الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ﴾ : قد تقدَّم أنَّ " يحزن " يُقرأ بفتحِ الياءِ وضَمِّها وأنهما لغتان، وهل هما بمعنًى أو بينهما فرقٌ ؟ والنهيُ للذين في الظاهر وهو من بابِ قوله :" لا أُرَيَنَّكَ ههنا " أي : لا تتعاطَ أسباباً يحصُل لك بها حزنٌ من جهتهم، وتقدم لك تحقيق ذلك مراراً، وقول أبي البقاء في " يحزنك " :" والجيد فتح الياء وضم الزاي، ويُقرأ بضم الياء وكسر الزاي من أحزنني وهي لغة " ليس بجيد، لأنها قراءةٌ متواترةٌ، وقد تقدَّم دليلها في آل عمران و " يُسارعون " من المسارعة، و " في الكفر " متعلق بالفعل قبله، وقد تقدَّم نظيرُها في آل عمران. قوله :﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ﴾ يجوز أَنْ يكونَ حالاً من الفاعل في " يُسارعون " أي : يُسارعون حالَ كونِهم / بعضَ الذين قالوا، ويجوز أن يكونَ حالاً من نفس الموصول وهو قريبٌ من معنى الأول، ويجوز أن تكونَ " مِنْ " بياناً لجنس الموصول الأول وكذلك " مِنْ " الثانية، فتكون تبييناً وتقسيماً للذين يُسارعون في الكفر، ويكون " سَمَّاعون " على هذا خبرَ مبتدأ محذوف. و " آمنَّا " منصوبٌ ب " قالوا " وب " أفواههم " متعلق ب " قالوا " لا ب " آمنًّا " بمعنى أنه لم يُجَاوِزْ قولُهم أفواهَهم، إنما نطقوا به غيرَ معتقدين له بقلوِبهم وقوله :﴿وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ جملةٌ حالية.
قوله :﴿وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ﴾ فيه وجهان، أحدُهما : ما تقدم، وهو أن يكونَ معطوفاً على " من الذين قالوا " بياناً وتقسيماً. والثاني : ان يكونَ خبراً مقدماً، و " سَمَّاعون " مبتدأ والتقدير :" ومن الذين هادوا قومٌ سَمَّاعون " فتكونُ جملةً مستأنفة، إلا أنَّ الوجه الأول مُرَجَّح بقراءة الضحاك :" سَمَّاعين " على الذم بفعل محذوف، فهذا يدل على أن الكلامَ ليس جملةً مستقلة، بل قوله :﴿وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ﴾ عطفٌ على " من الذين قالوا ". وقوله " سَمَّاعون " مثال مبالغة، و " للكذب " فيه وجهان، أحدُهما أن اللامَ زائدةٌ، و " الكذب " هو المفعول، أي : سَمَّاعون الكذب، وزيادةُ اللامِ هنا مطردةٌ لكونِ العاملِ فَرْعاً فَقَوِي باللام، ومثلُه :﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]. والثاني : على بابها من التعليل، ويكون مفعول " سَمَّاعون " محذوفاً، أي : سَمَّاعون أخباركم وأحاديثم ليكذبوا فيها بالزيادةِ والنقصِ والتبديلِ بأَنْ يُرْجِفوا بقتل المؤمنين في السرايا كما نُقِل من مخازيهم. وقوله :﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ﴾ يجوز ان تكون هذه تكريراً للأولى، فعلى هذا يجوز أَنْ يتعلَّقَ قولُه " لقوم " بنفس الكذب أي : يَسْمعون ليكذبوا لأجل قوم، ويجوزُ أن تتعلق اللام بنفس " سَمَّاعون " أي : سَمَّاعون لأجلِ قومٍ لم يأتوك لأنهم لبغضِهم لا يقربون مجلسَك وهم اليهودُ، و " لم يأتوك " في محلِّ جرٍّ لأنه صفة ل " قوم ".
قوله :﴿يُحَرِّفُونَ﴾ يجوز أن يكونَ صفةً ل " سَمَّاعون " أي : سَمَّاعون مُحَرِّفون، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في " سَمَّاعون " ويجوز أن يكون مستأنفاً لا محل له، ويجوز أن يكونَ خبر مبتدأ محذوف أي : هم مُحَرِّفون، ويجوزُ أَنْ يكونَ في محلِّ جر صفة ل " قوم " أي : لقوم محرفين. و " من بعد مواضعِه " قد أتقنته في النساء و " يقولون " ك " يحرفون " ويجوز أن يكون حالاً من ضمير " يحرفون ". والجملة الشرطية من قوله :﴿إِنْ أُوتِيتُمْ﴾ مفعولةٌ بالقول، و " هذا " مفعولٌ ثان لأوتيتم، والأول قائمٌ مقامَ الفاعل، والفاءُ جوابُ الشرطِ وهي واجبةٌ لعدم صلاحيةِ الجزاء لأن يكونَ شرطاً، وكذلك الجملةُ من قوله :﴿وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ﴾ وقوله :﴿وَمَن يُرِدِ﴾ " مَنْ " مفعول مقدم وهي شرطية. وقوله :﴿فَلَن تَمْلِكَ﴾ جوابه، والفاء أيضاً واجبةٌ لما تقدم، و " شيئاً " مفعولٌ به أو مصدر. و " من الله " متعلقٌ ب " تملكَ "، وقيل : هو حالٌ من " شيئاً " لأنه صفتُه في الأصل. قوله :﴿أُوْلَئِكَ﴾ مبتدأ، و ﴿لَمْ يُرِدِ اللَّهُ﴾ جملة فعلية خبره.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى