غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿لأقتلنك﴾ بالنون الخفيفة. روى المعدّل عن زيد ﴿يدي إليك﴾ بفتح ياء المتكلم : أبو جعفر ونافع. ﴿من أجل﴾ بكسر النون : يزيد وقرأ ورش بفتح النون موصولة ﴿رسلنا﴾ بسكون السين حيث كان : أبو عمرو.
الوقوف :﴿بالحق﴾ م على أن " إذ " معمول اذكر محذوفاً ولو وصل لأوهم أنه معمول ﴿اتل﴾ وهو محال ﴿من الآخر﴾ ط ﴿لأقتلنك﴾ ط ﴿المتقين﴾ ه ﴿لأقتلك﴾ ج لاحتمال إضمار اللام أو الفاء. ﴿العالمين﴾ ه ﴿النار﴾ ج لاختلاف الجملتين. ﴿الظالمين﴾ ه ج لأجل الفاء. ﴿الخاسرين﴾ ه ﴿سوأة أخيه﴾ ط ﴿أخي﴾ ج لطول ما اعترض من المعطوف والمعطوف عليه. ﴿النادمين﴾ ه ج ﴿من أجل ذلك﴾ ج كذلك لأنّ قوله :﴿من أجل﴾ يصلح أن يتعلق بـ ﴿أصبح﴾ وبـ ﴿كتبنا﴾. ﴿جميعاً﴾ في الموضعين ط. ﴿بالبينات﴾ ز لأنّ " ثم " لترتيب الأخبار. ﴿لمسرفون﴾ ه ﴿من الأرض﴾ ط ﴿عظيم﴾ ه ﴿لا عليهم﴾ ج لتناهي الاستثناء مع الجواب أي لا تعذب التائبين. ﴿فإنّ الله غفور رحيم﴾ ه ﴿تفلحون﴾ ه ﴿منهم﴾ ج لتناهي الشرط مع اتحاد المقصود من الكلام. ﴿أليم﴾ ه لاتحاد المقصود مع اختلاف الجملتين ﴿مقيم﴾ ه ﴿من الله﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿يتوب عليه﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ﴿لمن يشاء﴾ ط ﴿قدير﴾ ه.
ثم إنه تعالى عاد إلى تتميم حكم أخذ المال من غير استحقاق وهو المأخوذ على سبيل الخفية لا المحاربة فقال :﴿والسارق والسارقة﴾ وهما مرفوعان على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه والأخفش والتقدير فيما فرض أو فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمها. وعند الفراء - وهو اختيار الزجاج - أن الألف واللام فيهما بمعنى الذي والتي وخبرهما :﴿فاقطعوا﴾ ودخول الفاء لتضمنها معنى الشرط كأنه قيل : الذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما. وقراءة عيسى بن عمر بالنصب وفضلها سيبويه على القراءة المشهورة لأن الإنشاء لا يحسن أن يقع خبراً إلاّ بتأويل وأما إذا نصبت فإنه يكون من باب الإضمار على شريطة التفسير والفاء يكون مؤذناً بتلازم ما قبلها وما بعدها مثل :﴿وربك فكبر﴾[المدثر: ٣] وضعف قول سيبويه بأنه طعن في قراءة واظب عليها رسول الله ﷺ وترجيح للقراءة الشاذة وفيه ما فيه على أن الإضمار الذي ذهب إليه هو خلاف الأصل. والذي مال إليه الفراء أدل على العموم وأوفق لقوله سبحانه :﴿جزاء بما كسبا﴾ فإنه تصريح بأن المراد من الكلام الأول هو الشرط والجزاء. أما البحث المعنوي في الآية فإن كثيراً من الأصوليين زعموا أنها مجملة لأنه لم يبين نصاب السرقة وذكر الأيدي وبالإجماع لا يجب قطع اليدين، ولأن اليد تقع على الأصابع بدليل أن من حلف لا يلمس فلاناً بيده فلمسه بأصابعه فإنه يحنث، وتقع على الأصابع مع الكف وعلى الأصابع والكف والساعدين إلى المرفقين وعلى كل ذلك إلى المنكبين. وأيضاً الخطاب في :﴿فاقطعوا﴾ إما لإمام الزمان كما هو مذهب الأكثرين أو لمجموع الأمة أو لطائفة مخصوصة فثبت بهذه الوجوه أن الآية مجملة. وقال المحققون : مقتضى الآية ولا سيما في تقدير الفراء عموم القطع بعموم السرقة إلاّ أن السنة خصصته بالنصاب. أو نقول : إن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة بر إنه سارق. والمراد بالأيدي اليدان مثل :﴿فقد صغت قلوبكما﴾[التحريم: ٤] وقد انعقد الإجماع على أنه لا يجب قطعهما معاً ولا الابتداء باليسرى. واليد اسم موضوع لهذا العضو إلى المنكب ولهذا قيد في قوله :﴿وأيديكم إلى المرافق﴾[المائدة: ٦] وقد ذهب الخوارج إلى وجوب قطع اليدين إلى المنكبين لظاهر الآية إلاّ أن السنة خصصته بالكوع. والحاصل أن الآية عامة لكنها خصصت بدلائل منفصلة فتبقى حجة في الباقي، وهذا أولى من جعلها مجملة غير مفيدة أصلاً. ثم إن جمهور الصحابة والفقهاء ذهبوا إلى أن القطع لا يجب إلاّ عند شروط كالنصاب والحرز، وخالف ابن عباس وابن الزبير والحسن وداود الأصفهاني والخوارج تمسكاً بعموم الآية، ولأن مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة، فالذي يستقله الملك يستكثره الفقير. وقد قال الشافعي : لو قال لفلان عليّ مال عظيم ثم فسره بالحبة يقبل لاحتمال أن يريد أنه عظيم في الحل أو عظيم عنده لشدة فقره.
ولما طعنت الملحدة في الشريعة بأن اليد كيف ينبغي أن تقطع في قليل مع أن قيمتها خمسمائة دينار من الذهب، أجيب عنه بأن ذلك عقوبة من الشارع له على دناءته. وإذا كان هذا الجواب مقبولاً من الكل فليكن مقبولاً منا في إيجاب القطع على القليل والكثير. وأيضاً اختلاف المجتهدين في قدر النصاب كما يجيء يدل على أن الأخبار المخصصة عندهم متعارضة فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن. ودعوى الإجماع على أن القطع مخصوص بمقدار معين غير مسموعة لخلاف بعض الصحابة والتابعين كما قلنا. واعلم أن الكلام في السرقة يتعلق بأطراف المسروق ونفس السرقة والسارق. وأما المسروق فمن شروطه عند الأكثرين أن يكون نصاباً. ثم قال الشافعي : إنه ربع دينار من الذهب الخالص وما سواه يقوم به وهو مذهب الإمامية لما روي أنه ﷺ قال :" لا قطع إلاّ في ربع دينار " وقال أبو حنيفة : النصاب عشرة دراهم لما روي أنه ﷺ قال :" لا قطع إلا في ثمن المجن " والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم، وقال مالك : ربع دينار أو ثلاثة دراهم. وعن أحمد روايتان كالشافعي وكمالك. وقال ابن أبي ليلى : خمسة دراهم. وعن الحسن : درهم. وفي مواعظه :" احذر من قطع يدك في درهم ". ومنها أن يكون المسروق ملك غير السارق لدى الإخراج من الحرز. فلو سرق مال نفسه من يد غيره كيد المرتهن والمستأجر أو طرأ ملكه في المسروق قل إخراجه من الحرز بأن ورثه السارق أو اتهبه وهو فيه سقط القطع. ومنها أن يكون محترماً لا كخمر وخنزير. ومنها أن يكون الملك تاماً قوياً. والمراد بالتمام أن لا يكون السارق فيه شركة أو حق كمال بيت المال، وبالقوّة أن لا يكون ضعيفاً كالمستولدة والوقف. ومنها كون المال خارجاً عن شبهة استحقاق السارق، فلو سرق رب الدين من مال المديون فإن أخذه لا على قصد استيفاء الحق أو على قصده والمديون غير جاحد ولا مماطل قطع، وإن أخذه على قصد استيفاء الحق وهو جاحد أو مماطل فلا يقطع سواء أخذ من جنس حقه أو لا من جنسه. وإذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر وكان المال محرزاً عنه فعند أبي حنيفة لا يجب القطع. وعند الشافعي ومالك وأحمد يجب. ومنها كون المال محرزاً لقوله ﷺ :" لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن " وحرز كل شيء على حسب حاله. فالإصطبل حرز الدواب وإن كانت نفيسة وليس حرزاً للثياب والنقود.
والصفة في الدار وعرصتها حرزان للأواني وثياب البذلة دون الحلي والنقود فإن العادة فيها الإحراز في الصناديق والمخازن. وعن أبي حنيفة أن ما هو حرز لمال فهو حرز لكل مال. وأما السرقة فهي إخراج المال عن أن يكون محرزاً ولا بد من شرط الخفية فلا قطع على المختلس والمنتهب والمعتمد على القوة، ولا على المودع إذا جحد خلافاً لأحمد. وأما السارق فيشترط فيه التكليف والتزام الأحكام والاختيار ؛ فيقطع الذمي والمعاهد ولا يقطع المكره. وإنما تثبت السرقة بثلاث حجج : باليمين المردودة أو بالإقرار أو بشهادة رجلين. ويتعلق بها حكمان : الضمان والقطع. وقال أبو حنيفة : القطع والغرم لا يجتمعان. حجة الشافعي أن قوله ﷺ :" على اليد ما أخذت حتى تؤدى " يوجب الضمان. وقد اجتمع في هذه السرقة أمران، وحق الله لا يمنع حق العباد ولهذا يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك، ولو كان المسروق باقياً وجب رده بالاتفاق. حجة أبي حنيفة قوله تعالى :﴿جزاء بما كسبا﴾ والجزاء هو الكافي، فهذا القطع كاف في جناية السرقة. ورد بلزوم رد المسروق عند كونه قائماً. أما كيفية القطع فقد روي أنه ﷺ أتى بسارق فقطع يمينه. قال الشافعي : فإن سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثاً فيده اليسرى، فإن سرق رابعاً فرجله اليمنى، وبه قال مالك. وروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وعند أبي حنيفة وأحمد لا يقطع في الثانية وما بعدها لما روي عن ابن مسعود أنه قرأ فاقطعوا أيمانهما، وضعفه الشافعي بأن القراءة الشاذة لا تعارض ظاهر القرآن المقتضي لتكرر القطع بتكرر السرقة. واتفقوا على أنه يقطع اليد من الكوع، والرجل من المفصل بين الساق والقدم. والسيد يملك إقامة الحد على مماليكه لعموم قوله :﴿فاقطعوا﴾ ولم يجوّزه أبو حنيفة. واحتج المتكلمون بالآية في أنه يجب على الأمة نصب الإمام لأن هذا التكليف لا يتم إلاّ به وما لا يتم الواجب إلاّ به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب. وانتصاب ﴿جزاء﴾ و ﴿نكالاً﴾ على أنه مفعول لهما، والعامل ﴿اقطعوا﴾ وإن شئت فعلى المصدر من الفعل الذي دل عليه :﴿فاقطعوا﴾ أي جازوهم ونكلوا بهم ﴿جزاء بما كسبا نكالاً من الله﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : إن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية الحسن في نظر النفس فبه تميل إلى الدنيا ولذاتها.
وكان في نظر القلب أيضاً في غاية الحسن فبه يميل إلى طلب المولى، وكان العقل في نظر النفس في غاية القبح لأنها به تنزجر عن طلب الدنيا، وكذا في نظر القلب لأنه بالعقل يمتنع عن طلب الحق والفناء في الله ولهذا قيل : العقل عقيله الرجال، فحرم الله تعالى الازدواج بين التوأمين لأن الهوى إذا كان قرين النفس أنزلها أسفل سافلين الطبيعة، وإذا كان قرين القلب كان عشقاً فيوصله إلى أعلى فراديس القرب، وإذا كان العقل قرين القلب صار عقالاً له، وإذا كان قرين النفس حرضها على العبودية فرضي هابيل القلب وسخط قابيل النفس وكان صاحب زرع أي مدبر النفس النامية وهي القوّة النباتية، فقرب طعاماً من إردإ زرعه وهي القوّة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعياً لمواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية فقرب الصفة البهيمية وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية والشيطانية. فوضعا قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت فحملت الصفة البهيمية لأنها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان قابيل النفس شيئاً لأنها ليست من حطبها بل هي حطب نار الحيوانية ﴿فتبوء بإثمي وإثمك﴾ أي إثم وجودي وإثم وجودك، فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي. فقتل قابيل النفس هابيل القلب والنفس أعدى عدو القلب ﴿فأصبح من الخاسرين﴾ أما في الدنيا فبالحرمان عن الواردات والكشوف، وأما في الآخرة فبالبعد عن جنات الوصول ﴿فبعث الله غراباً﴾ هو الحرص في الدنيا ليشغل بذلك عن فعلتها. وفي تعليم الغراب إشارة إلى أنه تعالى قادر على تعليم العباد بأي طريق شاء فيزول تعجب الملائكة والرسل باختصاصهم بتعليم الخلق ﴿في الأرض لمسرفون﴾ أي في أرض البشرية ﴿إنما جزاء الذين يحاربون﴾ أولياء الله ﴿أن يقتلوا﴾ بسكين الخذلان ﴿أو يصلبوا﴾ بحبل الهجران على جذع الحرمان ﴿أو تقطع أيديهم﴾ عن أذيال الوصال ﴿وأرجلهم من خلاف﴾ عن الاختلاف ﴿أو ينفوا﴾ من أرض القربة والائتلاف ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾ جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء : في الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدو الخلقة وبه يخلص العبد من ظلمة الكفر، وفي التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية وبه الخلاص عن ظلمة المعاصي، وفي ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية وبه يخلص من ظلمه أوصاف الوجود، وفي الجهاد في سبيله وهو محو الأنانية في إثبات الهوية وبه يخلص من ظلمة أوصاف الوجود ويظفر بنور الشهود ﴿وما هم بخارجين منها﴾ لأنهم خلقوا مظاهر القهر ﴿السارق والسارقة﴾ كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور فكان تطاول أيديهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما عن قبول تلك السعادة. ﴿جزاء بما كسبا﴾ الآن في عالم الصورة ﴿نكالاً من الله﴾ تقديراً منه في الأزل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى