معاني القرآن — الفراء

عن الكتاب
مرفوعان بما عاد من ذكرهما. والنصب فيهما جائز ؛ كما يجوز أزيد ضربته، وأزيدا ضربته. وإنما تختار العرب الرفع في " السارق والسارِقة " لأنهما [ غير ] موَقَّتين، فوجِّها توجيه الجزاء ؛ كقولك : مَنْ سرق فاقطعوا يده، ف ( من ) لا يكون إلا رفعا، ولو أردت سارقا بعينه أو سارقة بعينها كان النصب وجه الكلام. ومثله ﴿واللذانِ يأتيانها مِنكم فآذوهما﴾ وفي قراءة عبد الله " والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما ".
وإنما قال ( أيدِيهما ) لأنّ كل شيء موحَّد من خَلْق الإنسان إذا ذكر مضافا إلى اثنين فصاعدا جمع. فقيل : قد هشمت رءوسهما، وملأت ظهورهما وبطونهما ضربا. ومثله ﴿إِن تَتُوبَا إِلى الله فقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾.
وإنما اختير الجمع على التثنية لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين في الإنسان : اليدين والرجلين والعينين. فلما جرى أكثره على هذا ذهِب بالواحد منه إذا أضيف إلى اثنين مذهب التثنية. وقد يجوز تثنيتهما ؛ قال أبو ذُؤيب :
فتخالسا نَفْسَيهِما بنوافذكنوافِذِ العُبُط التي لا ترقَع
وقد يجوز هذا فيما ليس من خَلْق الإنسان. وذلك أن تقول للرجلين : خلَّيتما نساءكما، وأنت تريد امرأتين، وخرقتما قُمُصكما.
وإنما ذكرت ذلك لأن من النحويين من كان لا يجيزه إلاّ في خَلْق الإنسان، وكلٌّ سواء. وقد يجوز أن تقول في الكلام : السارق والسارِقة فاقطعوا يمِينهما ؛ لأن المعنى : اليمين من كل واحد منهما ؛ كما قال الشاعر :
كُلُوا في نصف بطنِكم تعِيشوافإنَّ زمانكم زمن خمِيص
وقال الآخر :
الواردون وتَيْم في ذرى سبأٍقد عضَّ أعناقهم جِلدُ الجوامِيس
من قال :( ذَرَى ) جعل سبأ جِيلا، ومن قال :( ذُرَى ) أراد موضعا.
ويجوز في الكلام أن تقول : أْتِنِي برأس شاتين، ورأس شاة. فإذا قلت : برأس شاة فإنما أردت رأسَي هذا الجنس، وإذا قلت برأس شاتين فإنك تريد به الرأس من كل شاة ؛ قال الشاعر في غير ذلك :
كأنه وَجْه تركِيَّينِ قد غضِبامستهدف لِطعانٍ غيرِ تذبيب

تفسير هذه الآية من كتب أخرى