معالم التنزيل — البغوي
عن الكتاب
﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادً﴾، الآية. قال الضحاك : نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فنقضوا العهد، وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض. وقال الكلبي : نزلت في قوم هلال بن عويمر، وذلك أن النبي ﷺ وادع هلال بن عويمر، وهو أبو بردة الأسلمي، على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن مر بهلال بن عويمر إلى رسول الله ﷺ فهو آمن لا يهاج، فمر قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بناس من أسلم من قوم هلال بن عويمر، ولم يكن هلال شاهداً فشدوا عليهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فنزل جبريل عليه السلام بالقضية فيهم، وقال سعيد بن جبير : نزلت في ناس من عرينة وعكل، أتوا النبي ﷺ وبايعوه على الإسلام وهم كذبة، فبعثهم النبي ﷺ إلى إبل الصدقة فارتدوا، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا علي بن عبد الله، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو قلابة الجرمي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قدم علي النبي ﷺ نفر من عكل فأسلموا، واجتووا المدينة، فأمرهم النبي ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحوا، فارتدو، ا وقتلوا رعاتها، واستاقوا الإبل، فبعث النبي ﷺ في آثارهم، فأتى بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، ثم لم يحسمهم حتى ماتوا.
ورواه أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس رضي الله عنه قال : فقطع أيديهم، وأرجلهم، ثم أمر بمسامير فكحلهم بها، وطرحهم بالحرة يستسقون، فما يسقون حتى ماتوا.
قال أبو قلابة : قتلوا، وسرقوا، وحاربوا الله ورسوله، وسعوا في الأرض فساداً. واختلفوا في حكم هؤلاء العرنيين، فقال بعضهم : هي منسوخة، لأن المثلة لا تجوز، وقال بعضهم : حكمه ثابت إلا السمل والمثلة. و روى قتادة عن ابن سيرين أن ذلك كان قبل أن ينزل الحد، وقال أبو الزناد : فلما فعل رسول الله ﷺ ذلك بهم أنزل الله الحدود، ونهاه عن المثلة، فلم يعد. وعن قتادة قال : بلغنا أن رسول الله ﷺ بعد ذلك كان يحث على الصدقة، وينهى عن المثلة. وقال سليمان التيمي عن أنس : إنما سمل النبي ﷺ أعين أولئك لأنهم سلموا أعين الرعاة، وقال الليث بن سعد : نزلت هذه الآية معاتبة لرسول الله ﷺ وتعليماً منه إياه عقوبتهم، وقال : إنما جزاؤهم هذا لا المثلة، ولذلك ما قام النبي ﷺ خطيباً إلا نهى عن المثلة. واختلفوا في المحاربين الذين يستحقون هذا الحد، فقال قوم : هم الذين يقطعون الطريق، ويحملون السلاح على المسلمين، والمكابرون في الأمصار، وهو قول الأوزاعي، ومالك، والليث بن سعد، والشافعي رحمهم الله. وقال قوم : هم المكابرون في الأمصار، ليس لهم حكم المحاربين في استحقاق هذا الحد. وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه. وعقوبة المحاربين ما ذكر الله سبحانه وتعالى.
قوله تعالى :﴿أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾، فذهب قوم إلى أن الإمام بالخيار في أمر المحاربين بين القتل والقطع والصلب، والنفي كما هو ظاهر الآية، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن والنخعي ومجاهد. وذهب الأكثرون إلى أن هذه العقوبات على ترتيب الجرائم لا على التخيير، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا إبراهيم بن محمد، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قطاع الطريق، إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، فإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً نفوا من الأرض. وهو قول قتادة، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي رحمهم الله تعالى. وإذا قتل قاطع الطريق يقتل حتماً حتى لا يسقط بعفو ولي الدم، وإذا أخذ من المال نصاباً، وهو ربع دينار، تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وإذا قتل وأخذ المال يقتل ويصلب. واختلفوا في كيفيته : فظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يقتل، ثم يصلب، وقيل : يصلب حياً، ثم يطعن حتى يموت مصلوباً، وهو قول الليث بن سعدويه، وقيل : يصلب ثلاثة أيام حياً، ثم ينزل فيقتل، وإذا أخاف السبيل ينفى. واختلفوا في النفي : فذهب قوم إلى أن الإمام يطلبه، ففي كل بلد يوجد ينفى عنه، وهو قول سعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، وقيل : يطلبون لتقام عليهم الحدود، وهو قول ابن عباس، والليث بن سعدويه، قال الشافعي : وقال أهل الكوفة : النفي هو الحبس، وهو نفي من الأرض، وقال محمد بن جرير : ينفي من بلده إلى غيره، ويحبس في السجن في البلد الذي نفي إليه حتى تظهر توبته. وقال مكحول : إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من حبس في السجون، وقال : أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفيه إلى بلد فيؤذيهم.
قوله تعالى :﴿ذلك﴾، الذي ذكرت من الحد.
قوله تعالى :﴿لهم خزي﴾. عذاب وهوان وفضيحة.
قوله تعالى :﴿في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب عظيم﴾.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا علي بن عبد الله، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو قلابة الجرمي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قدم علي النبي ﷺ نفر من عكل فأسلموا، واجتووا المدينة، فأمرهم النبي ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحوا، فارتدو، ا وقتلوا رعاتها، واستاقوا الإبل، فبعث النبي ﷺ في آثارهم، فأتى بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، ثم لم يحسمهم حتى ماتوا.
ورواه أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس رضي الله عنه قال : فقطع أيديهم، وأرجلهم، ثم أمر بمسامير فكحلهم بها، وطرحهم بالحرة يستسقون، فما يسقون حتى ماتوا.
قال أبو قلابة : قتلوا، وسرقوا، وحاربوا الله ورسوله، وسعوا في الأرض فساداً. واختلفوا في حكم هؤلاء العرنيين، فقال بعضهم : هي منسوخة، لأن المثلة لا تجوز، وقال بعضهم : حكمه ثابت إلا السمل والمثلة. و روى قتادة عن ابن سيرين أن ذلك كان قبل أن ينزل الحد، وقال أبو الزناد : فلما فعل رسول الله ﷺ ذلك بهم أنزل الله الحدود، ونهاه عن المثلة، فلم يعد. وعن قتادة قال : بلغنا أن رسول الله ﷺ بعد ذلك كان يحث على الصدقة، وينهى عن المثلة. وقال سليمان التيمي عن أنس : إنما سمل النبي ﷺ أعين أولئك لأنهم سلموا أعين الرعاة، وقال الليث بن سعد : نزلت هذه الآية معاتبة لرسول الله ﷺ وتعليماً منه إياه عقوبتهم، وقال : إنما جزاؤهم هذا لا المثلة، ولذلك ما قام النبي ﷺ خطيباً إلا نهى عن المثلة. واختلفوا في المحاربين الذين يستحقون هذا الحد، فقال قوم : هم الذين يقطعون الطريق، ويحملون السلاح على المسلمين، والمكابرون في الأمصار، وهو قول الأوزاعي، ومالك، والليث بن سعد، والشافعي رحمهم الله. وقال قوم : هم المكابرون في الأمصار، ليس لهم حكم المحاربين في استحقاق هذا الحد. وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه. وعقوبة المحاربين ما ذكر الله سبحانه وتعالى.
قوله تعالى :﴿أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾، فذهب قوم إلى أن الإمام بالخيار في أمر المحاربين بين القتل والقطع والصلب، والنفي كما هو ظاهر الآية، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن والنخعي ومجاهد. وذهب الأكثرون إلى أن هذه العقوبات على ترتيب الجرائم لا على التخيير، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا إبراهيم بن محمد، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قطاع الطريق، إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، فإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً نفوا من الأرض. وهو قول قتادة، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي رحمهم الله تعالى. وإذا قتل قاطع الطريق يقتل حتماً حتى لا يسقط بعفو ولي الدم، وإذا أخذ من المال نصاباً، وهو ربع دينار، تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وإذا قتل وأخذ المال يقتل ويصلب. واختلفوا في كيفيته : فظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يقتل، ثم يصلب، وقيل : يصلب حياً، ثم يطعن حتى يموت مصلوباً، وهو قول الليث بن سعدويه، وقيل : يصلب ثلاثة أيام حياً، ثم ينزل فيقتل، وإذا أخاف السبيل ينفى. واختلفوا في النفي : فذهب قوم إلى أن الإمام يطلبه، ففي كل بلد يوجد ينفى عنه، وهو قول سعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، وقيل : يطلبون لتقام عليهم الحدود، وهو قول ابن عباس، والليث بن سعدويه، قال الشافعي : وقال أهل الكوفة : النفي هو الحبس، وهو نفي من الأرض، وقال محمد بن جرير : ينفي من بلده إلى غيره، ويحبس في السجن في البلد الذي نفي إليه حتى تظهر توبته. وقال مكحول : إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من حبس في السجون، وقال : أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفيه إلى بلد فيؤذيهم.
قوله تعالى :﴿ذلك﴾، الذي ذكرت من الحد.
قوله تعالى :﴿لهم خزي﴾. عذاب وهوان وفضيحة.
قوله تعالى :﴿في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب عظيم﴾.