يقولون: الماء. ورسول الله ﷺ يقول: «النار». حتى هلكوا، وكَرِه الله سَمْلَ٢ الأعين؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية٣٤
التخريج
  1. ١اللِّقاح: ذوات الألبان. النهاية (لقح).
  2. ٢أي: فَقأها بحديدة مُحماة أو غيرها. النهاية (سمل).
  3. ٣أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٦٣-٣٦٤، من طريق عمرو بن هاشم، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم، عن جرير به. قال ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏٩٧: «هذا حديث غريب، وفي إسناده الربذي، وهو ضعيف... وأما قوله: فكره الله سمل الأعين، فأنزل الله هذه الآية. فإنه منكر». وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري: «ضعيف جِدًّا، وهو أيضًا لا يصح».
تعليقات المحققين
  1. ٤علَّق ابنُ كثير (٥/١٩٠) على هذا الأثر بقوله: «وفيه فائدة، وهو ذكر أمير هذه السرية، وهو جرير بن عبد الله البجلي». وذكر أنّ قوله: فكره الله سمل الأعين، فأنزل الله هذه الآية. منكر؛ لِما ورد في الصحيح عند مسلم أنهم سملوا أعين الرعاء، فكان ما فعل بهم قصاصًا.
١١
عن أبي هريرة، قال: قدِم على رسول الله ﷺ رجال من بني فَزارةَ قد ماتوا هَزْلًا١، فأمر بهم النبي ﷺ إلى لِقاحِه، فشرِبوا منها حتى صحُّوا، ثم عمَدوا إلى لِقاحِه فسرقوها، فطُلِبوا، فأُتِيَ بهم النبي ﷺ، فقَطَّع أيديهم وأرجلَهم، وسَمَل٢ أعينَهم قال أبو هريرة: فيهم نزلت هذه الآية: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾. قال: فترك النبي ﷺ سَمْل الأعين بعد٣٤
التخريج
  1. ١أهزَل القوم: إذا أصابت مواشيهم سَنَةٌ فهزلت. والهُزالُ: ضد السِّمَن. النهاية (هزل).
  2. ٢جاء في الدر بلفظ: «سَمَر أعينهم»، أي: أحمى لهم مسامير الحديد ثم كحلهم بها. النهاية (سمر).
  3. ٣أخرجه عبد الرزاق ١٠‏/‏١٠٧ (١٨٥٤١)، من طريق إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة به. وفي سنده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب (٢٤١): «متروك».
تعليقات المحققين
  1. ٤علَّق ابنُ كثير (٥/١٩١) على هذا الأثر بقوله: «وروي من وجه آخر عن أبي هريرة».
١٢
عن عبد الله بن عباس: أنّ قوما من عُرَينةَ جاؤوا إلى النبي ﷺ فأسلموا، وكان منهم مُوارَبَةٌ١، قد شَلَّت أعضاؤُهم، واصفرَّت وجوههم، وعظُمت بطونُهم، فأمر بهم النبي ﷺ إلى إبل الصدقة يشربون من أبوالها وألبانها، فشرِبوا حتى صحُّوا وسمِنوا، فعمَدوا إلى راعي النبي ﷺ فقتَلوه، واستاقوا الإبل، وارتَدُّوا عن الإسلام، وجاء جبريل، فقال: يا محمد، ابعث في آثارهم. فبعث، ثم قال: ادعُ بهذا الدعاء: اللهمَّ، إنّ السماءَ سماؤُك، والأرضَ أرضُك، والمشرقَ مشرقُك، والمغربَ مغربُك، اللهمَّ، ضيِّقْ عليهم الأرضَ برُحبِها حتى تَجعلها عليهم أضيقَ مِن مَسْكِ حَمَلٍ حتى تُقْدِرَني عليهم. فجاءوا بهم؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية. فأمره جبريل أنّ مَن أخذ المال وقتَل يُصلَب، ومَن قتَل ولم يأخذ المال يُقْتل، ومَن أخذ المال ولم يَقتُل تُقطَّعُ يده ورجله من خِلاف. وقال ابن عباس: هذا الدعاءُ لكلِّ آبِقٍ، ولكلِّ مَن ضلَّت له ضالَّةٌ من إنسانٍ وغيره، يدعو بهذا الدعاء، ويُكتبُ في شيء، ويُدفَنُ في مكانٍ نظيفٍ إلا قدَره اللهُ عليه٢
التخريج
  1. ١المُواربةُ: المُداهاة والمُخاتَلة. لسان العرب (ورب).
  2. ٢أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق ص٣٤٨ (١٠٧٩)، من طريق عباد بن الوليد، عن محمد بن الصلت، عن عبد العزيز بن مسلم، عن الضحاك، عن ابن عباس به. وسنده حسن.
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في قوله: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾، قال: نزلت في المشركين، فمن تاب منهم قبلَ أن يُقدَرَ عليه لم يكن عليه سبيل، وليست تَحرُزُ هذه الآيةُ الرجلَ المسلمَ مِن الحدِّ إن قتَل أو أفسَد في الأرض أو حاربَ الله ورسوله ثم لحِقَ بالكفار قبل أن يَقْدِروا عليه، لم يمنَعْه ذلك أن يُقام فيه الحدُّ الذي أصابه١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود ٦‏/‏٤٢٥ (٤٣٧٢)، والنسائي ٧‏/‏١٠١ (٤٠٤٦) واللفظ له. قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٤‏/‏١٩٧: «إسناد حسن». وقال الألباني في الإرواء ٨‏/‏٩٣: «إسناد جيد».
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في هذه الآية، قال: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله ﷺ عهدٌ وميثاق، فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فخيَّر الله نبيه فيهم؛ إن شاء أن يُقتِّل، وإن شاء صلَّب، وإن شاء أن يُقطِّع أيديهم وأرجلهم من خِلاف، وأما النفي فهو الهرب في الأرض١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٦٠، ٣٩٢، والطبراني في الكبير ١٢‏/‏٢٥٦ (١٣٠٣٢)، واللفظ له، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس به. إسناده جيد. وينظر: مقدمة الموسوعة.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ عطية (٣/١٥٣)على هذا القول الذي قاله ابن عباس من طريق علي، والضحاك بقوله: «ويشبه أن تكون نازلة بني قريظة حين هموا بقتل النبي ﷺ».
١٥
عن عبد الله بن عمر -من طريق عبد الله بن عبيد الله- قال: نزلت آية المحاربين في العُرَنِيِّين١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود ٦‏/‏٤٢٤ (٤٣٦٩)، والنسائي ٧‏/‏١٠٠ (٤٠٤١)، من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر به. وسنده صحيح. انظر: تفسير الطبري تحقيق أحمد شاكر ١٠‏/‏٢٤٩.
١٦
عن سعد بن أبي وقاص -من طريق مصعب بن سعد- قال: نزلت هذه الآية في الحَرُورِيَّة: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن مردويه -كما في تفسير ابن كثير ٣‏/‏٨٩-.
١٧
عن سعيد بن جبير، قال: كان ناس من بني سُلَيْم أتَوُا النبي ﷺ، فبايعوه على الإسلام وهم كَذَبةٌ، ثم قالوا: إنا نَجْتَوِي المدينة. فقال النبي ﷺ: «هذه اللِّقاح تغدو عليكم وتروح، فاشربوا من أبوالها وألبانها». فبينما هم كذلك إذ جاء الصَّريخُ إلى رسول الله ﷺ، فقال: قتَلوا الراعي، وساقُوا النَّعَمَ. فركِبوا في أثرِهم، فرجع صحابة رسول الله ﷺ وقد أسَرُوا منهم، فأتَوا بهم النبي ﷺ؛ فأنزل الله: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية. فقتَل نبي الله ﷺ منهم، وصلَب، وقطَّع، وسَمَل الأعين. قال: فما مثَّل النبي ﷺ قبلُ ولا بعدُ، ونهى عن المُثْلةِ، وقال: «لا تُمثِّلوا بشيء»١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١٠‏/‏١٠٧ (١٨٥٤٠)، وابن جرير ٨‏/‏٣٦٢-٣٦٣ مرسلًا.
١٨
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جُوَيْبِر- قال: كان قومٌ بينَهم وبين النبي ﷺ ميثاقٌ، فنقَضوا العهد، وقطَعوا السُّبُل، وأفسدوا في الأرض، فخيَّر الله نبيه فيهم؛ إن شاء قتَل، وإن شاء صلَب، وإن شاء قطَّع أيديهم وأرجلهم من خِلاف، ﴿أو ينفوا من الأرض﴾، قال: هو أن يُطلَبوا حتى يُعجِزوا، فمن تاب قبلَ أن يَقدِروا عليه قُبِلَ ذلك منه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٣٦٠، ٣٨٥، ٣٩٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٩
عن الضحاك بن مزاحم، قال: نزلت هذه الآية في المشركين١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه.

النسخ في الآية

٣ أقوال
١
عن محمد بن سيرين، قال: لَمّا فعل النبي ﷺ ذلك وُعِظ، ونُسِخ هذا الحكم١٢
التخريج
  1. ١علَّقه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص٣٨٣، وقال قبله: قال قوم في قوله: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾: هذه ناسخة لما كان رسول الله ﷺ فعله في أمر العرنيين من التمثيل بهم، وسمل أعينهم، وتركهم حتى ماتوا. ومِمَّن قال هذا محمد بن سيرين.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتقد ابنُ كثير (٥/١٩٣) هذا القول بالنسخ مستندًا إلى عدم الدليل عليه بقوله: «وهذا القول فيه نظر، ثم صاحبه مُطالَب ببيان تأخر الناسخ الذي ادَّعاه عن المنسوخ». وذكر أنّ هناك مَن قالوا بأنّ هذا كان قبل الحدود، ونسبه لابن سيرين. ثم علَّق (٥/١٩٣) عليه بقوله: «وفي هذا نظر؛ فإنّ قصتهم متأخرة، وفي رواية جرير بن عبد الله [الواردة في نزول الآية] لقصتهم ما يدل على تأخرها؛ فإنه أسلم بعد نزول المائدة». وذكر ابنُ عطية (٣/١٥٤) قولًا بأن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل؛ لأن ذلك وقع في المرتدين، وأنها في المحارب المؤمن. وعلَّق عليه بقوله: «لا سيما وفي بعض الطرق أنهم سملوا أعين الرعاة».
٢
عن أبي الزِّناد -من طريق محمد بن عجلان-: أنّ رسول الله ﷺ لَمّا قطَّع الذين سرقوا لِقاحَه وسمَل أعينهم بالنار عاتبه الله في ذلك؛ فأنزل الله: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه النسائي في السنن الكبرى ٣/ ٤٣٦ (٣٤٩١)، والبيهقي في سننه ٨‏/‏٢٨٣. وقال: «مرسل».
٣
عن الوليد بن مسلم، قال: ذاكرتُ الليث بن سعد ما كان مِن سمْلِ رسول الله - ﷺ - أعينهم، وتركِه حَسْمَهم حتى ماتوا، فقال: سمعت محمد بن عجلان يقول: أُنزِلت هذه الآية على رسول الله - ﷺ - مُعاتبة في ذلك، وعلَّمه عقوبة مثلِهم من القطع والقتل والنفي، ولم يسمُلْ بعدهم غيرهم، قال: وكان هذا القول ذُكِر لأبي عمرو [الأوزاعي]، فأنكر أن تكون نزلت معاتبةً، وقال: بل كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانِهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم مِمَّن حارب بعدهم، فرُفِع عنه السَّمْلُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨/ ٣٦٨ - ٣٦٩.
التفسير بالمأثور لسورة المائدة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٣٣ من سورة المائدة

٩ وقفات في هذه الآية

  • هدايات من تفسير السعدي (أعظم الذنوب وأجل الطاعات)

    — سعود بن خالد آل سعود الكبير

  • { ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء } قدم العذاب على المغفرة ؛ لأنه في سياق عقوبات ، ألا ترى قبلها { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله... أن يقتلوا أو يصلبوا } وقوله {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ... } .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • آية (٣٣) : (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) *(يُحَارِبُونَ اللّهَ) أراد يحاربون شرعه ويعتدون على أحكامه ولكن الله جعل محاربة شرعه محاربة له عزّ وعلا لتشنيع هذا الفعل منهم. * دلالة الفعل المضارع يسعون في الآيتين (٣٣) و (٦٤) : الفعل المضارع له زمن متّسع اتساعاً كبيراً فقد يكون للماضي أو للحال أو الاستمرار أو الإستقبال، وهنا استعمل للمزاولة ولو قال سعوا لاحتمل أن يكون هذا الساعي تاب ولا يقام عليه هذا الأمر لكن الذي هو مستمر هو الذي يُقام عليه الأمر. * تقديم الخزي هنا وتأخيره في الآية (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)) : الآية ٣٣ فيها ذكر عقوبات والعقوبات منظورة مرئية فهي مُخزية ظاهرة أمام الناس فقدّم الخزي، أما الآية ٤١ عن المنافقين ثم الذين هادوا وقد أجّلت عقوباتهم فتأخرت كلمة الخزي.

    — مختصر لمسات بيانية

  • آية (33): * ما سبب تقديم وتأخير خزي في آية سورة المائدة (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)) (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41))؟(د.حسام النعيمي) هذا مرتبط بالمعنى هنا الارتباط بالمعنى. غيّر نظام الجملة لأجل المعنى. لذلك نحن قلنا حتى عند الشعراء لما يغير نظام الجملة يقدم ويؤخر يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه المفروض العطف والمعطوف عليه يكونان ملتصقان. لاحظ الآية 33 في سورة المائدة فيها ذكر عقوبات والعقوبات منظورة فهي مُخزية: يعني هم يحملون خزيهم ظاهراً أمام الناس فقدّم الخزي. الآية 41 أجّلت عقوباتهم فتأخرت كلمة الخزي. لاحظ الآيات أولاً (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)) كلمة الخزي مقاربة لأنه منظور إليهم يُرى هذا. بينما الآية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)) المنافقون ثم الذين هادوا. خزي: أخّرها أنه لا توجد عقوبات. وهذا كما قلنا هذه اللمسات البيانية هي من دلائل نبوة محمد  لأن الآيات متباعدة والسور متباعدة لكننا نجد النظام واحداً. التقديم والتأخير والفاصلة كل ذلك من أجل المعنى يعني خدمة للمعنى حتى قلنا في سورة الأحزاب كيف ضحّى بالفاصلة من أجل المعنى لما قال: (وهو يهدي السبيل) بينما الآيات الأخرى كلها فيها إطلاق.

    — حسام النعيمي

  • *(يُحَارِبُونَ اللّهَ (33) المائدة) من الذي يحارب الله؟ وهل يستطيع الإنسان محاربة ربه تعالى الله عن ذلك؟(ورتل القرآن ترتيلاً) يحاربون الله أراد يحاربون شرعه ويعتدون على أحكامه وأما الله فلا قدرة لأحد على محاربته ولكن جعل الله محاربة شرعه محاربة له عزّ وعلا لتشنيع هذا الفعل منهم

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • ( لهم خزي في الدنيا ) ، ( لهم في الدنيا خزي ) : - قال أهل التأويل الخزي : العقوبة العاجلة - آية المائدة قدمت ( خزي ) وهذا في سياق العقوبات والنكال ألا ترى ( أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع ) - آية البقرة قدمت ( في الدنيا ) وهذا في سياق الذل والهوان ألا ترى ( إلا خائفين ) .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • قال تعالى في سورة البقرة: ﴿لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم﴾ (114). وقال في سورة المائدة: ﴿ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم﴾ (33). وقال في سورة الحج: ﴿لَهُ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ﴾ (9). سؤال: لماذا قدّم الخزي على الدنيا في آية المائدة، فقال: ﴿لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ﴾ وأخّره عنها في آيتي البقرة والحج، فقال: ﴿لَهُ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ﴾؟ الجواب: إن الخزي المذكور في سورة المائدة أظهر للعيان مما في آيتي البقرة والحج، وهو ثابت لا يزول بخلاف ما في آيتي الحج والبقرة فإنه غير ظاهر ذلك الظهور ولا ثابت ذلك الثبات، فقد قال تعالى في آية المائدة: ﴿إِنَّمَا جزءا ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ٣٣﴾ [المائدة: 33] ، في حين قال في البقرة: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ١١٤﴾ [البقرة: 114] فقد ذكر عن هؤلاء أنهم لا يدخلونها إلا خائفين أي لا يدخلون المساجد إلا خائفين، فالخوف مقارن للدخول فإذا انتفى الدخول انتفى الخوف، ثم إن الخوف أمر قلبي غير ظاهر للعيان، فالخزي المذكور في آية المائدة أظهر وأشد. وقال في الحج: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ٨ ثَانِيَ عِطۡفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۖ لَهُ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَنُذِيقُهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ٩﴾ [الحج: 8-9] ولم يذكر الخزي الذي سيلحقهم في الدنيا. فالتقتيل والتصليب وقطع الأيدي والأرجل من خلاف والنفي من الأرض أظهر خزيًا وأشد عقوبة في الدنيا مما ذكره في الآيتين الأخريين. فناسب تقديمه في آية المائدة. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الجزء الأول – صـ 15 ،16)

    — فاضل السامرائي

  • برنامج لمسات بيانية *ما دلالة الفعل المضارع يسعون في الآية {33}من سورة المائدة؟(د.فاضل السامرائي) الفعل المضارع له أزمنة كثيرة فقد يكون للماضي أو للحال أو الاستمرار أو الاستقبال. فهو إذن له زمن متّسع اتساعاً كبيراً. وهنا في الآية استعمل للمزاولة وليس بالضرورة ما كان في المستقبل فقط ولو قال سعوا لاحتمل أن يكون هذا الساعي تاب ولا يقام عليه هذا الأمر لكن الذي هو مستمر هو الذي يُقام عليه الأمر. وقد ورد هذا الفعل (يسعون) بصيغة المضارع أيضاً في سورة المائدة (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ {33}) والآية (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ {64}).

    — فاضل السامرائي

  • برنامج التفسير الفقهي سورة المائدة آية 33

    — سعد الشثري

الناسخ والمنسوخ في الآية ٣٣ من سورة المائدة

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿إنما جزاءُ الذين يحاربون الله ورسولَه﴾.
قال ابن سيرين: هذه الآيةُ نسخت فعلَ النبي - عليه السلام -بالعُرَنيين حين سَمَلَ أَعْيُنَهم ومثَّل بهم وتركهم في الحرَّةِ حتى ماتوا، فلم يمثل النبي - عليه السلام - بأحد بعد هذه الآية.
وقيل: إن فعلَه - صلى الله عليه - ليس بمنسوخ؛ لأنه (إنما) فعل بهم مثل ما فعلوا بالرِّعاء.
وقيل: الآية نزلت في قوم من أهل الكتاب نقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فأَعلمَ الله نبيّه الحكم فيهم، وهو مروي عن ابن عباس.
وقال الحسن: نزلت الآية في قوم ارتدّوا واستاقوا المواشي وقتلوا الرعاء يعني العُرَنيين، فأخذهم النبي - عليه السلام - فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمَل أَعيُنَهُم وتركهم في الحرَّة حتى ماتوا.
والإِمام عند مالك مُخَيَّرٌ فيمن وقع عليه اسم الحرابة أنه إذا قدر عليه يجتهد في عقوبته، ويفعل ما رأى، وهو قول عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، وروي مثله عن ابن عباس، وبه قال ابن المسيّب.
وقال الشافعي: (لا يُخَيَّر الإِمام) في ذلك، وعقوبةُ المحارِب على قدر جنايته، وبه قال الحسنُ والأوزاعيُّ وعطاء وابنُ جبير، وروي مثله عن ابن عباسٍ أيضاً وهو قولُ أَهلِ العراق.
والنفي - عن مالك -: حَبْسُه أو إخراجه من ذلك البلد إلى غيره وحبسه فيه. وقال الشافعي: ينفى من ديار الإِسلام. وقال الكوفيون: النفي: الحبس.

فتاوى متعلقة بالآية ٣٣ من سورة المائدة

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٣٣ من سورة المائدة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(33) Indeed, the penalty[262] for those who wage war[263] against Allāh and His Messenger and strive upon earth [to cause] corruption is none but that they be killed or crucified or that their hands and feet be cut off from opposite sides or that they be exiled from the land. That is for them a disgrace in this world; and for them in the Hereafter is a great punishment,
[262]- Legal retribution.
[263]- i.e., commit acts of violence and terrorism against individuals or treason and aggression against the Islāmic state.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال