جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسّحْتِ فَإِن جَآءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ﴾. .
يقول تعالى ذكره : هؤلاء اليهود الذين وصفت لك يا محمد كاذب، ليس بنبيّ، وقِيل بعضهم : إن حكم الزاني المحصَن في التوراة الجلد والتحميم، وغير ذلك من الأباطيل والإفك، ويقبلون الرشا، فيأكلونها على كذبهم على الله وفريتهم عليه. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال : حدثنا أبو عقيل، قال : سمعت الحسن يقول في قوله : سَمّاعُونَ للكَذِبِ أكّالُونَ للسّحْتِ قال : تلك الحكام سمعوا كِذْبةً، وأكلوا رِشْوَةً.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : سَمّاعُونَ للكَذِبِ أكّالُونَ للسّحْتِ قال : كان هذا في حكام اليهود بين أيديكم، كانوا يسمعون الكذب ويقبلون الرشا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : أكّالُونَ للسّحْتِ قال : الرشوة في الحكم وهم يهود.
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، وحدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا أبي وإسحاق الأزرق، وحدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله : أكّالُونَ للسّحْتِ قال : السحت : الرشوة.
حدثنا سفيان بن وكيع وواصل بن عبد الأعلى، قالا : حدثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن سالم بن أبي الجعد، قال : قيل لعبد الله : ما السحت ؟ قال : الرشوة. قالوا : في الحكم ؟ قال : ذاك الكفر.
حدثنا سفيان، قال : حدثنا غندر ووهب بن جرير، عن شعبة، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق، عن عبد الله، قال : السحت : الرشوة.
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن حريث، عن عامر، عن مسروق، قال : قلنا لعبد الله : ما كنا نرى السحت إلا الرشوة في الحكم قال عبد الله : ذاك الكفر.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد عن مسروق، قال : سألت عبد الله عن السحت، فقال : الرجل يطلب الحاجة فيقضيها، فيهدي إليه فيقبلها.
حدثنا سوار، قال : حدثنا بشر بن المفضل، قال : حدثنا شعبة، عن منصور وسليمان الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق، عن عبد الله أنه قال : السحت : الرشا.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا المحاربيّ، عن سفيان، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله : السّحْت، قال : الرشوة في الدين.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة، قال : قال عمر : ما كان من السحت : الرشا، ومهر الزانية.
حدثني سفيان، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال : السحت : الرشوة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله : أكّالُونَ للسّحْتِ قال : الرشا.
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال : ثني أبي، عن طلحة، عن أبي هريرة، قال : مهر البغيّ سُحت، وعَسْبُ الفحل سُحْت، وكسب الحَجّام سُحْت، وثمن الكلب سُحْت.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك، قال : السحت : الرشوة في الحكم.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو غسان، قال : حدثنا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق، قال : سألت ابن مسعود عن السحت، قال : الرشا، فقلت : في الحكم ؟ قال : ذاك الكفر.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : أكّالُونَ للسّحْتِ يقول : للرشا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا هشم، قال : أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سلمة بن كهيل، عن مسروق، عن علقمة : أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة، فقال : هي السحت، قالا في الحكم ؟ قال : ذاك الكفر، ثم تلا هذه الآية : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن المسعودي، عن بكير بن أبي بكير، عن مسلم بن صبيح، قال : شفع مسروق لرجل في حاجة، فأهدى له جارية، فغضب غضبا شديدا وقال : لو علمت أنك تفعل هذا ما كلمت في حاجتك ولا أكلم فيما بقي من حاجتك، سمعت ابن مسعود يقول : من شفع شفاعة ليردّ بها حقا أو يرفع بها ظلما، فأُهدي له فقبل، فهو سُحْتٌ، فقيل له : يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم قال : الأخذ على الحكم كفر.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : سَمّاعُونَ للكَذِبِ أكّالُونَ للسّحْتِ وذلك أنهم أخذوا الرشوة في الحكم وقضوا بالكذب.
حدثنا هناد، قال : حدثنا عبيدة، عن عمار، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، قال : سألت ابن مسعود عن السحت، أهو الرشا في الحكم ؟ فقال : لا، من لم يَحْكم بما أنزل الله فهو كافر، ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم، ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو فاسق، ولكن السحت يستعينك الرجل على المَظْلِمة فتعينه عليها، فَيُهدي لك الهدية فتقبلها.
حدثنا هناد، قال : حدثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن هبيرة السبئي، قال : من السحت ثلاثة : مهر البغيّ، والرشوة في الحكم، وما كان يُعْطَى الكهان في الجاهلية.
حدثنا هناد، قال : حدثنا ابن مطيع، عن حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن ضَمْرة، عن عليّ بن أبي طالب، أنه قال في كسب الحجام، ومهر البغيّ، وثمن الكلب، والاستعجال في القضية، وحلوان الكاهن، وعَسْب الفحل، والرشوة في الحكم، وثمن الخمر، وثمن المتية : من السّحْت.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : أكّالُونَ للسّحْتِ قال : الرشوة في الحكم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني عبد الرحمن بن أبي الموالى، عن عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ، قال :«كُلّ لْحَمٍ أَنْبَتَهُ السّحْتُ فالنّارُ أوْلَى بِهِ ». قيل : يا رسول الله، وما السحت ؟ قال :«الرّشْوَةُ فِي الحُكْمِ ».
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني عبد الجبار بن عمر، عن الحكم بن عبد الله، قال : قال لي أنس بن مالك، إذا انقلبتْ إلى أبيك فقل له : إياك والرّشوة فإنها سحت وكان أبوه على شُرَطَ المدينة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن سالم، عن مسروق، عن عبد الله، قال : الرشوة سحت. قال مسروق : فقلنا لعبد الله : أفي الحكم ؟ قال : لا، ثم قرأ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنْزَل اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ.
وأصل السحت : كلَب الجوع، يقال منه : فلان مسحوت المعدة : إذا كان أكولاً لا يُلَفى أبدا إلا جائعا. وإنما قيل للرّشوة السحت، تشيبها بذلك كأن بالمسترشِي من الشره إلى أخذ ما يعطاه من ذلك مثل الذي بالمسحوت المعدة من الشره إلى الطعام، يقال منه : سَحتَه وأسْحَتَه، لغتان محكيتان عن العرب، ومنه قول الفرزدق بن غالب :
| وَعَضّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ | منَ المَالِ إلا مُسَحَتا أوْ مُجَلّفُ |
القول في تأويل قوله تعالى : فإنْ جاءُوكَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أوْ أعْرِض عَنْهُمْ وَإنْ تُعرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرّوكَ شَيْئا وَإنْ حَكَمْتَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بالقِسْطِ إنّ اللّهَ يُحَبّ المُقسِطينَ.
يعني تعالى ذكره بقوله : فإنْ جاءُوكَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ : إن جاء هؤلاء القوم الآخرون الذين لم يأتوك بعد، وهم قوم المرأة البغية، محتكمين إليك، فاحكم بينهم إن شئت بالحقّ الذي جعله الله حكما له، فيمن فعَل فِعْل المرأة البغية منهم، أو أعرض عنهم، فدع الحكم بينهم إن شئت والخيار إليك في ذلك.
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ يهودُ، زنى رجل منهم له نسب حقير فرجموه، ثم زنى منهم شريف فحمّموه، ثم طافوا به، ثم استفتوا رسول الله ﷺ ليوافقهم. قال : فأفتاهم فيه بالرجم، فأنكروه، فأمرهم أن يدعوا أحبارهم ورهبانهم، فناشدهم بالله أيجدونه في التوراة، فكتموه إلا رجلاً من أصغرهم أعور، فقال : كذَبوك يا رسول الله، إنه لفي التوراة
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني الليث، عن ابن شهاب : أن الاَية التي في سورة المائدة : فإنْ جاءُوكَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ كانت في شأن الرجم.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال : إنهم أتوه يعني اليهود في امرأة منهم زنت يسألونه عن عقوبتها، فقال لهم رسول الله ﷺ :«كَيْفَ تَجِدُونَهُ عِنْدَكُمْ مَكْتُوبا فِي التّوْرَاةِ ؟ » فقالوا نؤمر برجم الزانية. فأمر بها رسول الله ﷺ، فرجمت، وقد قال الله تبارك وتعالى : وَإنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرّوكَ شَيْئا وَإنْ حَكَمْتَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بالقِسْطِ إنّ اللّهَ يُحبّ المُقْسِطِينَ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، قوله : فإنْ جاءُوكَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ قال : كانوا يَحدّون في الزنا، إلى أن زنى شابّ منهم ذو شرف، فقال بعضهم لبعض : لا يدعُكم قومه ترجمونه، ولكن اجلدوه ومثّلوا به فجلدوه وحملوه على إكاف حمار، وجعلوا وجهه مستقبل ذنب الحمار، إلى أن زنى آخرُ وضيع ليس له شرف فقالوا : ارجموه ثم قالوا : فكيف لم ترجموا الذي قبله ؟ ولكن مثل ما صنعتم به فاصنعوا بهذا. فلما كان النبيّ ﷺ، قالوا : سلوه، لعلكم تجدون عنده رخصة فنزلت : فإنْ جاءُوكَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ. . . إلى قوله : إنّ اللّهَ يُحبّ المُقْسِطِينَ.
وقال آخرون : بل نزلت هذه الاَية في قتيل قتل في يهود منهم قتله بعضهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا هناد بن السريّ وأبو كريب، قالا : حدثنا يونس بن بكير، عن م