التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التوراة فِيهَا حُكْمُ الله ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذلك وَمَآ أولئك بالمؤمنين﴾
أي أن أمر هؤلاء اليهود لمن أعجب العجب، لأنهم يحكمونك - يا محمد - في قضاياهم مع أنهم لم يتبعوا شريعتك ومع أن كتابهم التوراة قد ذرك حكم الله صريحا واضحا فيما يحكمونك فيه.
فالاستفهام في قوله :﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ للتعجب من أحوالهم حيث حكموا من لا يؤمنون به قضية حكمها بين أيديهم، ظنا منهم أنه سيحكم بينهم بما اتفقوا عليه مما يرضى أهواءهم وشهواتهم.
وقوله :﴿وَعِنْدَهُمُ التوراة﴾ جملة حالية من الواو ( يحكمونك ) والعامل ما في الاستفهام من التعجيب.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت ﴿فِيهَا حُكْمُ الله﴾ ما موضعه من الإِعراب ؟ قلت : إما أن ينتصب على الحال من التوراة، وكلمة التوراة، وكلمة التوارة هي مبتدأ والخبر ( عندهم ) وإما أن يرتفع خبرا عنها كقولك : وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله. وإما أن لا يكون له محل وتكون جملة مبينة، لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كما تقول : عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره.
وقوله :﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذلك﴾ معطوف على ( يحكمونك ).
وجاء العطف بثم المفيدة للتراخي للإِشارة إلى التفاوت الكبير بين ما في التوراة من حق وبين ما هم عليه من باطل ومخادعة.
وسم الإشارة ( ذلك ) يعود إلى حكم الله الذي في التوراة، والذي حكم به النبي ﷺ.
أي : كيف يحكمونك يا محمد في قضاياهم والحال أنهم عندهم التوراة فيها حكم الله واضحاً فيما تحاكموا إليك فيه، ثم هم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما قضى الله به في كتابهم التوراة.
وقوله :﴿وَمَآ أولئك بالمؤمنين﴾ تذييل مقرر لمضمون ما قبله.
ونفي الإِيمان عنهم مع حذف متعلقة لقصد التعميم.
أي : وما أولئك الذين جاءوا يتحاكمون إليك من اليهود بالمؤمنين لا بكتابهم التوراة. لأنهم لو كانوا مؤمنين به لنفذوا أحكامه، ولا بك يا محمد لأنهم لو كانوا مؤمنين بك استجابوا لك فيما تأمرهم به وتنهاهم عنه.
قال الفخر الرازي : قوله - تعالى - :﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾.. إلخ : هذا تعجيب من الله لنبيه ﷺ بتحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني، ثم تركهم قبول ذلك الحكم فعدلوا عما يعتقدونه حكما حقا إلى ما يعتقدونه باطلا طلبا للرخصة.
فلا جرم ظهر جهلهم وعنادهم في هذه الواقعة من وجوه :
أحدها : عدولهم عن حكم كتابهم.
والثاني : رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطل.
والثالث : إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه. فبين الله حال جهلهم وعنادهم لئلا يغتريهم مغتر أنهم أهل كتاب الله، ومن المحافظين على أمر الله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى