جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُوَاْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بذلك : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم ووعدهم من الثواب، وأوعد من العقاب اتّقُوا اللّهَ يقول : أجيبوا الله فيما أمركم ونهاكم بالطاعة له في ذلك، وحققوا إيمانكم وتصديقكم ربكم ونبيكم بالصالح من أعمالكم. وَابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ يقول : واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه. والوسيلة : هي الفعلية من قول القائل : توسلت إلى فلان بكذا، بمعنى : تقرّبت إليه، ومنه قول عنترة :
| إنّ الرّجالَ لهُمْ إلَيْكِ وَسِيلَةٌ | أنْ يأْخُذُوكِ تَكَحّلِي وتَخَضّبِي |
| إذا غَفَلَ الوَاشُونَ عُدْنا لِوَصْلِنا | وَعادَ التّصَافِي بَيْنَنا وَالوَسائِلُ |
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال : حدثنا سفيان ( ح )، وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا زيد بن الحباب، عن سفيان، عن منصور، عن أبي وائل : وَابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلةَ قال : القربة في الأعمال.
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع ( ح )، وحدثنا سفيان، قال : حدثنا أبي، عن طلحة، عن عطاء : وَابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ قال : القُربة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ قال : هي المسألة والقربة.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : وابتغوا إليه الوَسِيلَةَ : أي تقرّبوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ : القربة إلى الله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله : وَابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ قال : القربة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، قوله : وَابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ قال : القربة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : وَابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ قال : المحبة، تحببوا إلى الله. وقرأ : أولَئِكَ الّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوَسِيلَةَ.
القول في تأويل قوله تعالى : وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلكُمْ تُفْلِحُونَ.
يقول جلّ ثناؤه للمؤمنين به وبرسوله : وجاهدوا أيها المؤمنون أعدائي وأعداءكم في سبيلي، يعني : في دينه وشريعته التي شرعها لعباده، وهي الإسلام، يقول : أتعبوا أنفسكم في قتالهم وحملهم على الدخول في الحنيفية المسلمة لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ يقول : كيما تنجحوا فتدركوا البقاء الدائم، والخلود في جناته. وقد دللنا على معنى الفلاح فيما مضى بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.