جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلّ لَهُمْ قُلْ أُحِلّ لَكُمُ الطّيّبَاتُ وَمَا عَلّمْتُمْ مّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ تُعَلّمُونَهُنّ مِمّا عَلّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه : يسألك يا محمد أصحابك ما الذي أُحلّ لهم أكله من المطاعم والمآكل، فقل لهم : أحلّ منها الطيبات، وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من الذبائح، وأحلّ لكم أيضا مع ذلك صيد ما علمتم من الجوارح، وهن الكواسب من سباع البهائم والطير، سميت جوارح لجرحها لأربابها وكسبها إياهم أقواتهم من الصيد، يقال منه : جرح فلان لأهله خيرا : إذا أكسبهم خيرا، وفلان جارحة أهله : يعني بذلك : كاسبهم، ولا جارحة لفلانة إذا لم يكن لها كاسب، ومنه قول أعشى بني ثعلبة :
ذَاتَ خَدّ مُنْضِجٍ مِيسَمُهُيُذْكِرُ الجارحَ ما كانَ اجْتَرَحْ
يعني : اكتسب. وترك من قوله : وَما عَلّمْتُمْ :«وصيد » ما علمتم من الجوارح اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام على ما ترك ذكره. وذلك أن القوم فيما بلغنا كانوا سألوا رسول الله ﷺ حين أمرهم بقتل الكلاب عما يحلّ لهم اتخاذه منها وصيده، فأنزل الله عزّ ذكره فيما سألوا عنه من ذلك هذه الآية فاستثنى مما كان حرم اتخاذه منها، وأمر بقُنية كلاب الصيد وكلاب الماشية وكلاب الحرث، وأذن لهم باتخاذ ذلك. ذكر الخير بذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا زيد بن حباب العكلي، قال : حدثنا موسى بن عبيدة، قال : أخبرنا صالح عن القعقاع بن حكيم، عن سلمى أم رافع، عن أبي رافع، قال : جاء جبريل إلى النبيّ ﷺ يستأذن عليه، فأذن له، فقال :«قد أذنّا لَكَ يا رَسُولَ اللّه »، قال : أجل، ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب. قال أبو رافع : فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة، فقتلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها، فتركته رحمة لها، ثم جئت إلى رسول الله ﷺ، فأخبرته، فأمرني، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاءوا فقالوا : يا رسول الله، ما يحلّ لنا من هذه الأمة التي أمرتَ بقتلها ؟ قال : فسكت رسول الله ﷺ، فأنزل الله : يَسْئَلُونَكَ ماذَا أُحِلّ لَهُمْ قُلْ أُحِلّ لَكُمُ الطّيّبَاتُ وَما عَلّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة : أن النبيّ ﷺ بعث أبا رافع في قتل الكلاب، فقتل حتى بلغ العوالي، فدخل عاصم بن عديّ وسعد بن خيثمة وعويم بن ساعدة، فقالوا : ماذا أُحلّ لنا يا رسول الله ؟ فنزلت : يَسْئَلُونَكَ ماذَا أُحِلّ لَهُمْ قُلْ أُحِلّ لَكُمُ الطّيّباتُ وَما عَلّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مكَلّبِينَ.
حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن الزبير، قال : حدثونا عن محمد بن كعب القرظيّ، قال : لما أمر النبيّ ﷺ بقتل الكلاب، قالوا : يا رسول الله، فماذا يحلّ لنا من هذه الأمة ؟ فنزلت : يَسْئَلُونَكَ ماذَا أُحِلّ لَهُمْ. . . الاَية.
ثم اختلف أهل التأويل في الجوارح التي عنى الله بقوله : وَما عَلّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ فقال بعضهم هو كلّ ما علّم الصيد فتعلمه من بهيمة أو طائر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا ابن المبارك، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن في قوله : وَما عَلّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ قال : كل ما عُلّم فصاد : من كلب، أو صقر، أو فَهِد، أو غيره.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن فضيل، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن : مُكَلّبِينَ قال : كلّ ما علم فصاد من كلب أو فهد أو غيره.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في صيد الفهد، قال : هو من الجوارح.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد في قوله : وَما عَلّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ قال : الطير، والكلاب.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الحجاج، عن عطاء، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة، عن حميد، عن مجاهد : مُكَلّبِينَ قال : من الكلاب والطير.
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ قال : من الطير والكلاب.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قال : حدثنا شعبة ( ح ) وثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن شعبة، عن الهيثم، عن طلحة بن مصرف، قال : خيثمة بن عبد الرحمن : هذا ما قد بينت لك أن الصقر والبازي من الجوارح.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، قال : سمعت الهيثم يحدّث عن طلحة الإيامي، عن خيثمة، قال : أنبئت أن الصقر، والباز، والكلب : من الجوارح.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن عليّ بن حسين، قال : الباز الصقر من الجوارح.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن يمان، عن شريك، عن جابر، عن أبي جعفر، قال : الباز والصقر من الجوارح المكلّبين.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَما عَلّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ يعني بالجوارح : الكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباهها.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه : وَما عَلّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِح مُكَلّبِينَ قال : من الكلاب وغيرها، من الصقور والبِيزان وأشباه ذلك مما يعلّم.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَما عَلّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ الجوارح : الكلاب والصقور المعلمة.
حدثني سعيد بن الربيع الرازي، قال : حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار سمع عبيد بن عمير يقول في قوله : مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ قال : الكلاب والطير.
وقال آخرون : إنما عنى الله جلّ ثناؤه بقوله : وَما عَلّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ الكلاب دون غيرها من السباع. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا أبو تميلة، قال : حدثنا عبيد، عن الضحاك : وَما عَلّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ قال : هي الكلاب.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قوله : وَما عَلّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ يقول : أحلّ لكم صيد الكلاب التي علمتموهن.
حدثنا هناد، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، قال : أخبرنا ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، قال : أما ما صاد من الطير والبُزاة من الطير، فما أدركت فهو لك، وإلا فلا تطعَمه.
وأولى القولين بتأويل الاَية، قول من قال : كلّ ما صاد من الطير والسباع فمن الجوارح، وإن صيد جميع ذلك حلال إذا صاد بعد التعليم، لأن الله جلّ ثناؤه عمّ بقوله : وَما عَلّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ : كلّ جارحة، ولم يخصص منها شيئا، فكل جارحة كانت بالصفة التي وصف الله من كل طائر وسبع فحلال أكل صيدها. وقد روِيَ عن النبيّ ﷺ، بنحو ما قلنا في ذلك خبر، مع ما في الاَية من الدلالة التي ذكرنا على صحة ما قلنا في ذلك، وهو ما :
حدثنا به هناد، قال : حدثنا عيسى بن يونس، عن مجالد، عن الشعبيّ عن عديّ بن حاتم، قال : سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازيّ، فاقل :«ما أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ ».
فأباح ﷺ صيد البازي وجعله من الجوارح، ففي ذلك دلالة بينة على فساد قول من قال : عنى الله بقوله : وَما عَلّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ : ما علمنا من الكلاب خاصة دون غيرها من سائر الجوارح.
فإن ظنّ ظانّ أن في قوله مُكَلّبِينَ دلالة على أن الجوارح التي ذكرت في قوله : وَما عَلّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ : هي الكلاب خاصة، فقد ظنّ غير الصواب، وذلك أن معنى الاَية : قل أحلّ لكم أيها الناس في حال مصيركم أصحاب كلاب الطيبات وصيد ما علّمتموه الصيد من كواسب السباع والطير. فقوله : مُكَلّبِينَ صفة للقانص، وإن صاد بغير الكلاب في بعض أحيانه، وهو نظير قول القائل يخاطب قوما : أحلّ لكم الطيبات، وما علمتم من الجوارح مكلبين مؤمنين فمعلوم أنه إنما عنى قائل ذلك إخبار القوم أن الله جلّ ذكره أحلّ لهم في حال كونهم أهل إيمان الطيبات، وصيد الجوارح التي أعلمهم أنه لا يحلّ لهم منه إلا ما صادوه بها، فكذلك قوله : أُحِلّ لَكُمُ الطّيّباتُ وَما عَلّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مكَلّبِينَ لذلك نظيره في أن التكليب للقانص بالكلاب كان صيده أو بغيرها، لا أنه إعلام من الله عزّ ذكره أنه لا يحلّ من الصيد إلا ما صادته الكلاب.

القول في تأويل قوله تعالى : تُعَلّمُونَهُنّ مِمّا عَلّمَكُمُ اللّهُ.


يعني جلّ ثناؤه بقوله : تُعَلّمُونَهُنّ : تؤدّبون الجوارح، فتعلمونهنّ طلب الصيد لكم مما علمكم الله، يعني بذلك : من التأديب الذي أدبكم الله والعلم الذي علمكم.
وقد قال بعض أهل التأويل : معنى قوله : مِمّا عَلّمَكُمُ اللّهُ : كما علمكم الله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : تُعَلّمُونَهُنّ مِمّا عَلّمَكُمُ اللّهُ يقول : تعلمونهنّ من الطلب كما علمكم الله.
ولسنا نعرف في كلام العرب «من » بمعنى الكاف، لأن «من » تدخل في كلامهم بمعنى التبعيض، والكاف بمعنى التشبيه. وإنما يوضع الحرف مكان آخر غيره إذا تقارب معنياهما، فأما إذا اختلفت معانيهما فغير موجود في كلامهم وضع أحدهما عقيب الآخر، وكتاب الله وتنزيله أحرى الكلام أن يجنب ما خرج عن المفهوم والغاية في الفصاحة من كلام من نزل بلسانه.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا إسماعيل بن صبيح، قال : حدثنا أبو هانىء، عن أبي بشر، قال : حدثنا عامر، أن عديّ بن حاتم الطائي، قال : أتى رجل رسول الله ﷺ يسأله عن صيد الكلاب، فلم يدر ما يقول له، حتى نزلت هذه الاَية : تُعَلّمُونَهُنّ مِمّا عَلّمَكُمُ اللّهُ.
قيل : اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم : هو أن يُسْتَشْلَى لطلب الصيد إذا أرسله صاحبه، ويمسك عليه إذا أخذه فلا يأكل منه، ويستجيب له إذا دعاه، ولا يفرّ منه إذا أراده، فإذا تتابع ذلك منه مرارا كان معلّما. وهذا قول جماعة من أهل الحجاز وبعض أهل العراق. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى