مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم﴾
في اتصال الآية بما قبلها وجهان : الأول : أنه تعالى لما أوجب في الآية المتقدمة قطع الأيد والأرجل عند أخذ المال على سبيل المحاربة، بين في هذه الآية أن أخذ المال على سبيل السرقة يوجب قطع الأيدي والأرجل أيضا، والثاني : أنه لما ذكر تعظيم أمر القتل حيث قال :﴿من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا﴾ ذكر بعد هذا الجنايات التي تبيح القتل والإيلام، فذكر أولا : قطع الطريق، وثانيا : أمر السرقة، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلف النحويون في الرفع في قوله ﴿والسارق والسارقة﴾ على وجوه : الأول : وهو قول سيبويه والأخفش : أن قوله ﴿والسارق والسارقة﴾ مرفوعان بالابتداء، والخبر محذوف والتقدير : فيما يتلى عليكم السارق والسارقة، أي حكمهما كذا، وكذا القول في قوله ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما﴾ وفي قوله ﴿واللذان يأتيانها منكم فئاذوهما﴾ وقرأ عيسى بن عمر ﴿والسارق والسارقة﴾ بالنصب، ومثله ﴿الزانية والزاني﴾ والاختيار عند سيبويه النصب في هذا. قال لأن قول القائل : زيدا فاضربه أحسن من قولك : زيد فاضربه، وأيضا لا يجوز أن يكون ﴿فاقطعوا﴾ خبر المبتدأ، لأن خبر المبتدأ لا يدخل عليه الفاء.
والقول الثاني : وهو اختيار الفراء : أن الرفع أولى من النصب، لأن الألف واللام في قوله ﴿والسارق والسارقة﴾ يقومان مقام «الذي » فصار التقدير : الذي سرق فاقطعوا يده، وعلى هذا التقدير حسن إدخال حرف الفاء على الخبر لأنه صار جزاء، وأيضا النصب إنما يحسن إذا أردت سارقا بعينه أو سارقة بعينها، فأما إذا أردت توجيه هذا الجزاء على كل من أتى بهذا الفعل فالرفع أولى، وهذا القول اختاره الزجاج وهو المعتمد.
ومما يدل على أن المراد من الآية الشرط والجزاء وجوه : الأول : أن الله تعالى صرح بذلك وهو قوله ﴿جزاء بما كسبا﴾ وهذا دليل على أن القطع شرع جزاء على فعل السرقة، فوجب أن يعم الجزاء لعموم الشرط، والثاني : أن السرقة جناية، والقطع عقوبة، وربط العقوبة بالجناية مناسب، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على أن الوصف علة لذلك الحكم، والثالث : أنا لو حملنا الآية على هذا الوجه كانت الآية مفيدة، ولو حملناها على سارق معين صارت مجملة غير مفيدة، فكان الأول أولى.
وأما القول الذي ذهب إليه سيبويه فليس بشيء، ويدل عليه وجوه : الأول : أنه طعن في القرآن المنقول بالتواتر عن الرسول عليه الصلاة والسلام وعن جميع الأمة، وذلك باطل قطعا، فإن قال لا أقول : إن القراءة بالرفع غير جائزة ولكني أقول : القراءة بالنصب أولى، فنقول : وهذا أيضا رديء لأن ترجيح القراءة التي لم يقرأ بها إلا عيسى بن عمر على قراءة الرسول وجميع الأمة في عهد الصحابة والتابعين أمر منكر وكلام مردود. والثاني : أن القراءة بالنصب لو كانت أولى لوجب أن يكون في القراء من قرأ ( واللذين يأتيانها منكم ) بالنصب، ولما لم يوجد في القراء أحد قرأ كذلك علمنا سقوط هذا القول.
الوجه الثالث : أنا إذا قلنا :﴿والسارق والسارقة﴾ مبتدأ، وخبره هو الذي نضمره، وهو قولنا فيما يتلى عليكم، فحينئذ قد تمت هذه الجملة بمتداها وخبرها، فبأي شيء تتعلق الفاء في قوله ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ فإن قال : الفاء تتعلق بالفعل الذي دل عليه قوله ﴿والسارق والسارقة﴾ يعني أنه إذا أتى بالسرقة فاقطعوا يديه فنقول : إذا احتجت في آخر الأمر إلى أن تقول : السارق والسارقة تقديره : من سرق، فاذكر هذا أولا حتى لا تحتاج إلى الإضمار الذي ذكرته. والرابع : أنا إذا اخترنا القراءة بالنصب لم يدل ذلك على كون السرقة علة لوجوب القطع، وإذا اخترنا القراءة بالرفع أفادت الآية هذا المعنى، ثم هذا المعنى متأكد بقوله ﴿جزاء بما كسبا﴾ فثبت أن القراءة بالرفع أولى. الخامس : أن سيبويه قال : هم يقدمون الأهم فالأهم، والذي هم بشأنه أعنى، فالقراءة بالرفع تقتضي تقديم ذكر كونه سارقا على ذكر وجوب القطع، وهذا يقتضي أن يكون أكبر العناية مصروفا إلى شرح ما يتعلق بحال السارق من حيث إنه سارق، وأما القراءة بالنصب فإنها تقتضي أن تكون العناية ببيان القطع أتم من العناية بكونه سارقا، ومعلوم أنه ليس كذلك، فإن المقصود في هذه الآية بيان تقبيح السرقة والمبالغة في الزجر عنها، فثبت أن القراءة بالرفع هي المتعينة قطعا والله أعلم.
المسألة الثانية : قال كثير من المفسرين الأصوليين : هذه الآية مجملة من وجوه : أحدها : أن الحكم معلق على السرقة، ومطلق السرقة غير موجب للقطع، بل لابد وأن تكون هذه السرقة سرقة لمقدار مخصوص من المال، وذلك القدر غير مذكور في الآية فكانت مجملة، وثانيها : أنه تعالى أوجب قطع الأيدي، وليس فيه بيان أن الواجب قطع الأيدي الأيمان والشمائل، وبالإجماع لا يجب قطعهما معا فكانت الآية مجملة، وثالثها : أن اليد اسم يتناول الأصابع فقط، ألا ترى أنه لو حلف لا يمس فلانا بيده فمسه بأصابعه فإنه يحنث في يمينه، فاليد اسم يقع على الأصابع وحدها، ويقع على الأصابع مع الكف، ويقع على الأصابع والكف والسعدين إلى المرفقين، ويقع على كل ذلك إلى المنكبين، وإذا كان لفظ اليد محتملا لكل هذه الأقسام، والتعيين غير مذكور في هذه الآية فكانت مجملة، ورابعها : أن قوله ﴿فاقطعوا﴾ خطاب مع قوم، فيحتمل أن يكون هذا التكليف واقعا على مجموع الأمة، وأن يكون واقعا على طائفة مخصوصة منهم، وأن يكون واقعا على شخص معين منهم، وهو إمام الزمان كما يذهب إليه الأكثرون، ولما لم يكن التعيين مذكورا في الآية كانت الآية مجملة، فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية مجملة على الإطلاق، هذا تقرير هذا المذهب.
وقال قوم من المحققين : الآية ليست مجملة البتة، وذلك لأنا بينا أن الألف واللام في قوله ﴿والسارق والسارقة﴾ قائم مقام " الذي " والفاء في قوله ﴿فاقطعوا﴾ للجزاء، فكان التقدير : الذي سرق فاقطعوا يده، ثم تأكد هذا بقوله تعالى :﴿جزاء بما كسبا﴾ وذلك الكسب لابد وأن يكون المراد به ما تقدم ذكره وهو السرقة، فصار هذا دليلا على أن مناط الحكم ومتعلقه هو ماهية السرقة ومقتضاه أن يعم الجزاء فيما حصل هذا الشرط، اللهم إلا إذا قام دليل منفصل يقتضي تخصيص هذا العام، وأما قوله " الأيدي " عامة فنقول : مقتضاه قطع الأيدي لكنه لما انعقد الإجماع على أنه لا يجب قطعهما معا، ولا الابتداء باليد اليسرى أخرجناه عن العموم.
وأما قوله : لفظ اليد دائر بين أشياء فنقول : لا نسلم، بل اليد اسم لهذا العضو إلى المنكب، ولهذا السبب قال تعالى :﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ فلولا دخول العضدين في هذا الاسم وإلا لما احتيج إلى التقييد بقوله ﴿إلى المرافق﴾ فظاهر الآية يوجب قطع اليدين من المنكبين كما هو قول الخوارج، إلا أنا تركنا ذلك لدليل منفصل.
وأما قوله : رابعا : يحتمل أن يكون الخطاب مع كل واحد، وأن يكون مع واحد معين.
قلنا : ظاهره أنه خطاب مع كل أحد، ترك العمل به فيما صار مخصوصا بدليل منفصل فيبقى معمولا به في الباقي.
والحاصل أنا نقول : الآية عامة، فصارت مخصوصة بدلائل منفصلة في بعض الصور فتبقى حجة فيما عداها، ومعلوم أن هذا القول أولى من قول من قال : إنها مجملة فلا تفيد فائدة أصلا.
المسألة الثالثة : قال جمهور الفقهاء : القطع لا يجب إلا عند شرطين : قدر النصاب، وأن تكون السرقة من الحرز، وقال ابن عباس وابن الزبير والحسن البصري : القدر غير معتبر، فالقطع واجب في سرقة القليل والكثير، والحرز أيضا غير معتبر، وهو قول داود الأصفهاني، وقول الخوارج، وتمسكوا في المسألة بعموم الآية كما قررناه، فإن قوله ﴿والسارق والسارقة﴾ يتناول السرقة سواء كانت قليلة أو كثيرة وسواء سرقت من الحرز أو من غير الحرز.
إذا ثبت هذا فنقول : لو ذهبنا إلى التخصيص لكان ذلك إما بخبر الواحد، أو بالقياس وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وبالقياس غير جائز، وحجة جمهور الفقهاء أنه لا حاجة بنا إلى القول بالتخصيص، بل نقول : إن لفظ السرقة لفظة عربية، ونحن بالضرورة نعلم أن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة من حنطة الغير، أو تبنة واحدة، أو كسرة صغيرة من خبز : إنه سرق ماله، فعلمنا أن أخذ مال الغير كيفما كان لا يسمى سرقة، وأيضا السرقة مشتقة من مسارقة عين المالك، وإنما يحتاج إلى مسارقة عين المالك لو كان المسروق أمرا يكون متعلق الرغبة في محل الشح والضنة حتى يرغب السارق في أخذه ويتضايق المسروق منه في دفعه إلى الغير ولهذا الطريق اعتبرنا في وجوب القطع أخذ المال من حرز المثل ؛ لأن ما لا يكون موضوعا في الحرز لا يحتاج في أخذه إلى مسارقة الأعين فلا يسمى أخذه سرقة. وقال داود : نحن لا نوجب القطع في سرقة الحبة الواحدة، ولا في سرقة التبنة الواحدة، بل في أقل شيء يجري فيه الشح والضنة، وذلك مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة، فربما استحقر الملك الكبير آلافا مؤلفة، وربما استعظم الفقير طسوجا، ولهذا قال الشافعي رحمه الله : لو قال لفلان على مال عظيم، ثم فسر بالحبة يقبل قوله فيه لاحتمال أنه كان عظيما عنده لغاية فقره وشدة احتياجه إليه، ولما كانت مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة وجب بناء الحكم على أقل ما يسمى مالا، وليس لقائل أن يستبعد ويقول : كيف يجوز قطع اليد في سرقة الطسوجة الواحدة، لأن الملحدة قد جعلوا هذا طعنا في الشريعة، فقالوا : اليد لما كانت قيمتها خمسمائة دينار من الذهب، فكيف تقطع لأجل القليل من المال ؟ ثم إنا أجبنا عن هذا الطعن بأن الشرع إنما قطع يده بسبب أنه تحمل الدناءة والخساسة في سرقة ذلك القدر القليل، فلا يبعد أن يعاقبه الشرع بسبب تلك الدناءة بهذه العقوبة العظيمة، وإذا كان هذا الجواب مقبولا من الكل فليكن أيضا مقبولا منا في إيجاب القطع في القليل والكثير. قال : ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيص عموم القرآن هاهنا بخبر الواحد، وذلك لأن القائلين بتخصيص هذا العموم اختلفوا على وجوه، فقال الشافعي رحمه الله : يجب القطع في ربع دينار، وروي فيه قوله عليه الصلاة والسلام :«لا قطع إلا ربع دينار » وقال أو حنيفة رحمه الله : لا يجوز القطع إلا في عشرة دراهم مضروبة وروي فيه قوله عليه الصلاة والسلام :«لا قطع إلا في ثمن المجن » والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم. وقال مالك وأحمد وإسحاق : إنه مقدر بثلاثة دراهم أو ربع دينار. وقال ابن أبي ليلى : مقدر بخمسة دراهم، وكل واحد من هؤلاء المجتهدين يطعن في الخبر الذي يرويه الآخر، وعلى هذا التقدير فهذه المخصصات صارت متعارضة، فوجب أن لا يلتفت إلى شيء منها، ويرجع في معرفة حكم الله تعالى إلى ظاهر القرآن. قال : وليس لأحد أن يقول : إن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على أنه لا يجب القطع إلا في مقدار معين. قال : لأن الحسن البصري كان يوجب القطع بمطلق السرقة، وكان يقول : احذر من قطع يدك بدرهم، ولو كان الإجماع منعقدا لما خالف الحسن البصري فيه مع قربه من ز

تفسير هذه الآية من كتب أخرى