التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وبعد أن بين - سبحانه - ما بين من تكاليف قويمة، وشرائع حكيمة، تهدي من اتبعها إلى السعادة في الدنيا والآخرة. أتبع ذلك بالحديث عن بعض الوسائل الخبيثة التي اتبعها اليهود وأشباههم لكيد الدعوة الإِسلامية، فذكر تلاعبهم بأحكامه - تعالى -، ومحاولتهم فتنة الرسول ﷺ عند تقاضيهم أمامه، وحذر - سبحانه - رسوله من مكرهم وساق له ما يسليه ويشرح صدره، فقال - تعالى - :
﴿ياأيها الرسول...﴾
وردت أحاديث متعددة في سبب نزول هذه الآيات الكريمة، ومن ذلك : ما أخرجه البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكرواله أن رجلا منهم وامرأة قد زنيا. فقال النبي ﷺ ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ فقالوا : نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام : كذبتم. إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها.
فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبدالله بن سلام : ارفع يدك. فرفع يده فإذا آية الرجم، فقالوا : صدق يا محمد ؛ فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما.
فقال عبد الله بن عمر : فرأيت الرجل يميل نحو المرأة يقيها الحجارة.
وروى مسلم في صحيحه عن البراء بن عازب قال : مر على رسول الله ﷺ بيهودي محمم مجلود - أي قد وضع الفحم الأسود على وجهه للتنكيل به -.
فدعاهم فقال. هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ فقالوا : نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال : انشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ فقال : لا والله ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، تجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه. وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. فقلنا : تعالوا حتى نجعل شيئاً نقيمه على الشريف والوضيع. فاجتمعنا على التحميم والجلد - مكان الرجم.
فقال النبي ﷺ اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه قال : فأمر به فرجم. قال : فأنزل الله - تعالى :﴿ياأيها الرسول لاَ يَحْزُنكَ﴾.
وأخرج الإِمام أحمد عن ابن عباس قال : إن الله أنزل :﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون﴾ ﴿فأولئك هُمُ الظالمون﴾ ﴿فأولئك هُمُ الفاسقون﴾ قال ابن عباس : أنزلها الله في الطائفتين من اليهود. وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا. وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق. فكانوا على ذلك حتى قدم النبي ﷺ فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا لنا بمائة وسق فقالت الذليلة : وهل كان في حيين دينهما واحد ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض ؟ إنما أعطيناكم هاذ خوفا منكم، فأما إذ قدم محمد ﷺ فلا نعطيكم، فكادت الحرب تهيج بينهما. ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله ﷺ حكما بينهم.
ثم ذكرت العزيزة فقالت : والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم. ولقد صدقوا. ما أعطونا هذا إلا خوفا منا. فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه. إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم لا تحكموه. فدسوا إلى رسول الله ﷺ ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رسول الله ﷺ فلما جاءوه أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا. فأنزل الله - تعالى - :﴿ياأيها الرسول لاَ يَحْزُنكَ﴾ إلى قوله :﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الفاسقون﴾ قال ابن كثير - بعد أن ساق هذه الأحاديث وغيرها - فهذه الأحاديث دالة على أن رسول الله ﷺ حكم بما يوافق حكم التوراة. وليس هذا من باب الإِكرام لهم بما يعتقدون صحته، لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله - تعالى - إليه بذلك وسؤالهم إياه عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم مما تنواطأوا على كتمانه وجحوده وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة. فلما اعترفوا به مع علمهم على خلافه، ظهر زيفهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول ﷺ إنما كان عن هوى منهم وشهوه لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، ولهذا قالوا :﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ﴾ أي : إن حكم بالجلد والتحميم فاقبلوا حكمه، ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فاحذروا﴾ أي : وإن لم يحكم بذلك فاحذروا من قبوله واتباعه.
وبمطالعتنا لهذه الأحاديث التي وردت في سبب نزول الآيات، نراها جميعها قد وردت بأسانيدها صحيحة وفي كتب السنة المعتمدة، وأن بعها قد حكى أن الآيات نزلت في شأن القضية التي تحاكم فيها اليهود إلى النبي ﷺ وبعضها قد حكى أنها نزلت في قضية دماء. ولا تعارض بين هذه الأحاديث، فقد يكون هذان السببان قد حصلا في وقت واحد، أو متقارب، فنزلت هذه الآيات فيهما معا. وقد قرر العلماء أنه لا مانع من تعدد أسباب النزول للآية الواحدة أو للطائفة من الآيات.
هذا، وقد افتتحت هذه الآيات الكريمة بنداء من الله - تعالى - لرسوله ﷺ فقال - سبحانه - :﴿ياأيها الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الذين هَادُواْ﴾.
قال القرطبي : قوله - تعالى - ﴿لاَ يَحْزُنكَ﴾ قرأ نفاع بضم الياء وكسر الزاي وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الزاي. والحزن خلاف السرور. ويقال : حزن الرجل - بالكسر - فهو حزن وحزين.
والمعنى : يأيها الرسول الكريم إن ربك يقول لك : لا تهتم ولا تبال بهؤلاء المنافقين، وبأولئك اليهود الذين يقعون في الكفر بسرعة ورغبة، ويوقولن بأفواهم آمنا بك وصدقناك مع أن قلوبهم خالية من الإِيمان، ومليئة بالنفاق والفسوق والعصيان.
. لا تهتم - أيها الرسول الكريم - بهؤلاء جميعا، فإني ناصرك عليهم، وكافيك شرهم.
وفي ندائه ﷺ بعنوان الرسالة ﴿ياأيها الرسول﴾ تشريف له وتكريم وإشعار بأن وظيفته كرسول أن يبلغ رسالة الله دون أن يصرفه عن ذلك عناد المعاندين، أو كفر الكافرين، فإن تكاليف الرسالة تحتم عليه الصبر على أذى أعدائه حتى يحكم الله بينه وبينهم.
والنهي عن الحزن - وهو أمر نفسي لا اختيار للإِنسان فيه - المراد به هنا : النهي عن لوازمه، كالإِكثار من محاولة تجديد شأن المصائب. وتعظيم أمرها، وبذلك تتجدد الآلام، وتعز السلوى.
وفي هذه الجملة الكريمة تسلية الرسول ﷺ وتأنيس لقلبه، وإرشاد له إلى ما سيقع له من أعدائه من شرور حتى لا يتأثر بها عند وقوعها.
وفي التعبير بقوله :﴿يُسَارِعُونَ فِي الكفر﴾ ذم لهم على انحدارهم في دركات الكفر بسرعة من غير مواناة ولا تدبر ولا تفكر. فهم يتنقلون بحركات سريعة في ثنايا الكفر ومداخلة دون أن يزعهم وازع من خلق أو دين.
قال صاحب الكشاف : يقال : اسرع فيه الشيب، وأسرع في الفساد بمعنى : وقع فيه سريعا. فكذلك مسارعتهم في الكفر عبارة عن إلقائهم أنفسهم فيه على أسرع الوجوه، بحيث إذا وجدوا فرصة لم يخطئوها.
وقال أبو السعود : والمسارعة في الشيء : الوقوع فيه بسرعة ورغبة. وإيثار كلمة ( في ) على كلمة إلى، للإِيمان إلى أنهم مستقرون في الكفر لا يبرحونه.
وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه إلى بعض آخر منها، كإظهار موالاة المشركين، وإبراز آثار الكيد للإِسلام ونحو ذلك.
وقوله :﴿مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ بيان لأولئك المسارعين في الكفر.
والمتنقلين في دركاته من دركة إلى دركة.
وقوله ( بأفواههم ) متعلق بقوله :( قالوا ) وقوله :﴿وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ جملة حالية من ضمير، قالوا.
وقوله :﴿وَمِنَ الذين هَادُواْ﴾ معطوف على قوله :﴿مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِم﴾ وعليه فيكون الذين هادوا داخلين في الذين يسارعون في الكفر.
أي أن المسارعين في الكفر فريقان : فريق المنافقين الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وفريق اليهود الذين تميزوا بهذا الإِسم واشتركوا مع المنافقين في نفاقهم والمعنى : لا تهتم يا محمد بأولئك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين واليهود الذين من صفاتهم أنهم يظهرون الإِيمان على أطراف ألسنتهم والحال أن قلوبهم خالية منه.
وعلى هذا المعنى يكون الكلام قد تم عند قوله - تعالى - ﴿وَمِنَ الذين هَادُواْ﴾ ويكون ما بعده وهو قوله :﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾. إلخ. من أوصاف الفريقين معا، لأنهم مشتركون في المسارعة في الكفر.
ومنهم من يرى أن قوله تعالى :﴿وَمِنَ الذين هَادُواْ﴾ جملة مستأنفة لبيان أحوال فريق آخر من الناس وهم اليهود، وأن قوله - تعالى - بعد ذلك ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ إلخ.
من أوصاف هؤلاء اليهود، وأن الكلام قد تم عند قوله - تعالى - ﴿وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ وأن البيان بقوله :﴿مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ لفريق المنافقين.
قال الفخر الرازي : قوله ﴿وَمِنَ الذين هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ ذكر الفراء والزجاج ها هنا وجهين :
الأول : أن الكلام إنما يتم عند قوله :﴿وَمِنَ الذين هَادُواْ﴾ ثم يبدأ الكلام من قوله ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ وتقدير الكلام لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود ثم بعد ذلك وصف الكل بكونهم سماعين للكذب.
الثاني : أن الكلام تم عند قوله - تعالى - :﴿وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ ثم ابتدأ من قوله :﴿وَمِنَ الذين هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ وعلى هذا التقدير فقوله ( سماعون ) صفة لمحذوف.
والتقدير : ومن الذين هادوا قوم سماعون.
قال الجمل : الأولى والأحسن أن يكون قوله : و ﴿وَمِنَ الذين هَادُواْ﴾ معطوفا على البيان وهو قوله :﴿مِنَ الذين قالوا آمَنَّا﴾ فيكون البيان بشيئين المنافقين واليهود. أما على القول الثاني فيكون البيان بشيء واحد وهو المنافقون.
وقوله :﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ صفتان أخريان لأولئك الذين يقعون في الكفر بسرعة ورغبة.
وقوله :( سماعون ) جمع سماع. وهو صيغة مبالغة جيء بها لا فادة أنهم كثيروا السماع للكذب، وأنهم لفساد نفوسهم يجدون لذة في الاستماع إليه من رؤسائهم وأحبارهم، ومن هم على شاكلتهم في العناد والضلال.
واللام في قوله :( للكذب ) للتقوية أي : أنهم يسمعون الكذب كثيراً سماع قبول وتلذذ، ويأخذونه ممن يقوله من أعداء الإِسلام على أنه حقائق ثابتة لا مجال للريب فيها.
وقيل إن اللام للتعليل أي أنهم كثيرو السماع لكلام الرسول ﷺ ولأخباره من أجل الكذب عليه، عن طريق تغيير وتبديل ما سمعوه على حسب ما تهواه نفوسهم المريضة.
وقوله :{

تفسير هذه الآية من كتب أخرى