جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿يَأَيّهَا الرّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الّذِينَ قَالُوَاْ آمَنّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الّذِينَ هِادُواْ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هََذَا فَخُذُوهُ وَإِن لّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً أُوْلََئِكَ الّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. .
اختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية، فقال بعضهم : نزلت في أبي لُبابة بن عبد المنذر بقوله لبني قريظة حين حاصرهم النبيّ ﷺ :«إنما هو الذبح، فلا تنزلوا على حكم سعد ». ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : لا يحْزُنْكَ الّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الكُفْرِ مِنَ الّذِينَ قالُوا آمَنّا بأفْوَاهِهِم ولَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ قال : نزلت في رجل من الأنصار زعموا أنه أبو لُبابة أشارت إليه بنو قُريظة يوم الحصار ما الأمر ؟ وعلام ننزل ؟ فأشار إليهم : إنه الذبح.
وقال آخرون : بل نزلت في رجل من اليهود سأل رجلاً من المسلمين يسأل رسول الله ﷺ عن حكمه في قتيل قتله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا محمد بن بشر، عن زكريا، عن عامر : لا يحْزُنْكَ الّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الكُفْرِ قال : كان رجل من اليهود قتله رجل من أهل دينه، فقال القاتل لحلفائهم من المسلمين : سلوا لي محمدا ﷺ، فإن كان يقضي بالدية اختصمنا إليه، وإن كان يأمرنا بالقتل لم نأته.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن زكريا، عن عامر نحوه.
وقال آخرون : بل نزلت في عبد الله بن صُورِيا، وذلك أنه ارتدّ بعد سلامه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا هناد وأبو كريب، قالا : حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال : ثني الزهريّ، قال : سمعت رجلاً من مزينة يحدّث عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة حدثهم، أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدارس حين قدم رسول الله ﷺ المدينة، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة من يهود قد أحصنت. فقالوا : انطلقوا بهذا الرجل وبهذه المرأة إلى محمد ﷺ، فاسألوه كيف الحكم فيهما فولوه الحكم عليهما، فإن عمل فيهما بعملكم من التحميم، وهو الجلد بحبل من ليف مطليّ بقارٍ، ثم يُسوّد وجوههما، ثم يُحملان على حمارين وتحوّل وجوههما من قِبَل دبر الحمار، فاتبعوه، فإنما هو ملك. وإن هو حكم فيهما بالرجم ( فإنه نبيّ ) فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلُبكموه. فأتوه فقالوا : يا محمد هذا الرجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت، فاحكم فيهما، فقد وليناك الحكم فيهما فمشى رسول الله ﷺ حتى أتى أحبارهم في بيت المدارس، فقال :«يا مَعْشَرَ اليَهُودِ أخْرِجُوا إلى أعْلَمَكُمْ » فأخرجوا إليه عبد الله بن صُورِيا الأعور. وقد روي بعض بني قريظة أنهم أخرجوا إليه يومئذٍ مع ابن صوريا أبا ياسر بن أخطب ووهب بن يهودا، فقالوا : هؤلاء علماؤنا فسألهم رسول الله ﷺ حتى حصل أمرهم، إلى أن قالوا لابن صوريا : هذا أعلم من بقي بالتوراة. فخلا به رسول الله ﷺ، وكان غلاما شابا من أحدثهم سنا، فألظّ به رسول الله ﷺ المسألة، يقول :«يا ابْنَ صُورِيا أنْشُدُك الله وأذكرك أيادِيه عِنْدَ بني إسْرائيل، ألهم رسول الله ﷺ حتى حصل أمرهم، إلى أن قالوا لابن صوريا : هذا أعلم من بقي بالتوراة. فخلا به رسول الله ﷺ، وكان غلاما شابا من أحدثهم سنا، فألظّ به رسول الله ﷺ المسألة، يقول :«يا ابْنَ صُورِيا أنْشُدُك الله وأذكرك أيادِيه عِنْدَ بني إسْرائيل، هل تَعْلَمُ أنّ الله حَكَمَ فيمَنْ زَنَى بَعْدَ إحْصَانِهِ بالرّجْمِ في التّوْرَاة ؟ » فقال : اللهمّ نعم أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعلمون أنكّ نبيّ مرسل، ولكنهم يحسدونَك. فخرج رسول الله ﷺ، فأمر بهما فرُجما عند باب مسجده في بني عثمان بن غالب بن النجار. ثم كفر بعد ذلك ابن صُوريا، فأنزل الله : يا أيّها الرّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الكُفْرِ مِنَ الّذِينَ قالُوا آمَنّا بأفْوَاهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي ( ح ) وحدثنا هناد، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش ( ح )، وحدثنا هناد، قال : حدثنا عبيدة بن عبيد، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن البراء بن عازب، قال : مُرّ على النبيّ ﷺ بيهودي محمّم مجلود، فدعا النبيّ ﷺ رجلاً من علمائهم، فقال :«أهَكَذا تَجِدُونَ حَدّ الزّاني فِيكُمْ ؟ » قال : نعم. قال :«فأنْشُدُك بالذي أنْزَلَ التّورَاةَ على مُوسَى، أهَكَذا تَجِدُونَ حَدّ الزاني فيكم » ؟ قال : لا، ولولا أنك نَشَدْتَني بهذا لم أحدثك، ولكن الرجم، ولكن كثر الزنا في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحدّ، فقلنا تعالوا نجتمع فنضع شيئا مكان الرجم فيكون على الشريف والوضيع، فوضعنا التحميم والجلد مكان الرّجم. فقال النبيّ ﷺ :«اللهمّ إني أنا أوّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إذْ أَماتُوهُ » فأمر به فرجم، فأنزل الله : لا يَحْزُنْكَ الّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الكُفْرِ. . . الاَية.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهريّ، قال : كنت جالسا عند سعيد بن المسيب وعند سعي، رجل يوقره، فإذا هو رجل من مزينة كان أبوه شهد الحديبية وكان من أصحاب أبي هريرة، قال : قال أبو هريرة : كنت جالسا عند رسول الله ﷺ ( ح )، وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح كاتب الليث، قال : ثني الليث، قال : ثني عقيل، عن ابن شهاب، قال : أخبرني رجل من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه، حدّث عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال : بينا نحن مع رسول الله ﷺ، إذ جاءه رجل من اليهود، وكانوا قد أشاروا في صاحب لهم زنى بعد ما أحصن، فقال بعضهم لبعض : إن هذا النبيّ قد بُعث، وقد علمتم أن قد فرض عليكم الرجم في التوراة فكتمتموه واصطلحتم بينكم على عقوبة دونه، فانطلقوا فنسأل هذا النبيّ، فإن أفتانا بما فرض علينا في التوراة من الرجم تركنا ذلك، فقد تركنا ذلك في التوراة، فهي أحقّ أن تطاع وتصدّق. فأتوا رسول الله ﷺ، فقالوا : يا أبا القاسم إنه زنى صاحب لنا قد أحصن، فما ترى عليه من العقوبة ؟ قال أبو هريرة : فلم يرجع إليهم رسول الله ﷺ حتى قام وقمنا معه، فانطلق يؤمّ مدراس اليهود حتى أتاهم، فوجدهم يتدارسون التوراة في بيت المدارس، فقال لهم :«يا مَعْشَرَ اليَهُودِ أنْشُدُكُمْ باللّهِ الّذِي أنْزَلَ التّوْرَاةَ على مُوسَى ماذَا تَجِدُونَ فِي التّوْرَاةِ مِنَ العُقُوبَةِ على مَنْ زَنى وَقَدْ أحْصِن » ؟ قالوا : إنا نجده يُحَمّم ويجلده. وسكت حبرهم في جانب البيت. فلما رأى رسول الله ﷺ صمته ألظّ به النشدة، فقال حبرهم : اللهمّ إذ نشدتنا فإنا نجد عليهم الرجم. فقال له رسول الله ﷺ :«فَمَاذَا كانَ أوّلَ ما تَرَخّصْتُمْ بِهِ أمْرَ اللّهِ » ؟ قال : زنى ابن عمّ ملك فلم يرجمه، ثم زنى رجل آخر في أسرة من الناس، فأراد ذلك الملك رجمه، فقام دونه قومه، فقالوا : والله لا ترجمه حتى ترجم فلانا ابن عمّ الملك فاصطلحوا بينهم عقوبةً دون الرجم، وتركوا الرجم. فقال رسول الله ﷺ :«فإنّي أقْضِي بِمَا فِي التّوْرَاةِ ». فأنْزَلَ الله في ذلك : يا أيّها الرّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الكُفْرِ. . . إلى قوله : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنْزَلَ اللّهُ فأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ.
وقال آخرون : بل عُني بذلك المنافقون. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير في قوله : يا أيّها الرّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الكُفْرِ مِنَ الّذِينَ قالُوا آمَنّا بأفْوَاهِهِم ولَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ قال : هم المنافقون.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : آمَنّا بأفْوَاهِهِمْ قال : يقول هم المنافقون.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال : عُنِي بذلك : لا يحْزُنْكَ الّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الكُفْرِ مِنَ الّذِينَ قالُوا آمَنّا بأفْوَاهِهِم ولَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ : قوم من المنافقين. وجائز أن يكون كان ممن دخل في هذه الاَية ابن صُوريا، وجائز أن يكون أبو لُبابة، وجائز أن يكون غيرهما. غير أن أثبت شيء رُوي في ذلك ما ذكرناه من الرواية قبل عن أبي هريرة والبراء بن عازب، لأن ذلك عن رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ. وإذا كان ذلك كذلك، كان الصحيح من القول فيه أن يقال : عُني به عبد الله بن صُورِيا. وإذا صحّ ذلك كان تأويل الاَية : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في جحود نبوّتك والتكذيب بأنك لي نبيّ من الذين قالوا : صدّقنا بك يا محمد أنك لله رسول مبعوث، وعلمنا بذلك يقينا بوجودنا صفتك في كتابنا وذلك أن في حديث أبي هريرة الذي رواه ابن إسحاق، عن الزهري، أن ابن صوريا قال لرسول الله ﷺ : أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعلمون أنك نبيّ مرسل، ولكنهم يحسدونك. فذلك كان على هذا الخبر من ابن صوريا إيمانا برسول الله ﷺ بفيه، ولم يكن مصدّقا لذلك بقلبه، فقال الله لنبيه محمد ﷺ مطلعه على ضمير ابن صوريا وأنه لم يؤمن بقلبه، يقول : ولم يصدّق قلبه بأنك لله رسول مرسل.
القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ الّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ للكَذِبِ سَمّاعُونَ لقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يأْتُوكَ.
يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد ﷺ : يا أيها الرسول، لا يحزنك تسرّع من تسرّع من هؤلاء المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم تصديقك، وهم معتقدون تكذيبك إلى الكفر بك، ولا تسرع اليهود إلى جحود نبوّتك. ثم وصف جلّ ذكره صفتهم ونعتهم له بنعوتهم الذميمة وأفعالهم الرديئة، وأخبره معزّيا له على ما يناله من الحزن بتكذيبهم إياه مع علمهم بصدقه أنهم أهل استحلال الحرام والمآكل الرديئة والمطاعم الدنيئة من الرّشَا والسّحْت، وأنهم أهل إفك وكذب ع