اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ كقوله :﴿كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] وقد تقدم.
[ قولُه :](١) " وعنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ " " الواوُ " للحالِ، و " التوراة " يجوزُ أن تكون مُبْتدأ والظرفُ خَبَرُه، ويجوزُ أنْ يكونَ الظرفُ حالاً، و " التوراةُ " فاعلٌ بِهِ لاعتمادِهِ على ذِي الحالِ.
والجملةُ الاسميَّةُ أو الفعليَّةُ في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ.
وقوله :﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾، " فيها " خَبَرٌ مقدمٌ، و " حُكْمُ " مبتدأ، أو فاعِلٌ كما تقدم في " التوراةِ "، والجملةُ حالٌ من " التوراةِ "، أو الجار وحدَهُ، و " حُكْمُ " مصدرٌ مضافٌ لفاعلِهِ.
وأجاز الزمخشريُّ(٢) : ألاَّ يكون لها مَحَل من الإعراب، بل هي مُبَيِّنةٌ ؛ لأنَّ عندَهُم ما يُغنيهم عن التحكيمِ، كما تقولُ :" عندك زيدٌ يَنْصَحُك، ويُشيرُ عليك بالصَّوابِ، فما تصنعُ بِغَيْره ؟ ".
وقولُه تعالى :" ثُمَّ يَتولّونَ " معطوفٌ على " يُحَكِّمونَكَ "، فهو في سياقِ التعجُّب المفهُومِ مِن " كَيْفَ " وذلك إشارةٌ إلى حُكْمِ الله الذي في التوراة، ويجوزُ أن يَعُودَ إلى التحكيم والله أعلم.

فصل


هذا تعجُّبٌ من اللَّهِ لنبيه [ عليه الصلاةُ والسلامُ ] مِنْ تحكيمِ اليهُودِ إياهُ(٣) بعد علمهم بما في التوراةِ مِنْ حدِّ الزَّانِي، ثُم تركِهِمْ قبولَ ذلك الحُكْم فيتعدلُونَ عما يعتَقدُونَه حُكْماً [ حقاً ](٤) إلى ما يعتقدُونه باطِلاً طلباً للرخْصةِ فظهر جهلهم وعنادهُم من وُجُوه :
أحدُها : عُدُولهُمْ عن حُكْمِ كتابِهِم.
والثاني : رجوعُهم إلى حكمِ مَنْ كانوا يعتقدون أنه مُبطلٌ.
والثالث : إعراضُهم عن حكمه بعد أن حكَّموه، فبينَ الله تعالى حال جهلهم وعنادهم ؛ لَئِلا يَغْتَرَّ مُغْترٌّ أنهم أهلُ كتابِ الله ومن المحافظِينَ على أمْر الله.
ثُمَّ قال تعالى :﴿وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بالتوراةِ وإنْ كانوا يُظْهِرُون الإيمانَ بها، وقِيلَ : هذا إخبارٌ بأنهم لا يُؤمنونَ أبَداً، وهو خَبَرٌ عن المستأنفِ لا عَنِ الماضِي.
وقِيلَ : إنَّهمَ وَإنْ طلبُوا الحكمَ مِنْك فما هُم بمؤمِنينَ بِكَ، ولا بالمعتقدينَ في صِحّةِ حُكْمكَ.
١ سقط في أ..
٢ ينظر: الكشاف ١/٦٣٦..
٣ في أ: إياهم..
٤ سقط في أ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى