جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. .
يقول جلّ ثناؤه : ومن سرق من رجل أو امرأة، فاقطعوا أيها الناس يده. ولذلك رفع السارق والسارقة، لأنهما غير معينين، ولو أريد بذلك سارق وسارقة بأعيانهما لكان وجه الكلام النصب. وقد رُوي عن عبد لله بن مسعود أنه كان يقرأ ذلك :«والسارقو ن والسارقات ».
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن إبراهيم، قال : في قراءتنا قال : وربما قال في قراءة عبد الله :«والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما ».
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن إبراهيم : في قراءتنا :«والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما ».
وفي ذلك دليل على صحة ما قلنا من معناه، وصحة الرفع فيه، وأن السارق والسارقة مرفوعان بفعلهما على ما وصفت للعلل التي وصفت. وقال تعالى ذكره : فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما والمعنى أيديهما اليمنى كما :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما : اليمنى.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر، قال : في قراءة عبد الله :«والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما ».
ثم اختلفوا في السارق الذي عناه الله، فقال بعضهم : عني بذلك سارق ثلاثة دراهم فصاعدا وذلك قول جماعة من أهل المدينة، منهم مالك بن أنس ومن قال بقوله. واحتجوا لقولهم ذلك بأن رسول الله ﷺ «قطع في مجنّ قيمته ثلاثة دراهم ».
وقال آخرون : بل عنى بذلك : سارق ربع دينار أو قيمته. وممن قال ذلك الأوزاعي ومن قال بقوله. واحتجوا لقولهم ذلك بالخبر الذي رُوي عن عائشة أنها قالت : قال رسول الله ﷺ :«القَطْعُ في رُبْعِ دينارٍ فَصَاعِدا ».
وقال آخرون : بل عني بذلك سارق عشرة دراهم فصاعدا. وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه. واحتجوا في ذلك بالخبر الذي رُوي عن عبد الله بن عمر وابن عباس، أن النبيّ ﷺ «قطع في مجنّ قيمته عشرة دراهم ».
وقال آخرون : بل عنى بذلك : سارق ربع دينار أو قيمته. وممن قال ذلك الأوزاعي ومن قال بقوله. واحتجوا لقولهم ذلك بالخبر الذي رُوي عن عائشة أنها قالت : قال رسول الله ﷺ :«القَطْعُ في رُبْعِ دينارٍ فَصَاعِدا ».
وقال آخرون : بل عني بذلك سارق عشرة دراهم فصاعدا. وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه. واحتجوا في ذلك بالخبر الذي رُوي عن عبد الله بن عمر وابن عباس، أن النبيّ ﷺ «قطع في مجنّ قيمته عشرة دراهم ».
وقال آخرون : بل عني بذلك سارق القليل والكثير. واحتجوا في ذلك بأن الآية على الظاهر، وأنه ليس لأحد أن يخصّ منها شيئا إلاّ بحجة يجب التسليم لها. وقالوا : لم يصحّ عن رسول الله ﷺ خبر بأن ذلك في خاصّ من السّرّاق. قالوا : والأخبار فيما قَطَع فيه رسول الله ﷺ مضطربة مختلفة، ولم يرو عنه أحد أنه أُتِي بسارق درهم فخلّى عنه، وإنما رووا عنه أنه قطع في مجنّ قيمته ثلاثة دراهم. قالوا : وممكن أن يكون لو أتى بسارق ما قيمته دانق أن يقطع. قالوا : وقد قطع ابن الزبير في درهم. ورُوي عن ابن عباس أنه قال : الاَية على العموم.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا عبد المؤمن، عن نجدة الحنفي، قال : سألت ابن عباس عن قوله : وَالسّارِقُ والسّارِقَةُ أخاصّ أم عامّ ؟ فقال : بل عامّ.
والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال : الاَية معنيّ بها خاصّ من السراق، وهو سراق ربع دينار فصاعدا أو قيمته، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال :«القَطْعُ في رُبعِ دِينَارٍ فصَاعِدا ». وقد استقصيت ذكر أقوال المختلفين في ذلك مع عللهم التي اعتلوا بها لأقوالهم، والتلميح عن أوْلاها بالصواب بشواهده في كتابنا كتاب السرقة، فكرهنا إطالة الكتاب بإعادة ذلك في هذا الموضع. وقوله : جَزَاءً بِمَا كَسَبا نَكالاً مِنَ اللّهِ يقول : مكافأة لهما على سرقتهما وعملهما في التلصص بمعصية الله. نَكَالاً مِنَ الله يقول : عقوبة من الله على لصوصيتهما. وكان قتادة يقول في ذلك ما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَالسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيدِيَهُما جَزَاءً بِمَا كَسَبا نِكالاٍ مِنَ اللّهِ وَالله عَزَيزٌ حَكيمٌ : لا تَرْثُوا لهم أن تقيموا فيهم الحدود، فإنه والله ما أمر الله بأمر قطّ إلاّ وهو صلاح، ولا نهى عن أمر قطّ إلاّ وهو فساد.
وكان عمر بن الخطاب يقول : اشتدّوا على السّراق فاقطعوهم يدا يدا ورِجلاً رجلاً. وقوله : وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكيمٌ يقول جلّ ثناؤه : والله عزيز في انتقامه من هذا السارق والسارقة وغيرهما من أهل معاصيه، حكيم في حكمه فيهم وقضائه عليهم. يقول : فلا تفرطوا إيها المؤمنون في إقامة حكمي على السارق وغيرهم من أهل الجرائم الذين أوجبت عليهم حدودا في الدنيا عقوبة لهم، فإني بحكمي قضيت ذلك عليهم، وعلمي بصلاح ذلك لهم ولكم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
ذكر من قال ذلك:
١١٩٠٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة: أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس رحمه الله: أعمى البصر أعمى القلب، يزْعُم أن قومًا يخرجون من النار، (١) وقد قال الله جل وعز:"وما هم بخارجين منها"؟ فقال ابن عباس: ويحك، أقرأ ما فوقها! هذه للكفّار.
* * *
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ومن سرقَ من رجل أو امرأة، فاقطعوا، أيها الناس، يَدَه= ولذلك رفع"السارق والسارقة"، لأنهما غير معيّنين. ولو أريد بذلك سارقٌ وسارقة بأعيانهما، لكان وجه الكلام النّصب.
* * *
وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ ذلك: (والسارقون والسارقات).
١١٩٠٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن إبراهيم قال: في قراءتنا= قال: وربما قال: في قراءة عبد الله= (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما).
* * *
=وفي ذلك دليل على صحة ما قلنا من معناه، وصحة الرفع فيه، وأن"السارق والسارقة" مرفوعان بفعلهما على ما وصفت، للعلل التي وصفت.
* * *
وقال تعالى ذكره:"فاقطعوا أيديهما"، والمعنى: أيديهما اليمنى، كما:-
١١٩٠٩ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فاقطعوا أيديهما" اليمنى.
١١٩١٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر قال: في قراءة عبد الله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما).
* * *
ثم اختلفوا في"السارق" الذي عناه الله عز ذكره.
فقال بعضهم: عنى بذلك سارقَ ثلاثة دراهم فصاعدًا. وذلك قول جماعة من أهل المدينة، منهم مالك بن أنس ومن قال بقوله. واحتجّوا لقولهم ذلك، بأنّ:-
١١٩١١- رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قطَع في مِجَنّ قيمته ثلاثةُ دَرَاهم. (١)
* * *
وقال آخرون: بل عنى بذلك سارق رُبع دينار أو قيمته. وممن قال ذلك، الأوزاعيّ ومن قال بقوله. واحتجوا لقولهم ذلك بالخبر الذي رُوي عن عائشة أنها قالت:
١١٩١٢- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القطعُ في ربع دِينارٍ فصاعدًا. (٢)
* * *
و"المجن": الترس، لأنه يجن صاحبه، أي يواريه.
(٢) الأثر: ١١٩١٢- ساقه هنا بغير إسناد أيضًا، وقد مضى ص: ٢٦٦، تعليق رقم: ١.
وهذا الخبر رواه البخاري بأسانيده (الفتح ١٢: ٨٩- ٩١)، ومسلم بأسانيده في صحيحه ١١: ١٨٠- ١٨٣.
١١٩١٣- أن النبي ﷺ قَطَع في مِجَنّ قيمته عَشْرة دراهم. (١)
* * *
وقال آخرون: بل عني بذلك سارقَ القليل والكثير. واحتجوا في ذلك بأن الآية على الظاهر، وأنْ ليس لأحد أنَ يخُصَّ منها شيئًا، إلا بحجة يجب التسليم لها. (٢) وقالوا: لم يصحّ عن رسول الله ﷺ خبرٌ بأن ذلك في خاصّ من السُرَّاق. قالوا: والأخبار فيما قَطَع فيه رسول الله ﷺ مضطربة مختلفة، ولم يروِ عنه أحد أنه أتي بسارق درهمٍ فَخلَّى عنه، وإنما رووا عنه أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم. قالوا: وممكن أن يكون لو أتى بسارق ما قيمته دانقٌ أن يَقْطع. قالوا: وقد قطع ابن الزبير في دِرْهم.
* * *
وروي عن ابن عباس أنه قال: الآيةُ على العموم.
١١٩١٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبد المؤمن، عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله:"والسارق والسارقة"، أخاصّ أم عام؟ فقال: بل عام. (٣)
* * *
(٢) في المطبوعة: "وأنه ليس لأحد"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) الأثر: ١١٩١٤-"عبد المؤمن بن خالد الحنفي المروزي"، قاضي مرو. قال أبو حاتم: "لا بأس به"، وذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب.
و"نجدة بن نفيع الحنفي". روى عن ابن عباس. مترجم في التهذيب.
* * *
وقوله:"جزاء بما كسبا نكالا من الله"، يقول: مكافأةً لهما على سرقتهما وعملهما في التلصصّ بمعصية الله (٢) ="نكالا من الله" يقول: عقوبة من الله على لُصُوصيتهما. (٣)
* * *
وكان قتادة يقول في ذلك ما:-
١١٩١٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم"، لا تَرْثُوا لهم أن تقِيموا فيهم الحدود، (٤) فإنه والله ما أمر الله بأمرٍ قَطُّ إلا وهو صلاحٌ، ولا نهى عن أمرٍ قَطُّ إلا وهو فساد. (٥)
* * *
(٢) انظر تفسير"الجزاء" فيما سلف من فهارس اللغة (جزى).
= وتفسير"كسب" فيما سلف ٩: ١٩٦، تعليق: ١ والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير"النكال" فيما سلف ٢: ١٧٦، ١٧٧/ ٨: ٥٨٠.
(٤) "رثى له يرثى": رحمه ورق له.
(٥) ولكننا قد أظلنا زمان عطلت فيه الحدود، بزعم الرثاء لمن أصاب حدًا من حدود الله. وطالت ألسنة قوم من أهل الدخل، فاجترأوا على الله بافترائهم، وزعموا أن الذي يدعونه من الرحمة لأهل الحدود هو الصلاح، وأن ما أمر الله به هو الفساد!! فاللهم نجنا من زمان تبجح فيه الأشرار بسلطانهم، وتضاءل فيه أهل الإيمان بمعاصيهم.