محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٣٨ من سورة المائدة في ١١٤ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٢١ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٣٨ من سورة المائدة

١١٤ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. .
يقول جلّ ثناؤه : ومن سرق من رجل أو امرأة، فاقطعوا أيها الناس يده. ولذلك رفع السارق والسارقة، لأنهما غير معينين، ولو أريد بذلك سارق وسارقة بأعيانهما لكان وجه الكلام النصب. وقد رُوي عن عبد لله بن مسعود أنه كان يقرأ ذلك :«والسارقو ن والسارقات ».
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن إبراهيم، قال : في قراءتنا قال : وربما قال في قراءة عبد الله :«والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما ».
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن إبراهيم : في قراءتنا :«والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما ».
وفي ذلك دليل على صحة ما قلنا من معناه، وصحة الرفع فيه، وأن السارق والسارقة مرفوعان بفعلهما على ما وصفت للعلل التي وصفت. وقال تعالى ذكره : فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما والمعنى أيديهما اليمنى كما :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما : اليمنى.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر، قال : في قراءة عبد الله :«والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما ».
ثم اختلفوا في السارق الذي عناه الله، فقال بعضهم : عني بذلك سارق ثلاثة دراهم فصاعدا وذلك قول جماعة من أهل المدينة، منهم مالك بن أنس ومن قال بقوله. واحتجوا لقولهم ذلك بأن رسول الله ﷺ «قطع في مجنّ قيمته ثلاثة دراهم ».
وقال آخرون : بل عنى بذلك : سارق ربع دينار أو قيمته. وممن قال ذلك الأوزاعي ومن قال بقوله. واحتجوا لقولهم ذلك بالخبر الذي رُوي عن عائشة أنها قالت : قال رسول الله ﷺ :«القَطْعُ في رُبْعِ دينارٍ فَصَاعِدا ».
وقال آخرون : بل عني بذلك سارق عشرة دراهم فصاعدا. وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه. واحتجوا في ذلك بالخبر الذي رُوي عن عبد الله بن عمر وابن عباس، أن النبيّ ﷺ «قطع في مجنّ قيمته عشرة دراهم ».
وقال آخرون : بل عنى بذلك : سارق ربع دينار أو قيمته. وممن قال ذلك الأوزاعي ومن قال بقوله. واحتجوا لقولهم ذلك بالخبر الذي رُوي عن عائشة أنها قالت : قال رسول الله ﷺ :«القَطْعُ في رُبْعِ دينارٍ فَصَاعِدا ».
وقال آخرون : بل عني بذلك سارق عشرة دراهم فصاعدا. وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه. واحتجوا في ذلك بالخبر الذي رُوي عن عبد الله بن عمر وابن عباس، أن النبيّ ﷺ «قطع في مجنّ قيمته عشرة دراهم ».
وقال آخرون : بل عني بذلك سارق القليل والكثير. واحتجوا في ذلك بأن الآية على الظاهر، وأنه ليس لأحد أن يخصّ منها شيئا إلاّ بحجة يجب التسليم لها. وقالوا : لم يصحّ عن رسول الله ﷺ خبر بأن ذلك في خاصّ من السّرّاق. قالوا : والأخبار فيما قَطَع فيه رسول الله ﷺ مضطربة مختلفة، ولم يرو عنه أحد أنه أُتِي بسارق درهم فخلّى عنه، وإنما رووا عنه أنه قطع في مجنّ قيمته ثلاثة دراهم. قالوا : وممكن أن يكون لو أتى بسارق ما قيمته دانق أن يقطع. قالوا : وقد قطع ابن الزبير في درهم. ورُوي عن ابن عباس أنه قال : الاَية على العموم.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا عبد المؤمن، عن نجدة الحنفي، قال : سألت ابن عباس عن قوله : وَالسّارِقُ والسّارِقَةُ أخاصّ أم عامّ ؟ فقال : بل عامّ.
والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال : الاَية معنيّ بها خاصّ من السراق، وهو سراق ربع دينار فصاعدا أو قيمته، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال :«القَطْعُ في رُبعِ دِينَارٍ فصَاعِدا ». وقد استقصيت ذكر أقوال المختلفين في ذلك مع عللهم التي اعتلوا بها لأقوالهم، والتلميح عن أوْلاها بالصواب بشواهده في كتابنا كتاب السرقة، فكرهنا إطالة الكتاب بإعادة ذلك في هذا الموضع. وقوله : جَزَاءً بِمَا كَسَبا نَكالاً مِنَ اللّهِ يقول : مكافأة لهما على سرقتهما وعملهما في التلصص بمعصية الله. نَكَالاً مِنَ الله يقول : عقوبة من الله على لصوصيتهما. وكان قتادة يقول في ذلك ما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَالسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيدِيَهُما جَزَاءً بِمَا كَسَبا نِكالاٍ مِنَ اللّهِ وَالله عَزَيزٌ حَكيمٌ : لا تَرْثُوا لهم أن تقيموا فيهم الحدود، فإنه والله ما أمر الله بأمر قطّ إلاّ وهو صلاح، ولا نهى عن أمر قطّ إلاّ وهو فساد.
وكان عمر بن الخطاب يقول : اشتدّوا على السّراق فاقطعوهم يدا يدا ورِجلاً رجلاً. وقوله : وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكيمٌ يقول جلّ ثناؤه : والله عزيز في انتقامه من هذا السارق والسارقة وغيرهما من أهل معاصيه، حكيم في حكمه فيهم وقضائه عليهم. يقول : فلا تفرطوا إيها المؤمنون في إقامة حكمي على السارق وغيرهم من أهل الجرائم الذين أوجبت عليهم حدودا في الدنيا عقوبة لهم، فإني بحكمي قضيت ذلك عليهم، وعلمي بصلاح ذلك لهم ولكم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١١٩٠٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة: أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس رحمه الله: أعمى البصر أعمى القلب، يزْعُم أن قومًا يخرجون من النار، (١) وقد قال الله جل وعز:"وما هم بخارجين منها"؟ فقال ابن عباس: ويحك، أقرأ ما فوقها! هذه للكفّار.
* * *
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ومن سرقَ من رجل أو امرأة، فاقطعوا، أيها الناس، يَدَه= ولذلك رفع"السارق والسارقة"، لأنهما غير معيّنين. ولو أريد بذلك سارقٌ وسارقة بأعيانهما، لكان وجه الكلام النّصب.
* * *
وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ ذلك: (والسارقون والسارقات).
١١٩٠٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن إبراهيم قال: في قراءتنا= قال: وربما قال: في قراءة عبد الله= (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما).
(١) في المطبوعة: "يا أعمى البصر أعمى القلب، تزعم...." كأن نافعًا يوجه الحديث إلى ابن عباس، وهذا عجيب أن يكون من نافع، مع اجترائه وسلاطته! وكان في المخطوطة: "ما عمي البصار أعمى القلب، برعم"، هكذا غير منقوطة، فرأيت أن أقرأها كما أثبتها، على أنه إخبار لابن عباس عمن يقول ذلك.
١١٩٠٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن إبراهيم: في قراءتنا: (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما).
* * *
=وفي ذلك دليل على صحة ما قلنا من معناه، وصحة الرفع فيه، وأن"السارق والسارقة" مرفوعان بفعلهما على ما وصفت، للعلل التي وصفت.
* * *
وقال تعالى ذكره:"فاقطعوا أيديهما"، والمعنى: أيديهما اليمنى، كما:-
١١٩٠٩ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فاقطعوا أيديهما" اليمنى.
١١٩١٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر قال: في قراءة عبد الله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما).
* * *
ثم اختلفوا في"السارق" الذي عناه الله عز ذكره.
فقال بعضهم: عنى بذلك سارقَ ثلاثة دراهم فصاعدًا. وذلك قول جماعة من أهل المدينة، منهم مالك بن أنس ومن قال بقوله. واحتجّوا لقولهم ذلك، بأنّ:-
١١٩١١- رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قطَع في مِجَنّ قيمته ثلاثةُ دَرَاهم. (١)
* * *
وقال آخرون: بل عنى بذلك سارق رُبع دينار أو قيمته. وممن قال ذلك، الأوزاعيّ ومن قال بقوله. واحتجوا لقولهم ذلك بالخبر الذي رُوي عن عائشة أنها قالت:
١١٩١٢- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القطعُ في ربع دِينارٍ فصاعدًا. (٢)
* * *
(١) الأثر: ١١٩١١- رواه بغير إسناد. رواه مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر في الموطأ: ٨٣١، ورواه البخاري من طريق مالك (الفتح ٢: ٩٣- ٩٤)، ورواه مسلم من طريقه أيضًا، في صحيحه ١١: ١٨٤، ١٨٥.
و"المجن": الترس، لأنه يجن صاحبه، أي يواريه.
(٢) الأثر: ١١٩١٢- ساقه هنا بغير إسناد أيضًا، وقد مضى ص: ٢٦٦، تعليق رقم: ١.
وهذا الخبر رواه البخاري بأسانيده (الفتح ١٢: ٨٩- ٩١)، ومسلم بأسانيده في صحيحه ١١: ١٨٠- ١٨٣.
وقال آخرون: بل عنى بذلك سارقَ عشرة دراهم فصاعدًا. وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه. واحتجوا في ذلك بالخبر الذي روي عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس:
١١٩١٣- أن النبي ﷺ قَطَع في مِجَنّ قيمته عَشْرة دراهم. (١)
* * *
وقال آخرون: بل عني بذلك سارقَ القليل والكثير. واحتجوا في ذلك بأن الآية على الظاهر، وأنْ ليس لأحد أنَ يخُصَّ منها شيئًا، إلا بحجة يجب التسليم لها. (٢) وقالوا: لم يصحّ عن رسول الله ﷺ خبرٌ بأن ذلك في خاصّ من السُرَّاق. قالوا: والأخبار فيما قَطَع فيه رسول الله ﷺ مضطربة مختلفة، ولم يروِ عنه أحد أنه أتي بسارق درهمٍ فَخلَّى عنه، وإنما رووا عنه أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم. قالوا: وممكن أن يكون لو أتى بسارق ما قيمته دانقٌ أن يَقْطع. قالوا: وقد قطع ابن الزبير في دِرْهم.
* * *
وروي عن ابن عباس أنه قال: الآيةُ على العموم.
١١٩١٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبد المؤمن، عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله:"والسارق والسارقة"، أخاصّ أم عام؟ فقال: بل عام. (٣)
* * *
(١) الأثر: ١١٩١٣- خبر ابن عباس رواه الطحاوي في معاني الآثار ٢: ٩٣. وكان في المخطوطة والمطبوعة أن هذا الخبر مروي أيضًا عن"عبد الله بن عمر"، ولم أجد الرواية بذلك عن"ابن عمر بل الرواية التي احتجوا بها في كتب أصحاب أبي حنيفة هي ما قاله"عبد الله بن عمرو"، رواها عنه"عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده". رواه أحمد في المسند برقم: ٦٩٠٠، وانظر تخريج أخي السيد أحمد هناك. وانظر معاني الآثار للطحاوي ١: ٩٣، وأحكام القرآن للجصاص ٢: ٤١٧، فلذلك صححت ما قبل هذا الأثر"عبد الله بن عمرو"، لا كما كان في المطبوعة والمخطوطة"ابن عمر".
(٢) في المطبوعة: "وأنه ليس لأحد"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) الأثر: ١١٩١٤-"عبد المؤمن بن خالد الحنفي المروزي"، قاضي مرو. قال أبو حاتم: "لا بأس به"، وذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب.
و"نجدة بن نفيع الحنفي". روى عن ابن عباس. مترجم في التهذيب.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، قولُ من قال:"الآية معنيّ بها خاصٌّ من السراق، وهم سُرَّاق ربع دينار فصاعدًا أو قيمته"، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال:"القطعُ في ربع دينار فصاعدًا". وقد استقصيت ذكر أقوال المختلفين في ذلك مع عللهم التي اعتلّوا بها لأقوالهم، والبيانَ عن أولاها بالصواب، بشواهده، (١) في كتابنا"كتاب السرقة"، فكرهنا إطالة الكتاب بإعادة ذلك في هذا الموضع.
* * *
وقوله:"جزاء بما كسبا نكالا من الله"، يقول: مكافأةً لهما على سرقتهما وعملهما في التلصصّ بمعصية الله (٢) ="نكالا من الله" يقول: عقوبة من الله على لُصُوصيتهما. (٣)
* * *
وكان قتادة يقول في ذلك ما:-
١١٩١٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم"، لا تَرْثُوا لهم أن تقِيموا فيهم الحدود، (٤) فإنه والله ما أمر الله بأمرٍ قَطُّ إلا وهو صلاحٌ، ولا نهى عن أمرٍ قَطُّ إلا وهو فساد. (٥)
* * *
(١) في المطبوعة: "والتلميح عن أولاها بالصواب"، والطبري لا يقول مثل هذا أبدًا. وفي المخطوطة: "والسارق عن أولاها بالصواب"، وهو تحريف قبيح من عجلة الناسخ، صواب قراءته ما أثبت.
(٢) انظر تفسير"الجزاء" فيما سلف من فهارس اللغة (جزى).
= وتفسير"كسب" فيما سلف ٩: ١٩٦، تعليق: ١ والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير"النكال" فيما سلف ٢: ١٧٦، ١٧٧/ ٨: ٥٨٠.
(٤) "رثى له يرثى": رحمه ورق له.
(٥) ولكننا قد أظلنا زمان عطلت فيه الحدود، بزعم الرثاء لمن أصاب حدًا من حدود الله. وطالت ألسنة قوم من أهل الدخل، فاجترأوا على الله بافترائهم، وزعموا أن الذي يدعونه من الرحمة لأهل الحدود هو الصلاح، وأن ما أمر الله به هو الفساد!! فاللهم نجنا من زمان تبجح فيه الأشرار بسلطانهم، وتضاءل فيه أهل الإيمان بمعاصيهم.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى حاكمًا وآمرًا بقطع يد السارق والسارقة، وروى الثوري عن جابر بن يزيد الجُعْفي، عن عامر بن شراحيل الشعبي ؛ أن ابن مسعود كان يقرؤها :" والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما ". وهذه قراءة شاذة، وإن كان الحكم عند جميع العلماء موافقًا لها، لا بها، بل هو مستفاد من دليل آخر. وقد كان القطع معمولا به في الجاهلية، فقُرِّرَ في الإسلام وزيدت شروط أخَر، كما سنذكره إن شاء الله تعالى، كما كانت القسامة والدية والقرَاض وغير ذلك من الأشياء التي ورد الشرع بتقريرها على ما كانت عليه، وزيادات هي من تمام المصالح. ويقال : إن أول من قطع الأيدي في الجاهلية قريش، قطعوا رجلا يقال له :" دويك " مولى لبني مُلَيح بن عمرو من خُزَاعة، كان قد سرق كنز الكعبة، ويقال : سرقه قوم فوضعوه عنده.
وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئًا قطعت يده به، سواء كان قليلا أو كثيرًا ؛ لعموم هذه الآية :﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فلم يعتبروا نصابًا ولا حِرْزًا، بل أخذوا بمجرد السرقة.
وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد المؤمن، عن نَجْدَة الحَنَفِي قال : سألت ابن عباس عن قوله :﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أخاص أم عام ؟
فقال : بل عام.
وهذا يحتمل أن يكون موافقة من ابن عباس لما ذهب إليه هؤلاء، ويحتمل غير ذلك، فالله أعلم.
وتمسكوا بما ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال :" لَعَن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده ". (١) وأما الجمهور فاعتبروا النصاب في السرقة، وإن كان قد وقع بينهم الخلاف في قدره، فذهب كل من الأئمة الأربعة إلى قول على حِدَةٍ، فعند الإمام مالك بن أنس، رحمه الله : النصاب ثلاثة دراهم مضروبة خالصة، فمتى سرقها أو ما يبلغ ثمنها فما فوقها وجب القطع، واحتج في ذلك بما رواه عن نافع، عن ابن عمر ؛ أن رسول الله ﷺ قطع في مِجَن ثمنه ثلاثة دراهم. أخرجاه في الصحيحين. (٢)
قال مالك، رحمه الله : وقطع عثمان، رضي الله عنه، في أتْرُجَّة قُوِّمَت بثلاثة دراهم، وهو أحب ما سمعت في ذلك. وهذا الأثر عن عثمان، رضي الله عنه، قد رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عَمْرة بنت عبد الرحمن : أن سارقًا سرق في زمان عثمان أترجة، فأمر بها عثمان أن تُقَوم، فَقُومَت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهمًا بدينار، فقطع عثمان يده. (٣)
قال أصحاب مالك : ومثل هذا الصنيع(٤) يشتهر، ولم(٥) ينكر، فمن مثله يحكى الإجماع السُّكوتي، وفيه دلالة على القطع في الثمار خلافًا للحنفية. وعلى اعتبار ثلاثة دراهم خلافًا لهم في أنه لا بد من عشرة دراهم، وللشافعية في اعتبار ربع دينار، والله أعلم.
وذهب الشافعي، رحمه الله، إلى أن الاعتبار في قطع يد السارق بربع دينار أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعدًا. والحجة(٦) في ذلك ما أخرجه الشيخان : البخاري ومسلم، من طريق الزهري، عن عَمْرة، عن عائشة، رضي الله عنها ؛ أن رسول الله ﷺ قال :" تقطع يد السارق(٧) في ربع دينار فصاعدا ". (٨)
ولمسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عَمْرة، عن عائشة ؛ أن رسول الله ﷺ قال :" لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا ". (٩)
قال أصحابنا : فهذا الحديث فاصل في المسألة ونص في اعتبار ربع الدينار لا ما ساواه. قالوا : وحديث ثمن المجن، وأنه كان ثلاثة(١٠) دراهم، لا ينافي هذا ؛ لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهمًا، فهي ثمن ربع دينار، فأمكن الجمع بهذه الطريق.
ويروى هذا المذهبُ عن عُمَر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، رضي الله عنهم. وبه يقول عمر بن عبد العزيز، والليث بن سعد، والأوزاعي، والشافعي، وأصحابه، وإسحاق بن راهويه - في رواية عنه - وأبو ثور، وداود بن علي الظاهري، رحمهم الله.
وذهب الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه - في رواية عنه - إلى أن كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مَرَدٌ شرعي، فمن سرق واحدًا منهما، أو ما يساويه قطع عملا بحديث ابن عمر، وبحديث عائشة، رضي الله عنهما، ووقع في لفظ عند الإمام أحمد، عن عائشة [ رضي الله عنها ](١١) أن رسول الله ﷺ قال :" اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك " (١٢) وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهمًا. وفي لفظ للنسائي : لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن. قيل(١٣) لعائشة : ما ثمن المجَن ؟ قالت : ربع دينار. (١٤)
فهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم، والله أعلم.
وأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه : أبو يوسف، ومحمد، وزُفَر، وكذا سفيان الثوري، رحمهم الله، فإنهم ذهبوا إلى أن النصاب عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة. واحتجوا بأن ثمن المجن الذي قطع فيه السارق على عهد رسول الله ﷺ، كان ثمنه عشرة دراهم. وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا ابن نُمَير وعبد الأعلى(١٥) وعن(١٦) محمد بن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس قال : كان ثمن المجن على عهد النبي ﷺ عشرة دراهم. (١٧)
ثم قال : حدثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال : قال رسول الله ﷺ : لا تقطع يد السارق في دون ثمن المِجَن ". وكان ثمن المجن عشرة دراهم. (١٨)
قالوا : فهذا ابن عباس وعبد الله بن عمرو قد خالفا ابن عمر في ثمن المجن، فالاحتياط الأخذ بالأكثر ؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
وذهب بعض السلف إلى أنه تُقْطَعُ يدُ السارق في عشرة دراهم، أو دينار، أو ما يبلغ قيمته واحدًا منهما، يحكى هذا عن علي، وابن مسعود، وإبراهيم النَّخَِعي، وأبي جعفر الباقر، رحمهم الله تعالى.
وقال بعض السلف : لا تقطع الخمس إلا في خمس، أي : في خمسة دنانير، أو خمسين درهمًا. وينقل هذا عن سعيد بن جبير، رحمه الله.
وقد أجاب الجمهور عما تمسك به الظاهرية من حديث أبي هريرة :" يَسْرقُ البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده " بأجوبة :
أحدها : أنه منسوخ بحديث عائشة. وفي هذا نظر ؛ لأنه لا بد من بيان التاريخ.
والثاني : أنه مؤول ببيضة الحديد وحبل السفن، قاله الأعمش فيما حكاه البخاري وغيره عنه.
والثالث : أن هذا وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده، ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية، حيث كانوا يقطعون في القليل والكثير، فلعن السارق الذي يبذل يده الثمينة في الأشياء المهينة.
وقد ذكروا أن أبا العلاء المَعرِّي، لما قدم بغداد، اشتهر عنه أنه أورد إشكالا على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار، ونظم في ذلك شعرًا دل على جهله، وقلة عقله فقال :
يَدٌ بخمس مئين عسجد وديَتُ(١٩)ما بالها قُطعَتْ في رُبْع دينار
تَناقض ما لنا إلا السكوت لهوأن نَعُوذ بمَوْلانا من النارِ(٢٠)
ولما قال ذلك واشتهر عنه تَطَلّبه(٢١) الفقهاء فهرب منهم. وقد أجابه الناس في ذلك، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي، رحمه الله، أنه قال : لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت. ومنهم من قال : هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة، فإنه في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار لئلا يُجْنى عليها، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار لئلا يتسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب ؛ ولهذا قال [ تعالى ](٢٢) ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي : مجازاة على صنيعهما السِّيئ في أخذهما أموال الناس بأيديهم، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك ﴿نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ أي : تنكيلا من الله بهما على ارتكاب ذلك ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي : في انتقامه ﴿حِكِيمٌ﴾ أي : في أمره ونهيه وشرعه وقدره.
١ صحيح البخاري برقم (٦٧٩٩) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٧)..
٢ صحيح البخاري برقم (٦٧٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٦)..
٣ الموطأ (٢/٨٣٢)..
٤ في ر: "الصنع"..
٥ في أ: "فلم"..
٦ في ر: "أو الحجة"..
٧ في ر: "يقطع السارق"..
٨ صحيح البخاري برقم (٦٧٨٩) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٤)..
٩ صحيح مسلم (١٦٨٤)..
١٠ في أ: "بثلاثة".
.

١١ زيادة من أ..
١٢ المسند (٦/٨٠)..
١٣ في أ: "فقيل"..
١٤ سنن النسائي (٨/٨٠)..
١٥ في أ: "بن عبد الأعلى" وهو خطأ..
١٦ في أ: "حدثنا"..
١٧ المصنف (٩/٤٧٤) ورواه الدارقطني في السنن (٣/١٩١) من طريق محمد بن إسحاق به..
١٨ المصنف (٩/٤٧٤) ورواه الدارقطني في السنن (٣/١٩٠) من طريق محمد بن إسحاق به، والحديث مضطرب، اختلف فيه على محمد بن إسحاق - كما ترى - وروي من أوجه أخرى كثيرة
.

١٩ في ر، أ: "فديت"..
٢٠ رواهما الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٨/٣٠)..
٢١ في أ: "فطلبه"..
٢٢ زيادة من ر، أ..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
فَهُوَ ذَلِكَ الْمَقَامُ، فَإِنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] (١) يَحْتَبِسُ أَقْوَامًا بِخَطَايَاهُمْ فِي النَّارِ مَا شَاءَ، لَا يُكَلِّمُهُمْ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ أَخْرَجَهُمْ. قَالَ: فَلَمْ أَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ أُكَذِبَ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا دَعْلَج بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَفْصٍ السَّدُوسي، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ المُهَلَّب، حَدَّثَنِي طَلْق بْنُ حَبِيبٍ قَالَ: كُنْتُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ تَكْذِيبًا بِالشَّفَاعَةِ، حَتَّى لَقِيتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَرَأْتُ (٢) عَلَيْهِ كُلَّ آيَةٍ أَقْدِرُ عَلَيْهَا يَذْكُرُ اللَّهَ [تَعَالَى] (٣) فِيهَا خُلُودَ أَهْلِ النَّارِ، فَقَالَ: يَا طَلْقُ، أتُرَاك أَقْرَأُ لِكِتَابِ اللَّهِ وَأَعْلَمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (٤) مِنِّي؟ إِنَّ الَّذِينَ قَرَأْتَ هُمْ أَهْلُهَا، هُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ أَصَابُوا ذُنُوبًا فَعُذِّبُوا، ثُمَّ أُخْرِجُوا مِنْهَا ثُمَّ أَهْوَى بِيَدَيْهِ (٥) إِلَى أُذُنَيْهِ، فَقَالَ (٦) صُمَّتًا إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَمَا دَخَلُوا". وَنَحْنُ نَقْرَأُ كَمَا قَرَأْتَ.
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾
يَقُولُ تَعَالَى حَاكِمًا وَآمِرًا بِقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ، وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الجُعْفي، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقْرَؤُهَا: "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا". وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ مُوَافِقًا لَهَا، لَا بِهَا، بَلْ هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ. وَقَدْ كَانَ الْقَطْعُ مَعْمُولًا بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فقُرِّرَ فِي الْإِسْلَامِ وَزِيدَتْ شُرُوطٌ أخَر، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا كَانَتِ الْقِسَامَةُ وَالدِّيَةُ والقرَاض وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَقْرِيرِهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَزِيَادَاتٌ هِيَ مِنْ تَمَامِ الْمَصَالِحِ. وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَطَعَ الْأَيْدِيَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قُرَيْشٌ، قَطَعُوا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: "دُوَيْكٌ" مَوْلًى لِبَنِي مُلَيح بْنِ عَمْرٍو مِنْ خُزَاعة، كَانَ قَدْ سَرَقَ كَنْزَ الْكَعْبَةِ، وَيُقَالُ: سَرَقَهُ قَوْمٌ فَوَضَعُوهُ عِنْدَهُ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ مَتَّى سَرَقَ السَّارِقُ شَيْئًا قُطِعَتْ يَدُهُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا؛ لِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا نِصَابًا وَلَا حِرْزًا، بَلْ أَخَذُوا بِمُجَرَّدِ السَّرِقَةِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ نَجْدَة الحَنَفِي قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أَخَاصٌّ أم عام؟
(١) زيادة من د.
(٢) في د: "وقرأت".
(٣) زيادة من ر.
(٤) زيادة من د، أ.
(٥) في أ: "بيده".
(٦) في ر: "ثم قال".
فَقَالَ: بَلْ عَامٌّ.
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُوَافَقَةً مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَمَسَّكُوا بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَعَن اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ". (١) وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَاعْتَبَرُوا النِّصَابَ فِي السَّرِقَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ بَيْنَهُمُ الْخِلَافُ فِي قَدْرِهِ، فَذَهَبَ كُلٌّ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ إِلَى قَوْلٍ عَلَى حِدَةٍ، فَعِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: النِّصَابُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ خَالِصَةٍ، فَمَتَى سَرَقَهَا أَوْ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهَا فَمَا فَوْقَهَا وَجَبَ الْقَطْعُ، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي مِجَن ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. (٢)
قَالَ مَالِكٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَطَعَ عُثْمَانُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي أتْرُجَّة قُوِّمَت بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا الْأَثَرُ عَنْ عُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرة بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ أُتْرُجَّةً، فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ أَنْ تُقَوم، فَقُومَت بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ، فَقَطَعَ عُثْمَانُ يَدَهُ. (٣)
قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: وَمِثْلُ هَذَا الصَّنِيعِ (٤) يُشْتَهَرُ، وَلَمْ (٥) يُنْكَرْ، فَمِنْ مِثْلِهِ يُحْكَى الْإِجْمَاعُ السُّكوتي، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْقَطْعِ فِي الثِّمَارِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وَعَلَى اعْتِبَارِ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ خِلَافًا لَهُمْ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي اعْتِبَارِ رُبْعِ دِينَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، إِلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ بِرُبْعِ دِينَارٍ أَوْ مَا يُسَاوِيهِ مِنَ الْأَثْمَانِ أَوِ الْعُرُوضِ فَصَاعِدًا. وَالْحُجَّةُ (٦) فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ: الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرة، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ (٧) فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا". (٨)
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرة، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا". (٩)
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَهَذَا الْحَدِيثُ فَاصِلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَنَصٌّ فِي اعْتِبَارِ رُبْعِ الدِّينَارِ لَا مَا سَاوَاهُ. قَالُوا: وَحَدِيثُ ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَأَنَّهُ كَانَ ثَلَاثَةَ (١٠) دَرَاهِمَ، لَا يُنَافِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ كَانَ الدينار باثني عشر
(١) صحيح البخاري برقم (٦٧٩٩) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٧).
(٢) صحيح البخاري برقم (٦٧٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٦).
(٣) الموطأ (٢/٨٣٢).
(٤) في ر: "الصنع".
(٥) في أ: "فلم".
(٦) في ر: "أو الحجة".
(٧) في ر: "يقطع السارق".
(٨) صحيح البخاري برقم (٦٧٨٩) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٤).
(٩) صحيح مسلم (١٦٨٤).
(١٠) في أ: "بثلاثة".
دِرْهَمًا، فَهِيَ ثَمَنُ رُبْعِ دِينَارٍ، فَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ.
وَيُرْوَى هَذَا المذهبُ عَنْ عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَبِهِ يَقُولُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، والأوزاعي، والشافعي، وأصحابه، وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ-وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيُّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَذَهَبَ الْإِمَامُ أحمد بن حنبل، وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ-إِلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ رُبْعِ الدِّينَارِ وَالثَّلَاثَةِ دَرَاهِمَ مَرَدٌ شَرْعِيٌّ، فَمَنْ سَرَقَ وَاحِدًا مِنْهُمَا، أَوْ مَا يُسَاوِيهِ قُطِعَ عَمَلًا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَوَقَعَ فِي لَفْظٍ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنْ عَائِشَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] (١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "اقْطَعُوا فِي رُبْعِ دِينَارٍ، وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ" (٢) وَكَانَ رُبْعُ الدِّينَارِ يَوْمئِذٍ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَالدِّينَارُ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ: لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِيمَا دُونَ ثَمَنِ الْمِجَنِّ. قِيلَ (٣) لِعَائِشَةَ: مَا ثَمَنُ المجَن؟ قَالَتْ: رُبْعُ دِينَارٍ. (٤)
فَهَذِهِ كُلُّهَا نُصُوصٌ دَالَّةٌ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ عِشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وزُفَر، وَكَذَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ النِّصَابَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ غَيْرِ مَغْشُوشَةٍ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ثَمَنَ الْمِجَنِّ الَّذِي قُطِعَ فِيهِ السَّارِقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ ثَمَنُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَير وَعَبْدُ الْأَعْلَى (٥) وَعَنْ (٦) مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. (٧)
ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: لا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي دُونِ ثَمَنِ المِجَن". وَكَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. (٨)
قَالُوا: فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَدْ خَالَفَا ابْنَ عُمَرَ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ، فَالِاحْتِيَاطُ الْأَخْذُ بِالْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبَهَاتِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ تُقْطَعُ يدُ السَّارِقِ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ دِينَارٍ، أَوْ مَا يَبْلُغُ قِيمُتُهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، يُحْكَى هَذَا عَنْ علي، وابن مسعود، وإبراهيم النَّخَِي، وأبي جعفر الباقر، رحمهم الله تعالى.
(١) زيادة من أ.
(٢) المسند (٦/٨٠).
(٣) في أ: "فقيل".
(٤) سنن النسائي (٨/٨٠).
(٥) في أ: "بن عبد الأعلى" وهو خطأ.
(٦) في أ: "حدثنا".
(٧) المصنف (٩/٤٧٤) ورواه الدارقطني في السنن (٣/١٩١) من طريق محمد بن إسحاق به.
(٨) المصنف (٩/٤٧٤) ورواه الدارقطني في السنن (٣/١٩٠) من طريق محمد بن إسحاق به، والحديث مضطرب، اختلف فيه على محمد بن إسحاق -كما ترى- وروي من أوجه أخرى كثيرة
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا تُقْطَعُ الْخَمْسُ إِلَّا فِي خَمْسٍ، أَيْ: فِي خَمْسَةِ دَنَانِيرَ، أَوْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا. وَيُنْقُلُ هَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ أَجَابَ الْجُمْهُورُ عَمَّا تَمَسَّكَ بِهِ الظَّاهِرِيَّةُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "يَسْرقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ" بِأَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ التَّارِيخِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِبَيْضَةِ الْحَدِيدِ وَحَبْلِ السُّفُنِ، قَالَهُ الْأَعْمَشُ فِيمَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا وَسِيلَةٌ إِلَى التَّدَرُّجِ فِي السَّرِقَةِ مِنَ الْقَلِيلِ إِلَى الْكَثِيرِ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ يَدُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِخْبَارِ عَمَّا كَانَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، حَيْثُ كَانُوا يَقْطَعُونَ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَلَعَنَ السَّارِقَ الَّذِي يَبْذُلُ يَدَهُ الثَّمِينَةَ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَهِينَةِ.
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ أَبَا الْعَلَاءِ المَعرِّي، لَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ، اشْتُهِرَ عَنْهُ أَنَّهُ أَوْرَدَ إِشْكَالًا عَلَى الْفُقَهَاءِ فِي جَعْلِهِمْ نِصَابَ السَّرِقَةِ رُبْعَ دِينَارٍ، وَنَظَمَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا دَلَّ عَلَى جَهْلِهِ، وَقِلَّةِ عَقْلِهِ فَقَالَ:
يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وديَتُ (١) مَا بِالُهَا قُطعَتْ فِي رُبْع دِينَارِ...
تَناقض مَا لَنَا إِلَّا السُّكُوتُ لَهُوَأَنْ نَعُوذ بمَوْلانا مِنَ النارِ (٢)
وَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ وَاشْتُهِرَ عَنْهُ تَطَلّبه (٣) الْفُقَهَاءُ فَهَرَبَ مِنْهُمْ. وَقَدْ أَجَابَهُ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ جَوَابُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَانَتْ أَمِينَةً كَانَتْ ثَمِينَةً، فَلَمَّا خَانَتْ هَانَتْ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا مِنْ تَمَامِ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَأَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ الْعَظِيمَةِ، فَإِنَّهُ فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ نَاسِبٌ أَنْ تَعْظُمَ قِيمَةُ الْيَدِ بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ لِئَلَّا يُجْنى عَلَيْهَا، وَفِي بَابِ السَّرِقَةِ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ رُبْعَ دِينَارٍ لِئَلَّا يَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي سَرِقَةِ الْأَمْوَالِ، فَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْحِكْمَةِ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ؛ وَلِهَذَا قَالَ [تَعَالَى] (٤) ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ: مُجَازَاةً عَلَى صَنِيعِهِمَا السِّيئ فِي أَخْذِهِمَا أَمْوَالِ النَّاسِ بِأَيْدِيهِمْ، فَنَاسَبَ أَنْ يَقْطَعَ مَا اسْتَعَانَا بِهِ فِي ذَلِكَ ﴿نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: تَنْكِيلًا مِنَ اللَّهِ بِهِمَا عَلَى ارْتِكَابِ ذَلِكَ ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أَيْ: فِي انْتِقَامِهِ ﴿حِكِيمٌ﴾ أَيْ: فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدْرِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: مَنْ تَابَ بَعْدَ سَرِقَتِهِ وَأَنَابَ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَأَمَّا (٥) أَمْوَالُ النَّاسِ فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّهَا إِلَيْهِمْ أَوْ بَدَلِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَتَى قُطِعَ وَقَدْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ بَدَلَهَا. وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِسَارِقٍ قَدْ سَرَقَ شَمْلَةً فَقَالَ: "مَا إخَاله سَرَقَ"! فَقَالَ السَّارِقُ: بَلَى يَا رسول الله. قال: "اذهبوا به
(١) في ر، أ: "فديت".
(٢) رواهما الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٨/٣٠).
(٣) في أ: "فطلبه".
(٤) زيادة من ر، أ.
(٥) في د: "وأما".
فَاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوهُ، ثُمَّ ائْتُونِي بِهِ". فَقُطِعَ فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ: "تُبْ إِلَى اللَّهِ". فَقَالَ: تُبْتُ إِلَى اللَّهِ. فَقَالَ: "تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ". (١)
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلًا وَرَجَّحَ إرساله علي بن الْمَدِينِيِّ وَابْنُ خُزَيْمة (٢) رَحِمَهُمَا اللَّهُ، رَوَى (٣) ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَة، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عَمْرو بْنَ سَمُرة بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَرَقْتُ جَمَلًا لِبَنِي فُلَانٍ فَطَهِّرْنِي! فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: إِنَّا افْتَقَدْنَا جَمَلًا لَنَا. فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ. قَالَ ثَعْلَبَةُ: أَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ وَقَعَتْ يَدُهُ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي طَهَّرَنِي مِنْكِ، أَرَدْتِ أَنْ تُدْخِلِي جَسَدِي النَّارَ. (٤)
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، عَنْ حُيَي بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَرَقَتِ امْرَأَةٌ حُليًّا، فَجَاءَ الَّذِينَ سَرَقَتْهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَرَقَتْنَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اقْطَعُوا يَدَهَا الْيُمْنَى". فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنْتِ الْيَوْمَ مِنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ وَلَدَتْكِ أُمُّكِ"! قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥)
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَبْسَطِ مِنْ هَذَا، فَقَالَ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهيعة، حَدَّثَنِي حُيَي بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ بِهَا الَّذِينَ سَرَقَتْهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ سَرَقَتْنَا! قَالَ قَوْمُهَا: فَنَحْنُ نَفْدِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "اقْطَعُوا يَدَهَا" فَقَالُوا: نَحْنُ نَفْدِيهَا بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ. قَالَ: "اقْطَعُوا يَدَهَا". قَالَ: فَقُطِعَتْ يَدُهَا الْيُمْنَى. فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، أَنْتِ الْيَوْمَ مِنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ وَلَدَتْكِ أُمُّكِ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦)
وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ، وَحَدِيثُهَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شأنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَأَتَى بِهَا رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَتَلَوَّنَ وجهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ؟ " فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَلَمَّا كَانَ
(١) سنن الدارقطني (٣/١٠٢) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٣٨١) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان به موصولا وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولم يخرجاه". وسكت عنه الذهبي.
(٢) رواه الدارقطني في السنن (٣/١٠٣) وأبو داود في المراسيل برقم (٢٤٤) وعبد الرزاق في المصنف برقم (١٣٥٨٣) من طريق سفيان عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ مرسلا.
(٣) في أ "وقد روى".
(٤) سنن ابن ماجة برقم (٢٥٨٨) وقال البوصيري في الزوائد (٢/٣١٧) :"هذا إسناد ضعيف لضعف عبد الله بن لهيعة".
(٥) تفسير الطبري (١٠/٢٩٩).
(٦) المسند (٢/١٧٧).
العَشي قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَطَبَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضعيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَإِنِّي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لقطعتُ يَدَهَا". ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ يَدُهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] (١) فحَسنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ، وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (٢) وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَطْعِ يَدِهَا. (٣)
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ مَتَاعًا عَلَى أَلْسِنَةِ جَارَاتِهَا (٤) وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَطْعِ يَدِهَا.
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (٥) -وَهَذَا لَفْظُهُ-وَفِي لَفْظٍ لَهُ: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْحُلِيَّ لِلنَّاسِ ثُمَّ تُمْسِكُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لِتَتُبْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَرُدَّ مَا تَأْخُذُ عَلَى الْقَوْمِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قُمْ يَا بِلَالُ فَخُذْ بِيَدِهَا (٦) فَاقْطَعْهَا" (٧)
وَقَدْ وَرَدَ فِي أَحْكَامِ السَّرِقَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي كِتَابِ "الْأَحْكَامِ"، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أَيْ: هُوَ الْمَالِكُ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، الْحَاكِمُ فِيهِ، الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ (٨) وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
(١) زيادة من أ.
(٢) صحيح البخاري برقم (٢٦٤٨) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٨).
(٣) صحيح مسلم برقم (١٦٨٨).
(٤) في ر: "جارتها".
(٥) المسند (٢/١٥١) وسنن أبي داود برقم (٤٣٩٥) وسنن النسائي (٨/٧٠).
(٦) في أ: "فخذ يدها".
(٧) سنن النسائي (٨/٧١).
(٨) في ر: "يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء" وهو خطأ.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٣٨ - ٤٠ } ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
السارق : هو من أخذ مال غيره المحترم خفية، بغير رضاه. وهو من كبائر الذنوب الموجبة لترتب العقوبة الشنيعة، وهو قطع اليد اليمنى، كما هو في قراءة بعض الصحابة.
وحد اليد عند الإطلاق من الكوع، فإذا سرق قطعت يده من الكوع، وحسمت في زيت لتنسد العروق فيقف الدم، ولكن السنة قيدت عموم هذه الآية من عدة أوجه :
منها : الحرز، فإنه لابد أن تكون السرقة من حرز، وحرز كل مال : ما يحفظ به عادة. فلو سرق من غير حرز فلا قطع عليه.
ومنها : أنه لابد أن يكون المسروق نصابا، وهو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما يساوي أحدهما، فلو سرق دون ذلك فلا قطع عليه.
ولعل هذا يؤخذ من لفظ السرقة ومعناها، فإن لفظ " السرقة " أخذ الشيء على وجه لا يمكن الاحتراز منه، وذلك أن يكون المال محرزا، فلو كان غير محرز لم يكن ذلك سرقة شرعية.
ومن الحكمة أيضا أن لا تقطع اليد في الشيء النزر التافه، فلما كان لابد من التقدير، كان التقدير الشرعي مخصصا للكتاب.
والحكمة في قطع اليد في السرقة، أن ذلك حفظ للأموال، واحتياط لها، وليقطع العضو الذي صدرت منه الجناية، فإن عاد السارق قطعت رجله اليسرى، فإن عاد، فقيل : تقطع يده اليسرى، ثم رجله اليمنى، وقيل : يحبس حتى يموت. وقوله :﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ أي : ذلك القطع جزاء للسارق بما سرقه من أموال الناس.
﴿نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ﴾ أي : تنكيلا وترهيبا للسارق ولغيره، ليرتدع السراق -إذا علموا- أنهم سيقطعون إذا سرقوا.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي : عَزَّ وحكم فقطع السارق.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
ولم يبق إلا العذاب الأليم، الموجع الدائم الذي لا يخرجون منه أبدا، بل هم ماكثون فيه سرمدا.
-[٢٣١]-
{٣٨ - ٤٠} ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
السارق: هو من أخذ مال غيره المحترم خفية، بغير رضاه. وهو من كبائر الذنوب الموجبة لترتب العقوبة الشنيعة، وهو قطع اليد اليمنى، كما هو في قراءة بعض الصحابة.
وحد اليد عند الإطلاق من الكوع، فإذا سرق قطعت يده من الكوع، وحسمت في زيت لتنسد العروق فيقف الدم، ولكن السنة قيدت عموم هذه الآية من عدة أوجه:
منها: الحرز، فإنه لا بد أن تكون السرقة من حرز، وحرز كل مال: ما يحفظ به عادة. فلو سرق من غير حرز فلا قطع عليه.
ومنها: أنه لا بد أن يكون المسروق نصابا، وهو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما يساوي أحدهما، فلو سرق دون ذلك فلا قطع عليه.
ولعل هذا يؤخذ من لفظ السرقة ومعناها، فإن لفظ"السرقة" أخذ الشيء على وجه لا يمكن الاحتراز منه، وذلك أن يكون المال محرزا، فلو كان غير محرز لم يكن ذلك سرقة شرعية.
ومن الحكمة أيضا أن لا تقطع اليد في الشيء النزر التافه، فلما كان لا بد من التقدير، كان التقدير الشرعي مخصصا للكتاب.
والحكمة في قطع اليد في السرقة، أن ذلك حفظ للأموال، واحتياط لها، وليقطع العضو الذي صدرت منه الجناية، فإن عاد السارق قطعت رجله اليسرى، فإن عاد، فقيل: تقطع يده اليسرى، ثم رجله اليمنى، وقيل: يحبس حتى يموت. وقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ أي: ذلك القطع جزاء للسارق بما سرقه من أموال الناس.
﴿نَكَالا مِّنَ اللَّهِ﴾ أي: تنكيلا وترهيبا للسارق ولغيره، ليرتدع السراق -إذا علموا- أنهم سيقطعون إذا سرقوا.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عَزَّ وحكم فقطع السارق.
﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فيغفر لمن تاب فترك الذنوب، وأصلح الأعمال والعيوب.
وذلك أن لله (١) ملك السماوات والأرض، يتصرف فيهما بما شاء من التصاريف القدرية والشرعية، والمغفرة والعقوبة، بحسب ما اقتضته حكمته ورحمته الواسعة ومغفرته.
(١) في ب: الله له.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٤ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي أحكام القرآن — ابن الفرس زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
نَكَالًا
عُقُوبَةً.

إعراب الآية ٣٨ من سورة المائدة

من كتاب: إعراب القرآن

بالابتداء، ويكون التقدير: إلّا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم. فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لهم. غَفُورٌ رَحِيمٌ.

[سورة المائدة (٥) : آية ٣٥]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ.
أي بترك المعاصي والجهاد.

[سورة المائدة (٥) : آية ٣٨]

وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ رفع بالابتداء، والخبر فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما وعند سيبويه «١» الخبر محذوف والتقدير عنده: وفيما فرض عليكم السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، والرفع عند الكوفيين بالعائد، وقرأ عيسى بن عمر وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ «٢» نصبا وهو اختيار سيبويه. قال «٣» : إلا أن العامة أبت إلّا الرفع، يريد بالعامة الجماعة ونصبه بإضمار فعل أي: اقطعوا السارق والسارقة وإنما اختار النصب لأن الأمر بالفعل أولى. وقد خولف سيبويه في هذا فزعم الفراء «٤» : أن الرفع أولى لأنه ليس يقصد به إلى سارق بعينه فنصب وإنما المعنى كلّ من سرق فاقطعوا يده. وهذا قول حسن غير مدفوع. يدلّ عليه أنهم قد أجمعوا على أن قرءوا وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما [النساء: ١٦] وهذا مذهب محمد ابن يزيد، فأما فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ولم يقل فيه: يديهما فقد تكلّم فيه النحويون فقال الخليل: أرادوا أن يفرّقوا بين ما في الإنسان منه واحد وما فيه اثنان فقال: أشبعت بطونها. وإِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم: ٤]، وقال الفراء: لما كان أكثر ما في الإنسان من الجوارح اثنين حملوا الأقل على الأكثر، وقال غيرهما: فعل هذا لأن التثنية جمع، وقيل: لأنه لا يشكل، وأجاز النحويون التثنية على الأصل والتوحيد لأنه يعرف، وأجاز سيبويه جمع غير هذا، وحكى: وصغار حالهما يريد رحلي راحلتين.
جَزاءً بِما كَسَبا مفعول من أجله، وإن شئت كان مصدرا، وكذا نَكالًا مِنَ اللَّهِ.

[سورة المائدة (٥) : آية ٣٩]

فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)
فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ شرط وجوابه فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ.
(١) انظر الكتاب ١/ ١٩٦.
(٢) وهذه قراءة ابن أبي عبلة أيضا. انظر معجم القراءات القرآنية ٢/ ٢٠٨ وتفسير القرطبي ٦/ ١١٦، والكشاف ١/ ٣٧٧، والبحر المحيط ٣/ ٤٨٩.
(٣) انظر الكتاب ١/ ١٩٧.
(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٣٠٦.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٣٨ من سورة المائدة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا...﴾ [٣٨].
قال الكلبي: نزلت في طعمة بن ابَيْرق سارق الدرع. وقد مضت قصته.

الموضوعات القرآنية للآية ٣٨ من سورة المائدة

١١ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢١ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٧ قولًا
١
عن محمد بن المُنكَدِر، قال: قَطَع رسول الله يدَ سارق مِن الكُوع، وحَسَمَها١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٢٧- مرسلًا.
٢
عن عمرو بن دينار: كان النبي ﷺ يقطع اليد من الكوع، وكان يقطع من المفصل، وكان عليٌّ يقطع الكَفَّ من الأصابع، والرِّجْلَ مِن شطر القدم١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٦١.
٣
عن عبد خير، قال: أتى عليًّا سارقٌ، فقطع يده، ثم أتى، فقطع رجله، ثم أتى، فضربه وحبسه، وقال: إني لأستحي أن لا أدَعَ له يدًا يستنجي بها، ولا رجلًا يمشي بها١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٦١.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- أنّه سُئِل عن التيمم. فقال: إنّ الله قال في كتابه حين ذكر الوضوء: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة:٦]. وقال في التيمم: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ [النساء:٤٣]. وقال: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾. فكانت السُّنَّةُ في القطع الكفين، إنما هو الوجه والكفان. يعني: التيمم١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي في سننه ١‏/‏١٨٢ (١٤٥).
٥
عن عمرو بن دينار، أنّ نجدة بن عامر كتب إلى ابن عباس: السارق يسرق فتقطع يده، ثم يعود فتقطع يده الأخرى؟ قال الله تعالى: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾. قال: بلى، ولكن يده ورجله من خلاف. قال: قال عمرو: سمعته من عطاء منذ أربعين سنة١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١٠‏/‏١٨٥-١٨٦ (١٨٧٦٣).
٦
عن ابن جُرَيْج، قال: قلت لعطاء: سرق الأولى؟ قال: يقطع كفُّه. قلت فما قولهم: أصابعه؟ قال: لم أدرك إلا قطع الكفِّ كُلِّها. قلت: فسرق الثانية؟ قال: ما أرى أن يقطع إلا في السرقة الأولى اليد قطُّ، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾. ولو شاء أمر بالرِّجْل، ولم يكن الله نَسِيًّا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١٠‏/‏١٨٤-١٨٥ (١٨٧٥٨).
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٣/١٦٣-١٦٤) أن عطاء بن رباح قال: لا تقطع في السرقة إلا اليد اليمنى فقط، ثم إن سرق بعد ذلك عُزِّر وحبس. وانتقده مستندًا لمخالفته الإجماع، فقال: «وهذا تمسك بظاهر الآية، والقول شاذ، فيلزم على ظاهر الآية أن تقطع اليد ثم اليد».
٧
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ اليمنى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٤٠٨.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾، يعنى: أيمانهما من الكُرْسُوع١٢
التخريج
  1. ١الكُرْسُوع: طرف رأس الزَّندِ مما يلي الخِنصَرَ. النهاية (كرسع).
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٧٣-٤٧٤.
٩
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿جزاء بما كسبا نكالا من الله﴾، قال: لا تَرْثُوا لهم فيه؛ فإنّه أمرُ اللهِ الذي أمرَ به، قال: وذُكِر لنا: أنّ عمر بن الخطاب كان يقول: اشتدُّوا على السُّرّاق، فاقطعوهم يدًا يدًا، ورجلًا رجلًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨/ ٤١٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ بلفظ: اشتدوا على الفُسّاق واجعلوهم يدًا يدًا، ورجلًا رجلًا.
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ يعنى: سَرَقا، ﴿نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ يعنى: عقوبة من الله قطع اليد، ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٧٣-٤٧٤.
١١
عن عائشة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تُقطَعُ يدُ السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٨‏/‏١٦٠-١٦١ (٦٧٨٩، ٦٧٩٠، ٦٧٩١)، ومسلم ٣‏/‏١٣١٢-١٣١٣ (١٦٨٤) واللفظ له.
١٢
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا قطعَ فيما دون عشرة دراهم»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١١‏/‏٥٠٢ (٦٩٠٠) وفي إسناده حجاج بن أرطاة. وقال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق ٤‏/‏٥٥٥ (٣٠٠٧): «وأما حديث الحجاج عن عمرو فرواه الإمام أحمد في المسند عن نصر بن باب عنه.. ونصر: ليس بثقة، قاله ابن معين، وقال النسائي: متروك. وقال البخاري: يرمونه بالكذب. وحجاج مدلس، ولم يسمع هذا الحديث من عمرو». وقال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏٢٧٣ (١٠٦٤٢): «وفيه الحجاج بن أرطاة وهو مدلس، ونصر بن باب ضعّفه الجمهور، وقال أحمد: ما كان به بأس». قال ابن حجر في الفتح ١٢‏/‏١٠٣: «حجاج بن أرطاة ضعيف ومدلّس».
١٣
عن ابن عباس، قال: قطع رسول الله ﷺ يد رجل في مِجَنٍّ قيمته دينار، أو عشرة دراهم١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود ٦‏/‏٤٣٩ (٤٣٨٧)، من طريق ابن نمير عن محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس به. قال النووي في شرح مسلم ١١‏/‏١٨٣: «رواية ضعيفة لا يُعمل بها لو انفردت، فكيف وهي مخالفة لصريح الأحاديث الصحيحة الصريحة»، وقال ابن الملقّن في البدر المنير ٨‏/‏٦٥٦: «ما رُوِي «أن ثمنه عشرة أو خمسة» فواهٍ»، وقال ابن حجر في الفتح ١٢‏/‏١٠٣: «وهو أشد في الاضطراب».
١٤
عن نَجْدة الحنفيِّ، قال: سألتُ عبد الله بن عباس عن قوله: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، أخاصٌّ أم عامٌّ؟ قال: بل عامٌّ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٤٠٩، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٣‏/‏١٠٠-.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ كثير (٥/٢٠٩) على هذا القول بقوله: «وهذا يحتمل أن يكون موافقة من ابن عباس لما ذهب إليه هؤلاء [أي: مَن قال: إن المعنيَّ سارق القليل والكثير]، ويحتمل غير ذلك».
١٥
عن نَجْدة بن نُفَيع، قال: سألتُ عبد الله بن عباس عن قوله: ﴿والسارق والسارقة﴾ الآية، قال: ما كان من الرجال والنساء قُطِع١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٦
عن أبي حنيفة وأصحابه: أنّ المعني بذلك: سارق عشرة دراهم فصاعدًا١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن جرير ٨‏/‏٤٠٩.
١٧
عن الأوزاعي: أنّ المعني بذلك: ربع دينار، أو قيمته١٢
التخريج
  1. ١علَّقه ابن جرير ٨‏/‏٤٠٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في السارق المعنيِّ بهذه الآية على قولين: الأول: أنّه السارق لثلاثة دراهم فصاعدًا. والثاني: أنه السارق لربع دينار أو قيمته. والثالث: هو سارق القليل والكثير. ورجَّح ابنُ جرير (٨/٤٠٩) القول الثاني مستندًا إلى السنّة، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا قولُ مَن قال: الآية معنيٌّ بها خاصٌّ مِن السُّرّاق، وهم سُرّاق ربعِ دينار فصاعدًا، أو قيمته؛ لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «القطع في ربع دينار فصاعدًا»». وذكر ابنُ عطية (٣/١٦٢) أن حديث عائشة المتقدم وارد في هذا القول.

آثار متعلقة بالآية

قولانِ
١
عن عمرو بن شعيب، قال: إنّ أوَّلَ حدٍّ أُقِيم في الإسلام لِرَجلٍ أُتِيَ به رسول الله ﷺ سرَق، فشُهِد عليه، فأمَر به النبي ﷺ أن يُقطَعَ، فلما حُفَّ الرجلُ١ نُظِر إلى وجه رسول الله ﷺ، كأنما سُفِيَ٢ فيه الرَّماد، فقالوا: يا رسول الله، كأنّه اشتَدَّ عليك قطعُ هذا، قال: «وما يمنعني وأنتم أعوان للشيطان على أخيكم». قالوا: فأَرْسِلْه. قال: «فهلّا قبل أن تَأتيَني به، إنّ الإمام إذا أُتِىَ بحدٍّ لم ينبغِ له أن يعطِّلَه»٣
التخريج
  1. ١حف الرجل: أي: أحدقوا به. لسان العرب (حفف).
  2. ٢سُفِيَ الرماد في وجهه: تَغيَّرَ. تاج العروس (رمد).
  3. ٣أخرجه عبد الرزاق ٧‏/‏٣١٣ (١٣٣١٨) مرسلًا.
٢
كان عامر الشعبي، وعطاء، يقولان: إذا رَدَّ السرقة قبل أن يُقْدَر عليه لم يُقْطَع؛ لقوله: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤/ ٦٣.

قراءات

قولانِ
١
عن عبد الله بن مسعود -من طريق عامر- أنّه قرأ: (فاقْطَعُوا أيْمانَهُما)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٤٠٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ. وهي قراءة شاذة. انظر: معاني القرآن للفراء ١‏/‏٣٠٦، والنكت والعيون ٢‏/‏٣٥.
٢
عن إبراهيم النخَعيِّ -من طريق ابن عون- قال: في قراءتِنا، ورُبَّما قال: في قراءة عبد الله [بن مسعود]-: (والسّارِقُونَ والسّارِقاتُ فاقْطَعُوا أيْمانَهُما)١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٧٣٧ - تفسير)، وابن جرير ٨/ ٤٠٧. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ. وهي قراءة شاذة. انظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٠٦، والجامع لأحكام القرآن ٧/ ٤٦٠، والبحر المحيط ٣/ ٤٨٨، وهي عندهما بلفظ: (أيْمانَهُمْ).
التفسير بالمأثور لسورة المائدة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٣٨ من سورة المائدة

١١ وقفةً في هذه الآية

  • ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) أيديهم مقطوعة، لكن الله يدعوهم إلى التوبة مهما بقيت آثار الجريمة خالدة وباقية وعصية على الزوال فليست عائقا دون التوبة والتصحيح قد يعجزون عن استعادة أيديهم لكنهم قادرون على استعادة إيمانهم وهذا هو الأهم.

    — عبدالله بلقاسم

  • (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ).. أكل الحرام نقص في الأديان والأبدان.

    — عبدالله بلقاسم

  • }والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } في آخر الآية قال سبحانه : {والله عزيز حكيم} سبحانه عزّ وحَكم فقطع يد السارق وعز وحكم فعاقب المعتدين !

    — نايف الفيصل

  • قد لا تُختم الآية الكريمة بأسماء الله الحسنى صراحة، ولكن قد تذكر فيها أحكام تلك الأسماء، كقوله تعالى -لما ذكر عقوبة السرقة، فإنه قال في آخرها-: (نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، أي: عز وحكم فقطع يد السارق، وعز وحكم فعاقب المعتدين شرعًا، وقدرًا، وجزاء.

    — تفسير السعدي

  • { ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء } قدم العذاب على المغفرة ؛ لأنه في سياق عقوبات ، ألا ترى قبلها { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله... أن يقتلوا أو يصلبوا } وقوله {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ... } .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • آية (٣٨) : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) * قدّم السارق على السارقة لأن هذا الجرم أكثر ما يقع من الرجال لتمكنهم من ذلك من حيث طبيعتهم أكثر من النساء. * قال (فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا) ولم يقل يديهما لأن الأفصح في اللغة أنه إذا أضيف المثنى إلى متضمّنه (أي الذي يتضمنه) فالأفصح جمع المضاف. مثال: القلب والإنسان الإنسان يتضمن القلب، هذه قاعدة، سارق وسارقة اثنان واليد متضمنة في الشخصين فلم يقل يديهما وإنما قال أيديهما بالجمع، العرب تقول أكلت رؤوس الكبشين (لا رأسي الكبشين)، وقد وردت في القرآن في أكثر من موطن (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا). * قال تعالى (وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ولم يقل غفور رحيم لأنه تعالى لو غفر ورحِم ما قطع ولكنه تعالى عزّ فحَكَمَ فقَطَع.

    — مختصر لمسات بيانية

  • آية (38): *ما دلالة استخدام (وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) في آية سورة المائدة؟(د.فاضل السامرائي) قال تعالى في سورة المائدة (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {38}) ولم يقل والله غفور رحيم لأنه تعالى لو قال غفور رحيم تدلّ على أنه لو غفر ورحِم ما قطع ولكنه تعالى عزّ فحَكَمَ فقَطَع. *النظر إلى المُفردة أو اللفظة داخل آي القرآن الكريم مع التي قبلها والتي بعدها والآية مع الآيات التي قبلها والتي بعدها ومع النسق العام للسورة والمنظومة داخل القرآن كله.(د.فاضل السامرائى) هذا التفت إليه القدامى وذكروا في السياق وقالوا هو من أهم القرائن وبحثوا فيها وأطالوا فيه وكلمة السياق ليست حديثة مبتدعة وإنما هي قديمة ذكروها في علوم القرآن. أعرابي ينتبه إلى السياق عندما قرأ القارئ (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ (38) المائدة) ختمها بقوله والله غفور رحيم فاعترض على السياق وقال لا تستقيم وسياق الآية وقال أراها (وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) عز فحكم فقطع ولو غفر ورحم ما قطع، هو اعترض على السياق. نحن لاحظنا في القدامى لما كان يتنافر الشعراء في الجاهلية يقول أحدهم أنت تقول الشعر وابن عمه وأنا أقول الشعر وأخاه، البيت وأخاه بمعنى يعني أنت تقول البيت وابن عمه يعني بعيداً عنه في المعنى وليس مناسباً له وأنا أقول البيت وأخاه أي أقرب إليه في المعنى، هذا السياق. *ما دلالة الجمع فى قوله تعالى (فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا) ولم يقل يدبهما؟ وهل أقل الجمع اثنين؟(د.فاضل السامرائى) هذا سؤال لغوي نحوي. الأفصح في اللغة أنه إذا أضيف المثنى إلى متضمّنه (أي الذي يتضمنه) المثنى يُجمع. مثال: القلب والإنسان الإنسان يتضمن القلب، فإذن الأفصح أن لا يقال يديهما في اللغة والشعر والقرآن مثل (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) المائدة) لم يقل يديهما، هذه قاعدة والأفصح في اللغة أنه إذا أضيف المثنى إلى متضمنه سارق وسارقة اثنان واليد متضمنة في الشخصين فلم يقل يديهما وإنما قال أيديهما بالجمع. العرب تقول أكلت رؤوس الكبشين (لا رأسي الكبشين) ومهمهين معدتين ظهراهما مثل ظهور الترسين، ظهور جمع والترسين مثنى، هذا الأفصح في اللغة وهذا مقرر في كتب اللغة وكتب النحو. وهذا يرد كثيراً في اللغة إذا أضيف المثنى إلى متضمنه فالأفصح جمع المضاف وقد وردت في القرآن في أكثر من موطن (صغت قلوبكما) (فاقطعوا أيديهما).

    — فاضل السامرائي

  • *ورتل القرآن ترتيلاً : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)) قدّم السارق على السارقة لأن هذا الجرم أكثر ما يقع من الرجال لتمكنهم من ذلك من حيث طبيعتهم أكثر من النساء. (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (38)) تأمل هذه الجملة كيف جمع اليد فقال (أيدي) ثم أدخل التثنية على الجمع (هما) فصارت (أيديهما). أما الجمع فهو باعتبار أفراد نوع السارق والتثنية لتشمل الذكر والأنثى. هناك فائدة معرفية:أول رجل قطعت يده في الإسلام الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف وأول امرأة قطعت يدها المخزومية مُرّة بنت سفيان. (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ (38)) الجزاء المكافأة على العمل بما يناسب ذلك العمل من خير أو شر. والنكال العقاب الشديد الذي من شأنه أن يصد المعاقَب عن العود إلى مثل عمله الذي عوقب به. حكمة: إن حكمة مشروعية القطع هي الردع وعدم العود. فهو قصاص وجزاء للاستصلاح لا للانتقام والتعويض عن المسروق خلافاً لما نُسب إلى المعرّي وهو قوله: يدٌ بخمس مئين عسجدِ ودية ما بالها قُطعت في ربع دينار فرد عليه علم الدين السخوي: عِزُّ الأمانة أعلاها وأرخصها

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • قوله تعالى (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) البقرة ( 263) . ان ختام الآية دائم التناسق مع مبدئها ومحتواها ، روى أن أعرابياً سمع قارئا يقرأ قوله تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ) المائدة ( 38) ، فختمها القارئ بقوله ( والله غفور رحيم ) ، فقال الأعرابي : ما هذا كلام فصيح ! ، فقيل له : ليس التلاوة كذلك ، وإنما هي : (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ، فقال : بَخٍ بَخٍ ، عز ، فحكم ، فقطع . وحكى أن أعرابيا آخر سمع قارئا يقرأ قوله تعالى (فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) البقرة ( 209 ) ، فقرأها القارئ ( فاعلموا أن الله غفور رحيم ) ، ولم يكن الأعرابي يقرأ القران ، فقال : ان هذا ليس بكلام الله ، لأن الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل ، لأنه إغراء عليه . ولذلك في هذه الآية الكريمة التي تحل محل النظرة لما كان المقام مقام تهديد لأولئك المتصدقين الذين يتبعون ما أنفقوا منا ولا أيضا مقام اشعر لهم بأن الكلام الطيب والاعتذار الحسن مع العفو عمن أساء اليهم ، خير من صدقاتهم تلك ، بين الله سبحانه وتعالى أنه غنى عن الصدقات ، لن يناله منها شيء ، وانما النفع يعود عليهم ، والله تعالى مع غناه الكامل حليم على المان بالصدقات ، حيث لم يوقع عليه العقوبة التي يستحقها لمنه ، ولكنه – تعالى – حليم يصفح مع عطائه الواسع عمن يمن بمال الله الذي استودعه إياه .

    — صالح العايد

  • سؤال : ما الفرق بين العذاب والعقاب والنكال ؟ الجواب : العذاب هو الألم التقيل والإيجاع الشديد جزاء كان أو لا , وسواء كان صاحبه مستحقا أم غير مستحق . والعقاب جزاء الشر , وينبئ عن استحقاق . وسمي بذلك لأن الفاعل يستحقه عقيب فعله . جاء في ( لسان العرب ) : " العقاب والمعاقبة أن تجزئ الرجل بما فعل سوء . والاسم العقوبة : وعاقبه بذنبه معاقبة عقابا : أخذه به " . وأما النكال فهو العقوبة الرادعة للغير , وإذا رآه خاف أن يعمل عمله . جاء في ( لسان العرب ) : " النكل اسم لما جعلته نكالا لغيره إذا رآه خاف أن يعمل عمله ... نكل به تنكيلا إذا جعله نكالا وعبرة لغيره . ويقال : نكلت بفلان إذا عاقبته في جرم أجرمه عقوبة تنكل غيره عن ارتكاب مثله " . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الجزء الثاني ص : 136)

    — فاضل السامرائي

  • التفسير الفقهي سورة المائدة آية 37

    — سعد الشثري

فتاوى متعلقة بالآية ٣٨ من سورة المائدة

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٣٨ من سورة المائدة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(38) [As for] the thief, the male and the female, amputate their hands in recompense for what they earned [i.e., committed] as a deterrent [punishment] from Allāh. And Allāh is Exalted in Might and Wise.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال