جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿إِلاّ الّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾. .
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معنى ذلك : إلاّ الذين تابوا من شركهم ومناصبتهم الحرب لله ولرسوله، والسعي في الأرض بالفساد بالإسلام، والدخول في الإيمان من قبل قدرة المؤمنين عليهم، فإنه لا سبيل للمؤمنين عليهم بشيء من العقوبات التي جعلها الله جزاء لمن حاربه ورسوله وسعى في الأرض فسادا، من قَتْل، أو صَلْب، أو قطع يد ورجل من خلاف، أو نفي من الأرض، فلا تِباعة قِبَله لأحد فيما كان أصاب في حال كفره وحربه المؤمنين في مال ولا دم ولا حرمة قالوا : فأما المسلم إذا حارب المسلمين أو المعاهدين وأتى بعض ما يجب عليه العقوبة، فلن تضع توبته عنه عقوبة ذنبه، بل توبته فيما بينه وبين الله، وعلى الإمام إقامة الحدّ الذي أوجبه الله عليه وأخذه بحقوق الناس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحويّ، عن عكرمة والحسن البصريّ، قالا : قوله : إنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ. . . إلى قوله : فاعْلَمُوا أنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن يُقْدَر عليه لم يكن عليه سبيل، وليس تحرز هذه الاَية الرجل المسلم من الحدّ إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله ثم لحق بالكفار قبل أن يُقْدَر عليه، ذلك يقام عليه الحدّ الذي أصاب.
حدثنا بشار، قال : حدثنا روح بن عبادة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : إلاّ الّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ قال : هذا لأهل الشرك إذا فعلوا شيئا في شركهم، فإن الله غفور رحيم إذا تابوا وأسلموا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : إنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسادا بالزنا، والسرقة وقتل النفس، وإهلاك الحرث والنسل إلاّ الّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ على عهد الرسول ﷺ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قال : كان قوم بينهم وبين الرسول ﷺ ميثاق، فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض، فخير الله نبيه ﷺ فيهم، فإن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فمن تاب من قبل أن تقدروا عليه قُبِل ذلك منه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : إنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ. . . الاَية، فذكر نحو قول الضحاك، إلاّ أنه قال : فإن جاء تائبا فدخل في الإسلام قُبِل منه ولم يؤاخذ بما سلف.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : إلاّ الّذِينَ مِنْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ قال : هذا لأهل الشرك إذا فعلوا شيئا من هذا في شركهم ثم تابوا وأسلموا، فإن الله غفور رحيم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن عطاء الخراساني وقتادة، أما قوله : إلاّ الّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فهذه لأهل الشرك، فمن أصاب من المشركين شيئا من المسلمين وهو لهم حرب، فأخذ مالاً أو أصاب دما ثم تاب قبل أن تقدروا عليه، أُهدر عنه ما مضى.
وقال آخرون : بل هذه الاَية معنيّ بالحكم بها المحاربون الله ورسوله الحُرّابُ من أهل الإسلام، من قطع منهم الطريق وهو مقيم على إسلامه، ثم استأمن فأومن على جناياته التي جناها وهو للمسلمين حرب. ومن فعل ذلك منهم مرتدّا عن الإسلام ثم لحق بدار الحرب، ثم استأمن فأومن قالوا : فإذا أمنه الإمام على جناياته التي سلفت لم يكن قبله لأحد تبعة في دم ولا مال أصابه قبل توبته وقبل أمان الإمام إياه. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ بن سهل، قال : حدثنا الوليد، قال : أخبرني أبو أسامة عن أشعث بن سوار، عن عامر الشعبي : أن حارثة بن بدر خرج محاربا، فأخاف السبيل، وسفك الدم، وأخذ الأموال، ثم جاء تائبا من قبل أن يُقدر عليه، فقبل عليّ بن أبي طالب عليه السلام توبته، وجعل له أمانا منشورا على ما كان أصاب من دم أو مال.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبيّ : أن حارثة بن بدر حارب في عهد عليّ بن أبي طالب، فأتى الحسن بن عليّ رضوان الله عليهما، فطلب إليه أن يستأمن له من عليّ، فأبى. ثم أتى ابن جعفر، فأبى عليه. فأتى سعيد بن قيس الهمداني فأمنه، وضمه إليه، وقال له : استأمن إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب قال : فلما صلّى عليّ الغداة، أتاه سعيد بن قيس، فقال : يا أمير المؤمنين، ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ؟ قال : أن يقتلوا أو يصلّبوا أو تُقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض. قال : ثم قال : إلاّ الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم. قال سعيد : وإن كان حارثة بن بدر ؟ قال : وإن كان حارثة بن بدر قال : فهذا حارثة بن بدر قد جاء تائبا فهو آمن ؟ قال : نعم. قال : فجاء به فبايعه، وقَبِل ذلك منه، وكتب له أمانا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مَغْراء، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال : كان حارثة بن بدر قد أفسد في الأرض وحارب ثم تاب، وكُلّم له عليّ فلم يؤمنه. فأتى سعيد بن قيس فكلمه، فانطلق سعيد بن قيس إلى عليّ، فقال : يا أمير المؤمنين، ما تقول فيمن حارب الله ورسوله ؟ فقرأ الاَية كلها، فقال : أرأيت من تاب من قبل أن تقدر عليه ؟ قال : أقول كما قال الله. قال : فإنه حارثة بن بدر. قال : فأمنه عليّ، فقال حارثة :
| ألا أبْلِغَنْ همَدانَ إمّا لَقيتَها | على النّأْيِ لا يسْلَمْ عدُوّ يَعيبُها |
| لعَمْرُ أبيها إنّ هَمْدَانَ تَتّقِي الإِ | لَه ويَقْضِي بالكِتابِ خَطِيبُها |
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، أخبرني مكحول، أنه قال : إذا أعطاه الإمام أمانا، فهو آمن ولا يقام عليه الحدّ ما كان أّصاب.
وقال آخرون : معنى ذلك : كلّ من جاء تائبا من الحُرّاب قبل القدرة عليه، استأمن الإمام فأمنه أو لم يستأمنه بعد أن يجيء مستسلما تاركا للحرب. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا محمد بن فضيل، عن أشعث، عن عامر، قال : جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة في إمرة عثمان بعد ما صلى المكتوبة، فقال : يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك، أنا فلان ابن فلان المرادي، كنت حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض، وإني تبت من قبل أن يُقْدَر عليّ. فقام أبو موسى فقال : هذا فلان ابن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا، وإنه تاب قبل أن يقدر عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلاّ بخير. فأقام الرجل ما شاء الله، ثم إنه خرج، فأدركه الله بذنوبه فقتله.
حدثني الحارث بن محمد، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا سفيان، عن إسماعيل السديّ، عن الشعبيّ قال : جاء رجل إلى أبي موسى، فذكر نحوه.
حدثني عليّ بن سهل، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، قال : قلت لمالك : أرأيت هذا المحارب الذي قد أخاف السبيل وأصاب الدم والمال، فلحق بدار الحرب أو تمنّع في بلاد الإسلام، ثم جاء تائبا من قبل أن يُقْدَر عليه ؟ قال : تقبل توبته. قال : قلت : فلا يتّبع بشيء من أحداثه ؟ قال : لا، إلاّ أن يوجد معه مال بعينه فيردّ إلى صاحبه، أو يطلبه وليّ من قتل بدم في حربه يثبت ببينة أو اعتراف فيقاد به وأما الدماء التي أصابها ولم يطلبها أولياؤها فلا يتبعه الإمام بشيء. قال عليّ : قال الوليد : فذكرت ذلك لأبي عمرو، فقال : تقبل توبته إذا كان محاربا للعامة والأئمة قد آذاهم بحربه فشهر سلاحه وأصاب الدماء والأموال، فكانت له منعة أو فئة يلجأ إليهم، أو لحق بدار الحرب فارتدّ عن الإسلام، أو كان مقيما عليه ثم جاء تائبا من قبل أن يُقْدَر عليه، قُبِلت توبته ولم يُتّبع بشيء منه.
حدثني علي، قال : حدثنا الوليد، قال : قال أبو عمرو : سمعت ابن شهاب الزهري يقول ذلك.
حدثني عليّ بن سهل، قال : حدثنا الوليد، قال : فذكرت قول أبي عمرو ومالك لليث بن سعد في هذه المسألة، فقال : إذا أعلن بالمحاربة للعامة والأئمة وأصاب الدماء والأموال، فامتنع بمحاربته من الحكومة عليه، أو لحق بدار الحرب ثم جاء تائبا من قبل أن يُقْدَر عليه، قُبلت توبته ولم يتبع بشيء من أحداثه في حربه من دم خاصة ولا عامة وإن طلبه وليه.
حدثني عليّ، قال : حدثنا الوليد، قال : قال الليث : وكذلك ثني موسى بن إسحاق المدنيّ، وهو الأمير عندنا : أن عليا الأسدي حارب وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال، فطلبته الأئمة والعامة، فامتنع ولم يُقْدَر عليه، حتى جاء تائبا وذلك أنه سمع رجلاً يقرأ هذه الاَية : يا عِبَادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمةِ اللّهِ. . . الاَية، فوقف عليه فقال : يا عبد الله، أعد قراءتها فأعادها عليه. فغمد سيفه، ثم جاء تائبا، حتى قدم المدينة من السّحَر، فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول الله ﷺ، فصلّى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في غمار أصحابه فلما أسفر عرفه الناس وقاموا إليه، فقال : لا سبيل لكم عليّ، جئت تائبا من قبل أن تقدروا عليّ فقال أبو هريرة : صدق. وأخذ بيده أبو هريرة حتى أنى مروان بن الحكم في إمرته على المدينة في زمن معاوية، فقال : هذا عليّ جاء تائبا ولا سبيل لكم عليه ولا قتل. قال : فتُرك من ذلك كله. قال : وخرج عليّ تائبا مجاهدا في سبيل الله في البحر، فلقُوا الروم، فقرّبوا سفينته إلى سفينة من سفنهم، فاقتحم على لروم في سفينتهم، فهُزموا منه إلى سفينتهم ال